روسيا تؤكد أن الوضع "تحت السيطرة" بعد تقارير عن وفاة امرأة بالطاعون.. وترامب يعرض المساعدة
قال وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو إن بلاده تراقب الوضع في روسيا لكنها لا ترى "ما يدعو إلى القلق".
أثارت وفاة موظفة شابة في معهد متخصص بمكافحة الطاعون في منطقة إيركوتسك الروسية، جنوب شرقي سيبيريا، مخاوف من احتمال التعرض لبكتيريا الطاعون ، فيما سارعت السلطات الروسية إلى نفي وجود أي إصابة مؤكدة بالمرض، مؤكدة أن الوضع الصحي والوبائي في المنطقة تحت السيطرة.
وتعود القضية إلى وفاة داريا شيبيلوفا، البالغة 28 عامًا، والتي كانت تعمل في معهد إيركوتسك لأبحاث مكافحة الطاعون. وأعلنت السلطات أن الشابة توفيت إثر التهاب رئوي مجهول السبب، وليس بسبب الطاعون، بينما وضعت السلطات الصحية نحو 200 شخص ممن خالطوها تحت المراقبة الطبية كإجراء احترازي.
ولم تسجل حتى الآن حالات طاعون جديدة بين هؤلاء الأشخاص.
لكن القضية أثارت جدلا بسبب طبيعة عمل المتوفاة، إذ إن المعهد الذي كانت تعمل فيه متخصص في دراسة الأمراض المعدية، بما فيها الطاعون، ما دفع وسائل إعلام إلى تداول فرضيات عن تعرضها لبكتيريا يرسينيا بيستيس (Yersinia pestis)، المسببة للمرض.
وأفادت وكالة أسوشيتد برس بأن بعض الأشخاص الذين كانوا على اتصال بالمتوفاة جاءت نتائج فحوصهم إيجابية لفيروسات شائعة، بينها كوفيد-19، لكن لم تثبت إصابتهم بالطاعون.
رواية عن أنبوب مكسور.. والسلطات تنفي
بحسب تقارير إعلامية روسية، ظهرت رواية تفيد بأن شيبيلوفا ربما تعرضت للعدوى بعد حادث داخل المختبر تمثل في كسر أنبوب اختبار يحتوي على العامل المسبب للطاعون الرئوي. ونقلت صحيفة "ليودي بايكال" عن مصادر أن الحادث وقع في 25 سبتمبر/أيلول، وأن الشابة بدأت تشعر بالمرض بعد ذلك بفترة قصيرة.
لكن هذه الرواية لم تؤكدها السلطات الروسية، التي نفت وجود دليل على تعرض الموظفة لبكتيريا خطرة مرتبطة بعملها.
وقال حاكم منطقة إيركوتسك إيغور كوبزيف إن لجنة من الخبراء حققت في ملابسات الوفاة، وخلصت إلى أن السبب كان التهابًا رئويًا مجهول المصدر. كما أعلنت الهيئة الفدرالية الروسية للرقابة على حماية حقوق المستهلك ورفاه الإنسان، المعروفة باسم "روسبوتريبنادزور"، أن الفحوص لم تكشف في العينات البيولوجية للشابة عن كائنات دقيقة يمكن ربطها بعملها المهني.
وأكد كوبزيف عدم تسجيل حالات جديدة بين العاملين في معهد مكافحة الطاعون احتاجت إلى رعاية طبية منذ وفاة الموظفة، مضيفًا أن الوضع الصحي والوبائي في المنطقة "مستقر" وأن السلطات والخبراء يواصلون السيطرة عليه.
وفي موسكو، دعا المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف إلى الاعتماد على المعلومات الرسمية الصادرة عن "روسبوتريبنادزور".
وقال بيسكوف، ردًا على أسئلة الصحافيين بشأن وفاة الموظفة، إن المعلومات الرسمية هي المرجع في تحديد طبيعة الحالة وما إذا كان هناك خطر وبائي.
من جهتها، أكدت السلطات الصحية الروسية عدم وجود دليل حتى الآن على تفشّي الطاعون، مشيرة إلى أن الأشخاص الذين خالطوا المتوفاة يخضعون للمراقبة وأن التحقيقات والفحوص مستمرة. ووفق المعلومات التي نقلتها رويترز، لم تثبت إصابة أي من المخالطين بالطاعون، فيما خلصت السلطات إلى عدم وجود صلة مثبتة بين وفاة الموظفة وعملها في المعهد.
