بعد ثلاث سنوات على هجوم 7 أكتوبر والحرب التي أعقبته، تغيّرت في غزة حتى أبسط طرق الحصول على المال وإنفاقه.

في ذروة أزمة السيولة، كان السكان يدفعون عمولات مرتفعة للحصول على أوراق نقدية من حساباتهم المصرفية أو محافظهم الإلكترونية. أما اليوم، فقد انقلبت المشكلة جزئيا، إذ اتسع استخدام التحويلات الرقمية، وتراجع الطلب على النقد، وبات بعض التجار والسكان أكثر ترددا في قبول أوراق نقدية قديمة أو مهترئة.

وظهر هذا التحول بوضوح في بيان أصدرته حكومة حماس مؤخرا، دعت فيه المواطنين والتجار إلى قبول العملات الورقية الصالحة للاستخدام، سواء كانت جديدة أو قديمة، ما دامت غير تالفة، وحذرت من إجراءات بحق المخالفين.

وتكشف المقابلات التي أجرتها “الحرة” والبيانات التي اطلعت عليها، كيف انتقلت غزة خلال ثلاث سنوات من نقص حاد في النقد إلى اقتصاد يعتمد بدرجة أكبر على التحويلات الإلكترونية، فيما لا تزال فئات، بينها موظفون لدى حماس، تحتاج إلى السيولة النقدية لدفع الرواتب والإنفاق اليومي.

بدأت الأزمة مع اندلاع الحرب في 7 أكتوبر 2023، حين أغلقت معظم فروع المصارف، وتعطلت أجهزة الصراف الآلي، وتوقفت القنوات المعتادة لإدخال النقد إلى القطاع.

قبل الحرب، كان الشيكل العملة الأكثر استخداما في غزة. وكان القطاع يضم 56 فرعا مصرفيا ونحو 90 جهاز صراف آلي، فيما كانت السيولة تصل عبر الرواتب والتحويلات والمساعدات.

حتى قبل الحرب، كانت حماس، المدرجة على قوائم الإرهاب الأميركية، تواجه صعوبات في دفع رواتب موظفيها بانتظام. ففي يوليو 2023، تأخر صرف رواتب نحو 50 ألف موظف قبل أن تبدأ الحركة بدفعها بعد حصولها على جزء من المنحة القطرية وقرض من بنك محلي.

لكن الحرب عطلت ما تبقى من النظام المالي، وفي مارس 2024، قالت سلطة النقد الفلسطينية إن عددا من مقار المصارف وفروعها دُمّر، بينما تعذر على الفروع الأخرى العمل بصورة طبيعية بسبب القصف والوضع الأمني وانقطاع الكهرباء. وخرجت معظم أجهزة الصراف الآلي من الخدمة.

ومع انقطاع وصول النقد، ظهرت على نطاق واسع ظاهرة عُرفت محليا باسم “التكييش” حيث يدفع المواطن أموالا إلكترونيا من حسابه المصرفي أو محفظته الرقمية إلى تاجر أو صراف، ويحصل في المقابل على أوراق نقدية بعد اقتطاع عمولة.

وفي بعض الفترات، تجاوزت تلك العمولة 50 في المئة من قيمة المعاملة.

وقال الخبير الاقتصادي الحسن بكر لـ”الحرة” إن توقف نقل النقد من وإلى غزة جعل السيولة محصورة في الأموال الموجودة بالفعل لدى المواطنين والبنوك، في وقت ارتفع فيه الطلب عليها بشدة.

ولم تكن حماس بمنأى عن الأزمة. إذ قال مصدر مالي في غزة لـ”الحرة” إن الحركة دفعت أجزاء من الرواتب بصورة غير منتظمة، وغيّرت آليات الصرف مع استمرار الحرب، وصولا في بعض الحالات إلى تسليم الأموال نقدا وبصورة سرية.

وخلال الحرب، ظهرت روايات متضاربة بشأن أموال البنوك. إذ قال مسؤولون فلسطينيون إن حماس استولت مع بداية المعارك على نحو 180 مليون دولار من بنك فلسطين ومؤسسات مالية أخرى.

