زلزال كورنيل.. من قصور التحقيق إلى مستقبل الجامعة وأمان النساء
تحولت جامعة كورنيل الأمريكية إلى بؤرة أزمة وطنية بشأن اعتداء جنسي مزعوم على إحدى الطالبات في إحدى دور ما يسمى بـ"الأخويات"، وهي جمعيات طلابية غالبا للذكور، تنشأ داخل الجامعات الأمريكية وتقوم على العضوية والروابط الاجتماعية والأخوية، وتدير عادة منازل أو مقرات خاصة يقيم فيها بعض أعضائها، وتنظم أنشطة اجتماعية وحفلات وفعاليات طلابية، وتتميز بهوية وتقاليد خاصة بكل أخوية.
نشأت هذه الأزمة بعد فتح ملف قديم حول تعامل الجامعات الأمريكية مع الاعتداءات الجنسية، وكشفت وثائق جديدة عن فجوات بين رواية الطالبة الضحية للشرطة وما وصل إلى المدعي العام، فيما ظل الغضب يتصاعد داخل الحرم الجامعي ويمتد أثره إلى سمعة الجامعة وقدرتها على جذب الطلاب.
مصدر الصورة
رواية الطالبة وتحقيق الشرطة
وتعود القضية إلى ليلة 19 أكتوبر/تشرين الأول 2024، عندما ذهبت طالبة في كورنيل إلى منزل أخوية "تشي فاي" للقاء شاب تعرفه، ووفقا لروايتها التي حصلت نيويورك تايمز على نصها الكامل، كانت قد تناولت الكحول وأصبحت شديدة السكر، ثم بدأت ليلة قالت إنها كانت في بدايتها "علاقة جنسية بالتراضي"، قبل أن يتغير الوضع مع دخول رجال آخرين إلى الغرفة.
قصص مقترحة
list of 2 items* list 1 of 2 سلاح روسيا السري.. لماذا لا تجدي العقوبات نفعا رغم الحسابات الدقيقة؟
* list 2 of 2 إعادة تشكيل البنتاغون.. إصلاحات هيغسيث بين تحديث الحرب وتفكيك المؤسسة العسكرية end of list
قالت الطالبة للشرطة -في مقابلة استمرت ساعات- إنها وجدت نفسها عارية ومحاطة بعدد من الرجال، وإنها لم تعد تعرف من لمسها، وإن بعض الرجال كانوا يتعاطون الكيتامين في الغرفة، كما قالت إنها شعرت بأنها غير قادرة على الهرب أو إيقاف ما كان يحدث، وإنها في نهاية الأمر خلصت إلى أنها تعرضت للاغتصاب.
لكن التحقيق الجنائي اتخذ مسارا مختلفا، فقد أعد ضابط من شرطة كورنيل بيانا مختصرا من 6 صفحات يلخص إفادتها، ووقعت عليه في اليوم التالي بعد إدخال نحو 20 تصحيحا بخط يدها، غير أن الوثيقة التي أرسلت إلى مكتب المدعي العام لم تتضمن -بحسب نيويورك تايمز- بعض العبارات الأكثر وضوحا التي قالتها الطالبة خلال المقابلة، ومنها قولها إنها تستطيع أن تؤكد بنسبة 100% أنها تعرضت للاغتصاب.
وكان ذلك البيان هو الدليل الأساسي الذي استند إليه المدعي العام لمقاطعة تومبكينز، ماثيو فان هوتن، عندما قرر في عام 2024 عدم توجيه اتهامات جنائية إلى الرجال السبعة الذين اتهمتهم الطالبة بالمشاركة في الاعتداء.
مصدر الصورة
الشرطة تتجاهل أقوال الضحية
ودافع فان هوتن عن قراره قائلا إن البيان الذي تلقاه لم يتضمن ادعاء بأنها تعرضت للتخدير ضد إرادتها أو للاغتصاب الجماعي، وإن ما ورد فيه وصف مشاركتها في تعاطي المخدرات والنشاط الجنسي بأنها طوعية وواعية وبرضاها.
لكن الوثائق التي راجعتها نيويورك تايمز تظهر أن الشرطة لم تنقل إلى مكتب المدعي العام قولها الصريح إنها تعرضت للاغتصاب، مما يثير تساؤلات حول مدى اكتمال المعلومات التي بُني عليها القرار.