بدورها، أعلنت الولايات المتحدة أنها تتابع التطورات.
وقال الرئيس دونالد ترامب إن واشنطن علمت بالواقعة وإنها "تدرس الأمر بجدية"، مضيفًا أن الولايات المتحدة مستعدة لمساعدة روسيا "بقدر ما تستطيع".
أما وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، فقال إن الولايات المتحدة تراقب الوضع، لكنه أضاف أنه لا يرى في الوقت الراهن "ما يدعو إلى القلق". وأشار في الوقت نفسه إلى أن طبيعة الطاعون الرئوي تستدعي متابعة مستمرة، خصوصًا في حال وجود احتمال لانتقال العدوى من شخص إلى آخر.
وقال روبيو إن حركة السفر بين الولايات المتحدة وروسيا محدودة، لكن أي تسرب لمرض شديد العدوى يمكن أن يؤدي إلى انتشار سريع.
لماذا أثارت الوفاة كل هذا القلق؟
يُعد الطاعون من الأمراض التي ما زالت موجودة في الطبيعة في أجزاء من العالم، بما فيها مناطق من آسيا الوسطى وسيبيريا.
وتقول منظمة الصحة العالمية إن الطاعون مرض بكتيري تسببه بكتيريا توجد عادة لدى بعض الثدييات الصغيرة وبراغيثها. ويمكن أن ينتقل إلى البشر عبر لدغات البراغيث المصابة أو ملامسة أنسجة أو سوائل حيوانات مصابة، بينما يمكن للطاعون الرئوي أن ينتقل بين البشر عبر الجزيئات التنفسية.
والطاعون الدبلي هو الشكل الأكثر شيوعًا، ويؤدي عادة إلى تورم مؤلم في العقد اللمفاوية، بينما يُعد الطاعون الرئوي الشكل الأكثر خطورة وعدوى، لأنه يمكن أن ينتقل من شخص إلى آخر عبر الجهاز التنفسي.
غير أن تشخيص الطاعون لا يمكن أن يستند إلى الأعراض وحدها. وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن تأكيد الإصابة يتطلب فحوصًا مخبرية.
ورغم الصورة التاريخية المرتبطة بالطاعون و"الموت الأسود"، فإن المرض لم يعد اليوم حكمًا بالموت كما كان في العصور الوسطى.
وتوضح منظمة الصحة العالمية أن المضادات الحيوية يمكن أن تكون ناجعة في علاج الطاعون إذا شُخّصت الإصابة في وقت مبكر. لكن الخطر يرتفع بشدة في حالة الطاعون الرئوي غير المعالج، الذي يمكن أن يصبح قاتلًا بسرعة.
وتشير بيانات المنظمة إلى أن معظم حالات الطاعون البشري المسجلة خلال السنوات الأخيرة تركزت في جمهورية الكونغو الديمقراطية ومدغشقر، في حين تبقى الحالات البشرية نادرة في العديد من المناطق التي توجد فيها بؤر طبيعية للمرض.
سيبيريا تعرف الطاعون جيدًا
لا تُعد سيبيريا غريبة عن الطاعون من الناحية الوبائية.
فقد بقيت بعض البؤر الطبيعية للبكتيريا في أجزاء من روسيا ومناطق مجاورة، حيث يمكن أن تستمر دورة المرض بين الحيوانات البرية والبراغيث.
لكن وجود بؤرة طبيعية لا يعني بالضرورة وجود تفشٍ بين البشر.
وتوضح منظمة الصحة العالمية أن الطاعون مرض حيواني المنشأ، وأن انتقاله بين الحيوان والإنسان يرتبط في الغالب بالتعرض للحيوانات المصابة أو البراغيث، بينما يمثل انتقال الطاعون الرئوي بين البشر حالة مختلفة وأكثر خطورة من الناحية الوبائية.
واعتبرت المنظمة أن خطر الصحة العامة المرتبط بالواقعة منخفض في الوقت الراهن، مع استمرار متابعة الوضع والتحقيق في ملابسات الوفاة.