هربا من البرد والغلاء.. سوريون يرممون منازلهم الطينية بريف القامشلي
في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
مع اقتراب الشتاء، تعود أعمال ترميم المنازل الطينية إلى قرى ريف القامشلي شمال شرقي سوريا، حيث يجتمع الشبان لإعداد خليط من التراب والتبن والماء، ثم يصعدون إلى الأسطح لتجديد طبقة الطين التي تحمي البيوت من الأمطار وتساعد على الاحتفاظ بالدفء.
وتعرض هذه المشاهد، ضمن تقرير للجزيرة مباشر، جانبا من حياة سكان القرى الذين ما زالوا يعتمدون على بيوت اللبن في مواجهة ظروف معيشية صعبة، فيما تحافظ عملية الترميم على عادة ريفية قديمة تقوم على التعاون بين أبناء القرية في تجهيز المنازل قبل موسم الأمطار.
قصص مقترحة
list of 2 items* list 1 of 2 دمشق بين موسكو وبروكسل.. سياسة التوازن السورية أمام اختبار أوروبي
* list 2 of 2 سوريا.. مظاهرات في الحسكة تطالب بتعزيز حضور مؤسسات الدولة وفرض الأمن end of list
وتبدأ العملية بإحضار التراب والتبن وخلطهما بالماء، ثم يترك الخليط ساعات أو يومين بحسب نوع التراب، قبل إعادة عجنه وتجهيزه للاستخدام، وبعد ذلك يتولى الشبان نقله إلى السطح، حيث يفردونه بالمالج ويسوون طبقته فوق الجدران والأسقف.
ويقول أحد الشبان المشاركين في الترميم إن هذه الأعمال تبدأ عادة مع اعتدال الطقس ودخول الخريف، وتزداد الحاجة إليها عندما تكون التوقعات بموسم ممطر، وفي بعض المنازل توضع ألواح معدنية أو أغطية بلاستيكية فوق الطين لتقليل تسرب المياه.
ويستند هذا الأسلوب إلى خصائص البناء الطيني التي تجعل المنزل أكثر دفئا خلال الشتاء وأقل احتفاظا بالحرارة في الصيف، وفقا للشبان، كما يمثل المنزل الطيني بالنسبة إلى كثير من سكان المنطقة جزءا من نمط عمراني توارثته العائلات عن الآباء والأجداد.
فزعة القرية
ويروي رجل مسن أن ترميم المنازل كان في الماضي مناسبة تجمع أبناء القرية بأعداد كبيرة، إذ يتوزعون بين نقل التراب وإحضار التبن وتجهيز الطين والعمل فوق الأسطح، بينما تتكفل العائلات بإعداد الطعام للمتطوعين المشاركين في ما يعرف محليا بـ"الفزعة".
ويستعيد الرجل تلك الأيام بوصفها تقليدا قائما على التكافل، فكل منزل يأتي دوره يجد عشرات الأشخاص مستعدين لمساعدة أصحابه، وتتكرر العملية من بيت إلى آخر، ويرى أن هذه العادة تراجعت مع هجرة أعداد من الشباب وتغير ظروف الحياة في القرى.
ويقول إن أعمال الترميم باتت اليوم أكثر فردية، بعدما أصبح صاحب المنزل يعتمد على أفراد أسرته أو عدد محدود من معارفه، ويعكس ذلك تحولا في نمط العلاقات الاجتماعية التي كانت تجعل أعمال البناء والترميم مسؤولية جماعية يتقاسمها أبناء القرية.
ورغم ذلك، ما تزال بعض صور التعاون حاضرة، إذ يتجمع الشبان لمساعدة أصحاب المنازل في إعداد الطين ونقله إلى الأسطح، وتختلف وتيرة الترميم من منزل إلى آخر، بحسب حالة السقف ونوع المواد المستخدمة وقدرة الأسرة على تحمل تكاليف الصيانة.
ويرى الرجل المسن أن الجمع بين أساس إسمنتي وطبقات طينية داخل المنزل يوفر عزلا حراريا أفضل من الاعتماد الكامل على الإسمنت، مشيرا إلى أن المنازل الخرسانية تحتاج إلى كميات أكبر من الوقود للتدفئة خلال الشتاء، في ظل ارتفاع كلفته.
كلفة تدفع للتراث
ويضع شاب آخر أعمال الترميم في سياق اقتصادي أكثر قسوة، موضحا أن كثيرا من السكان لم يعودوا قادرين على بناء منازل من البلوك والخرسانة، وأن اللجوء إلى الطين يرتبط في جانب منه بانخفاض تكاليفه مقارنة بمواد البناء الحديثة.
ويؤكد الشاب أن سكانا ميسوري الحال تخلوا عن المنازل الطينية واتجهوا إلى البناء الحديث، بينما يتمسك بها آخرون لأن إمكاناتهم المالية لا تسمح بخيارات أكثر كلفة، ويقول إن ارتفاع أسعار الوقود يزيد أهمية قدرة الطين على الاحتفاظ بالدفء.
وتتأثر وتيرة أعمال "السياع" أيضا بتغير أساليب البناء، بعدما لجأت بعض الأسر إلى تركيب ألواح معدنية أو تغطية الأسطح بالشوادر، ما يقلل الحاجة إلى إعادة ترميمها سنويا، ولهذا أصبحت بعض المنازل تخضع للصيانة كل عامين أو ثلاثة.
وبحسب الشبان، تختلف مدة تجهيز خليط الطين باختلاف مصدر التراب؛ فقد يصبح جاهزا خلال ساعات إذا كان من تربة مناسبة، بينما يحتاج التراب المحفور إلى يومين أو ثلاثة، ويخلط التراب بالتبن ثم يضاف الماء، قبل تركه ليختمر وإعادة عجنه ودوسه.
وفي مشهد تختلط فيه أقدام الأطفال بالطين وحركة الشبان على السلالم الخشبية، تستمر عملية ترميم المنازل مع اقتراب الشتاء، وبين عادة قديمة وضغط اقتصادي متزايد، يجد سكان ريف القامشلي في الطين وسيلة عملية لتأمين مساكن أكثر قدرة على مواجهة البرد.