وفي المقابل، قالت سلطة النقد إن نحو 180 مليون دولار، من أصل 290 مليونا كانت محفوظة في خزائن البنوك داخل القطاع، تعرضت للنهب خلال الحرب.

وسجل معهد أبحاث السياسات الاقتصادية الفلسطيني “ماس” خسائر مباشرة تجاوزت 14 مليون دولار في منشآت القطاع المالي، فيما تجاوزت خسائر محفظة الائتمان مليار دولار.

وبنهاية مارس 2024، كانت جميع فروع المصارف وأجهزة الصراف الآلي خارج الخدمة. وفي ديسمبر من العام نفسه، لم يبق سوى 3 أجهزة تعمل بصورة جزئية.

وقالت سلطة النقد إن إسرائيل لم تستجب لطلبات السماح بإدخال النقد إلى القطاع، ما أدى إلى استنزاف المخزون الموجود، وإعادة تداول الأوراق نفسها مرارا من دون استبدال الأوراق البالية.

وقال صاحب محل صرافة في غزة لـ”الحرة” إن مسؤولين تابعين لحماس فرضوا خلال الحرب قيودا على بعض المعاملات، وإن مكاتب صرافة مرتبطة بالحركة فرضت عمولات مرتفعة على الحوالات الخارجية.

وأضاف أن حوالة بقيمة 500 شيكل كانت تصل أحيانا إلى المستفيد بقيمة 350 شيكلا فقط، بعد اقتطاع 150 شيكلا كعمولة.

وفي يناير 2025، قدرت الأمم المتحدة أن نحو 1.5 مليار شيكل كانت متداولة خارج النظام المصرفي والخدمات المالية الرسمية.

ومع عودة بعض الخدمات المصرفية والعمل بالتطبيقات الرقمية، بدأت المعادلة تتغير.

ففي 28 يناير 2025، أعلنت سلطة النقد استئناف العمل من خلال فروع في دير البلح والنصيرات، وأتاحت خدمات مصرفية إلكترونية مجانا في ظل استمرار نقص النقد.

وبمرور الوقت، يقول الخبير الاقتصادي حامد جاد، إن الحاجة إلى الأوراق النقدية تراجعت لدى شريحة من السكان، خصوصا بعدما أصبح التجار الكبار والمستوردون أكثر اعتمادا على التحويلات الإلكترونية.

لكن هذا التحول لم يشمل الجميع. فالسيولة لا تزال ضرورية لفئات لا تملك حسابات مصرفية أو لا تستطيع الاعتماد على التطبيقات، ومن بينها بعض موظفي حماس.

ويربط بكر التحول أيضا بتراجع القوة الشرائية، وتلف كميات من الأوراق النقدية أو فقدانها، إضافة إلى حالات احتيال رافقت التوسع السريع في استخدام الخدمات الرقمية.

وفي أغسطس 2026، وثقت وكالة “أسوشيتد برس” استفادة حكومة غزة التي تقودها حماس من الأموال المحصلة على السلع المهربة.

ونقلت عن محمد بربخ، من وزارة الاقتصاد في غزة، قوله إن السلطات تحصل على ما يصل إلى 20 في المئة من قيمة السلع المهربة إذا أبلغ التاجر عنها، وترتفع النسبة إلى 80 في المئة إذا لم يبلغ عنها واكتشفتها السلطات.

ونقلت الوكالة عن مسؤولين كبيرين في إدارة حماس أن الأموال المحصلة تساعد في تمويل الخدمات الاجتماعية ورواتب موظفي الخدمة المدنية والشرطة، وقدّرا أن ما يصل إلى 100 مليون دولار جُمع من السلع المهربة منذ وقف إطلاق النار.

وبحلول سبتمبر 2026، أبلغت غرفة تجارة غزة مجموعة العمل النقدية التابعة للأمم المتحدة بأن عمولة الحصول على النقد انخفضت إلى صفر في المئة، بعدما كانت في ذروة الأزمة تستنزف جزءا كبيرا من قيمة أي معاملة.

وأظهرت بيانات “يونيسف” أن أكثر من 99 في المئة من الأسر التي رصدتها بين يونيو وأغسطس استخدمت التحويلات الرقمية حصرا للحصول على المساعدات.

وبذلك، لم تختف أزمة المال في غزة بقدر ما تغير شكلها.