وفي أعقاب الدعوى القضائية التي رفعتها الطالبة، أعاد مكتب المدعي العام فتح التحقيق، وقال فان هوتن إنه يدرس الأدلة الجديدة وإمكان عرض القضية مجددا على هيئة محلفين كبرى.
وحتى الآن لم توجه اتهامات جنائية إلى أي من الرجال السبعة، وجميعهم أنكروا ارتكاب مخالفات، بينما قال بعضهم إن العلاقات الجنسية التي حدثت كانت بالتراضي.
وتكشف أكثر من ألف صفحة من ملفات تحقيق كورنيل الداخلي -التي حصلت عليها نيويورك تايمز- عن صورة أكثر تعقيدا، فقد استجوب محققو الجامعة ستة من الرجال السبعة، إضافة إلى نحو 20 شاهدا، واطلعوا على رسائل إلكترونية ورسائل نصية ومنشورات على منصات التواصل.
من المبكر معرفة ما إذا كانت الأزمة ستؤدي فعلا إلى انخفاض كبير في أعداد المتقدمين، فكورنيل بوصفها جامعة مرموقة ذات اسم عالمي، تتمتع بقدرة كبيرة على جذب الطلاب، وقد تلقت أكثر من 67 ألف طلب في العام السابق وقبلت نحو 9% فقط من المتقدمين
أقوال متباينة
ووفقا لهذه الملفات، نفى الرجال في معظم إفاداتهم اتهامات الطالبة، وقال بعضهم إنها بادرت إلى العلاقات الجنسية، وفي الوقت نفسه أظهرت بعض الإفادات أن عددا منهم أدرك أن الوضع كان مقلقا أو غير طبيعي.
كما قدمت الطالبة للجامعة أدلة قالت إنها توثق آثار ما حدث، بينها صور لكدمات وآثار على جسدها، واحتفظت بالملابس التي كانت ترتديها في تلك الليلة، قبل أن تخضع لفحص طبي.
لكن روايتها نفسها شهدت بعض التطور بين إفادتها الأصلية والدعوى التي رفعتها عام 2026، ففي التحقيق الأول قالت إن اللقاء الجنسي في بدايته كان "جيدا إلى حد ما"، وإنها كانت تعتبر اثنين من الرجال أصدقاء لها، قبل أن يتحول الأمر مع وصول رجال آخرين إلى ما اعتبرته اعتداء، وفي الدعوى اللاحقة قالت إنها كانت غير قادرة على الموافقة حتى على العلاقة الأولى بسبب حالة السكر الشديد.
مشكلة أوسع
ويشير موقع "ذا أتلانتيك" -في تحليل للكاتبة صوفي غيلبرت- إلى أن القضية لا تتعلق بكورنيل وحدها، بل تعكس مشكلة أوسع في الحياة الجامعية الأمريكية، حيث يمكن لثقافة "الأخويات"، والتعامل مع النساء بوصفهن أدوات لإثبات الروابط الذكورية، أن تتقاطع مع التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي.
وتستند غيلبرت إلى تاريخ طويل من الدراسات حول الاعتداء الجنسي في الجامعات، وإلى وقائع سابقة في كورنيل نفسها، بما في ذلك تعليق أنشطة الأخويات عام 2022 بعد بلاغ عن اعتداء جنسي وبلاغات أخرى عن تخدير طالبات، فضلا عن قضايا سابقة مرتبطة بثقافة الأخويات.
وتربط الكاتبة بين هذا الواقع وما يحدث الآن في الإنترنت، فقد كشفت مجلة "وايرد" الأمريكية عن مجتمعات إلكترونية يستخدم فيها شبان مرتبطون بجامعات وأخويات حسابات مجهولة لنشر صور طالبات، والسخرية منهن أو إذلالهن جنسيا.
وفي إحدى الحالات، انتشرت صور ومقاطع لطالبة في جامعة فلوريدا على نطاق واسع، وتحولت إلى هدف لحملة إلكترونية تضمنت رسائل تدفعها إلى الانتحار.
