بالذكاء الاصطناعي.. المصريون يشاركون في العبور بذكرى أكتوبر
في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
لم تُلتقط هذه الصور في أكتوبر/تشرين الأول 1973، ولم يظهر أصحابها في خنادق الحرب أو أمام الساتر الترابي لخط بارليف، لكنها تبدو -للوهلة الأولى- كما لو أنها خرجت من ألبوم قديم يوثق لحظات العبور.
بالتزامن مع ذكرى حرب أكتوبر، تداول مستخدمون مصريون مقاطع وصورا مولدة بالذكاء الاصطناعي تستحضر أجواء الحرب، من جنود يرفعون العلم المصري وسط المعارك إلى لقطات تحاكي مشاهد اقتحام التحصينات الإسرائيلية.
قصص مقترحة
list of 2 items* list 1 of 2 لم تسقطه المياه وحدها.. كيف فككت خطة العبور “أسطورة بارليف”؟
* list 2 of 2 السفارات الرقمية.. محاولة جديدة لحماية التاريخ والوثائق end of list
وفي أحد المقاطع المتداولة على تيك توك، تُعرض مشاهد تخيلية لجنود مصريين يرفعون العلم ويقاتلون في الصحراء، في صورة لا توثق أحداث الحرب لكنها تستعير رموزها البصرية ولغتها الاحتفائية.
من أمر إلى صورة تاريخية مزيفة
لم يتوقف الأمر عند إعادة رسم مشاهد عامة من الحرب، بل وصل إلى وضع وجوه مستخدمين داخل الصورة ذاتها.
ونشر أحد الحسابات طلبا إلى أداة ذكاء اصطناعي يدعو فيه المستخدم إلى رفع صورته الشخصية، ثم تحويله إلى جندي مصري يرتدي زيا عسكريا من سبعينيات القرن الماضي، ويحمل مضخة مياه موجهة إلى الساتر الترابي لخط بارليف.
واللافت أن نص الأمر التوجيهي "برومبت" (Prompt) يطلب أن تأتي النتيجة في هيئة صورة صحفية قديمة، مع حبيبات فيلم وخدوش خفيفة وتفاصيل تحاكي التصوير الوثائقي، بل يطلب أن تبدو الصورة كأنها لقطة تاريخية حقيقية، وليست رسما أو عملا مولدا بالحاسوب.
وهنا لا يُستخدم الذكاء الاصطناعي لاستعادة حدث بعيد فحسب، بل يمنح المستخدم دورا داخله؛ ليس متفرجا على صورة العبور، بل مقاتلا متخيلا في قلبها.
ذكرى جديدة أم تشويش على الذاكرة؟
أثارت هذه الصور نقاشا بين المتابعين. فبينما رأى بعضهم أن المحتوى يقدم طريقة مختلفة لإحياء الذكرى، قال آخرون إن الحرب أكبر من أن تُختزل في صور شخصية أو مشاهد مصممة لإبهار المنصات.
وكتب أحد المعلقين في تغريدة أوردتها حلقة شبكات:
لا يصح أن يتحول شيء له قيمة كبيرة مثل حرب أكتوبر ويتدخل فيها الذكاء الاصطناعي لأن ما حدث فيها يفوق قدرة هذا الذكاء، وهو لن يفعل أفضل مما كان.. تلك كانت معجزة الحرب
في المقابل، رأى متابع آخر أن التحول الرقمي أضفى نكهة مختلفة على الاحتفاء بالذكرى، وكتب:
ذكرى أكتوبر المرة دي غير كل سنة.. التحفيل السنة دي جاي بنكهة الذكاء الاصطناعي.. كل سنة وأكتوبر ينكد عليهم
أما تعليق ثالث فاختصر وجهة نظر مؤيدة لهذا الاستخدام بالقول إن أكثر ما يعجبه في محتوى الذكاء الاصطناعي عن الحرب هو ما يراه في ذكرى انتصارات أكتوبر عاما بعد عام.
ولا تعكس هذه التعليقات موقفا واحدا من التقنية، بقدر ما تكشف خلافا بشأن وظيفة الصورة نفسها: هل هي مساحة للتخيل والاحتفاء؟ أم سجل بصري ينبغي ألا تختلط عليه اللقطة الأصلية بالصورة المصنوعة؟
حين ينافس المشهد الرقمي الأرشيف
تكتسب المسألة حساسية خاصة، لأن حرب أكتوبر ليست مناسبة عابرة في الذاكرة المصرية. ففي 6 أكتوبر/تشرين الأول 1973، بدأت مصر وسوريا الحرب ضد إسرائيل، وعبرت القوات المصرية قناة السويس في عملية فتحت ثغرات في الساتر الترابي لخط بارليف، وهو ما جعل مشاهد المضخات وخراطيم المياه رمزا متكررا في المحتوى المتداول. وتعرض الهيئة العامة للاستعلامات المصرية هذه الوقائع ضمن ملفاتها التوثيقية عن الحرب.
لكن الصورة المولدة لا تحل محل الأرشيف، حتى حين تتعمد تقليد ملامحه، فهي تبني مشهدا جديدا من عناصر يعرفها المستخدم مسبقا؛ العلم والزي العسكري والرمال والمدافع وخراطيم المياه والسواتر الترابية.
وهنا تظهر المفارقة؛ فكلما اقتربت الصورة من شكل الوثيقة، زادت الحاجة إلى الإفصاح بوضوح عن كونها مولدة بالذكاء الاصطناعي، حتى لا تتحول محاكاة الذاكرة إلى مادة تلتبس على من يشاهدها لاحقا.
من الصور إلى الفيلم
وتوسع استخدام الذكاء الاصطناعي في استحضار الحرب ليتجاوز الصورة المفردة. فقد تداول مستخدمون أيضا مقاطع من فيلم قصير بعنوان "التوجيه 41″، يقدم معالجة درامية عن حرب أكتوبر/تشرين الأول، ووصفه منشور على إكس بأنه فيلم روائي مدته 9 دقائق مصنوع بالكامل بالذكاء الاصطناعي.
وتبقى القيمة الأهم لهذه الأعمال في وضوحها؛ أن تُقدَّم بوصفها معالجة فنية أو محاكاة رقمية، لا بوصفها صورا من الحرب. فذكرى العبور لا تحتاج إلى إعادة صناعتها كي تبقى حاضرة، لكن المنصات تفتح أمام جيل جديد طريقة مختلفة للاقتراب منها ومناقشتها.