مصدر الصورة
اتساع ثقافة الإذلال الجنسي
وهكذا، وفقا لتحليل "ذا أتلانتيك"، لم تعد ثقافة الإذلال الجنسي محصورة في غرف الأخويات أو الحرم الجامعي، بل باتت التكنولوجيا قادرة على توسيع نطاقها وتحويل الاعتداء أو التشهير إلى مادة قابلة للانتشار الجماعي خلال دقائق.
وفي كورنيل، انعكس الغضب على الحياة اليومية داخل الجامعة، فقد عقدت "الحكومة الطلابية" اجتماعا عاما شارك فيه نحو 100 شخص، تحدث بعضهم وسط البكاء والغضب عن تجارب شخصية مع الاعتداء الجنسي، وانتقدوا إدارة الجامعة وآليات التحقيق في شكاوى الاعتداءات الجنسية.
وقالت الطالبة جين وانغ إنها سبق أن قدمت بلاغا لكنها واجهت -كما قالت- كمًّا كبيرا من الأوراق وقلة الإرشادات وغياب المتابعة بشأن نتيجة التحقيق.
وطالب الطلاب بتحسين برامج التوعية بالموافقة الجنسية، وتوفير دعم أكاديمي للطلاب المتأثرين نفسيا بالقضية، مؤكدين أن الطلاب لا ينبغي أن يضطروا إلى الاختيار بين التعامل مع الصدمة النفسية ومواصلة الدراسة وكأن شيئا لم يحدث.
تهديد سمعة كورنيل
وفي الوقت نفسه، بدأت الأزمة تهدد بصورة أوسع سمعة كورنيل، فقد ذكرت نيويورك تايمز أن مئات الخريجين أعادوا التفكير في علاقتهم بالجامعة، فيما تعهد أكثر من 600 خريج بوقف التبرعات إلى أن تقدم الجامعة تفسيرا كاملا لطريقة تعاملها مع القضية، كما وقع أكثر من 25 ألف شخص على عريضة تطالب باتخاذ إجراءات ضد مسؤولين في الجامعة.
والأكثر حساسية بالنسبة لكورنيل هو تأثير الأزمة المحتمل على الطلاب الجدد، فقد قال مستشارون للقبول الجامعي إن بعض الطلاب وأسرهم بدؤوا يتساءلون عما إذا كانت الجامعة بيئة آمنة، وإن بعض الطلاب أعادوا النظر في التقدم إليها، ولا سيما الطالبات.
ومع ذلك، تشير نيويورك تايمز إلى أنه من المبكر معرفة ما إذا كانت الأزمة ستؤدي فعلا إلى انخفاض كبير في أعداد المتقدمين، لأن كورنيل بوصفها جامعة مرموقة ذات اسم عالمي، تتمتع بقدرة كبيرة على جذب الطلاب، وقد تلقت أكثر من 67 ألف طلب في العام السابق وقبلت نحو 9% فقط من المتقدمين.
مسؤولية الجامعات
وتشير أبحاث تناولت فضائح جامعية سابقة إلى أن الأزمات الكبرى يمكن أن تؤثر في طلبات الالتحاق، لكن تأثيرها قد يكون مؤقتا، فقد شهدت جامعات أمريكية أخرى انخفاضات في الطلبات بعد فضائح اعتداءات جنسية واسعة النطاق، قبل أن تتراجع آثارها بمرور الوقت.
وهكذا أصبحت أزمة كورنيل أكبر من سؤال يتعلق بما حدث في غرفة داخل منزل أخوية قبل عامين، فهي تجمع بين اتهامات بالاعتداء الجنسي، وإشكالات في نقل المعلومات بين الشرطة والادعاء، ونقاش حول مسؤولية الجامعات، وثقافة الأخويات، وتأثير وسائل التواصل الاجتماعي في تضخيم الإذلال والعنف ضد النساء.
وبينما تحاول كورنيل احتواء الغضب، يبقى السؤال الأوسع مطروحا على الجامعات الأمريكية: هل تكفي إجراءات التحقيق والعقوبات وبرامج التوعية الحالية لمنع الاعتداءات وحماية الطالبات، أم أن الأزمة تكشف حاجة إلى إعادة النظر في البيئة الاجتماعية والتكنولوجية التي تسمح لهذه السلوكيات بالاستمرار؟