دمشق بين موسكو وبروكسل.. سياسة التوازن السورية أمام اختبار أوروبي
في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
تجددت مطالب الاتحاد الأوروبي بضرورة التخلي السوري عن روسيا، كما جاء على لسان كايا كالاس في أثناء المؤتمر الصحفي الذي جمعها بوزير الخارجية السوري أسعد الشيباني في دمشق الثلاثاء الماضي، وأن تبحث سوريا عن بدائل تكون أوروبا إحداها، في وقت تسعى فيه الإدارة السورية الجديدة إلى بناء علاقات متوازنة مع مختلف الدول، قائمة على تصفير المشاكل وعدم الانحياز إلى أي محور أو معسكر.
وتأتي هذه المطالب في ظل تحولات إقليمية ودولية، وتباين في الرؤى حول طبيعة العلاقة التي تريدها كل من دمشق وبروكسل وموسكو، وما يمكن أن يقدم كل طرف للآخر.
دوافع استبعاد روسيا
ويبدو أن الدافع الأوروبي الأساسي لاستبعاد روسيا من المشهد السوري يرتبط بتحولات كبرى في السياسة الأوروبية تجاه موسكو، خاصة بعد الحرب الروسية على أوكرانيا.
قصص مقترحة
list of 2 items* list 1 of 2 سوريا.. مظاهرات في الحسكة تطالب بتعزيز حضور مؤسسات الدولة وفرض الأمن
* list 2 of 2 "السورية للبترول".. عودة خط غاز الجبسة للعمل بعد "عمل تخريبي" end of list
ويوضح الكاتب والمحلل السياسي رامي الخليفة لـ"سوريا الآن" أن "روسيا تحولت في الآونة الأخيرة من خصم إلى عدو للاتحاد الأوروبي، وتدرك أوروبا أن القاعدة الروسية في الساحل السوري هي وجود علني رسمي للروس على المياه الدافئة ويمثل امتدادا إستراتيجيا".
ويشير الخليفة إلى أن هناك "محاولة لتقليص النفوذ الروسي بشكل مباشر من خلال الحرب الأوكرانية أو من خلال العقوبات الاقتصادية أو من خلال الضغط عليها في علاقات روسيا في منطقة الشرق الأوسط وفي أفريقيا، وبالتالي هو توجه أوروبي".
من جهته، يرى مدير مركز أوروبا والمشرق للدراسات الإستراتيجية، فراس حاج يحيى، أن "الحديث عن بديل لروسيا يرتبط برغبة أوروبية في تقليص الوجود العسكري والنفوذ الأمني الروسي، وفي قيام دولة سورية مستقلة القرار، مستقرة، تحكمها مؤسسات وقواعد قانونية واضحة. هذا يخدم، من وجهة نظر بروكسل، أمن شرق المتوسط وأمن أوروبا، ويمنح الشركات الأوروبية ضمانات أكبر لدخول السوق السورية والاستثمار".
ويضيف لـ"سوريا الآن" أن التصريحات الأوروبية "ليست شروطا قانونية مكتوبة أو مطالبة معلنة بقطع العلاقة مع روسيا، لكنها رسالة سياسية مشروطة بوضوح: أوروبا تريد تطوير الشراكة والاستثمار في سوريا، لكنها لا تريد أن تموّل استقرارا اقتصاديا في بلد يبقى قراره الأمني والإستراتيجي مرتبطا بقوة تناصبها العداء في أوروبا وفي ملف أوكرانيا".
لماذا سوريا؟
تكتسب سوريا أهمية إستراتيجية خاصة في الحسابات الأوروبية، ليس فقط بسبب موقعها الجغرافي، بل أيضا بسبب تداعيات عدم الاستقرار فيها على القارة الأوروبية، ويشير رامي الخليفة إلى أن "العلاقة الأوروبية السورية واستقرار الوضع في سوريا هو مصلحة أوروبية، لأن غياب الاستقرار يعني استمرار أزمة اللجوء التي تسبب لها مشاكل".
ويضيف: "مستوى العلاقات بين سوريا وأوروبا ما زال في بداياته، ولا تزال هذه العلاقات تحبو في ظل غياب السفارات والتمثيل القنصلي لعدد من الدول الأوروبية ومسائل أخرى تحول دون وصف العلاقات السورية الأوروبية بالطبيعية".
أما الكاتب والصحفي المتخصص في الشأن الروسي، سامر إلياس، فيؤكد أن "المصلحة الأوروبية الأساسية تقتصر في الوقت الحالي على جملة من القضايا، أهمها موضوع عودة اللاجئين السوريين المرفوضة طلباتهم في الاتحاد الأوروبي، وتأمين عودة طوعية وتسليم مباشر لعدد من السوريين المدانين بجرائم وترحيلهم إلى سوريا، وهذه أولوية أوروبية في العلاقات مع سوريا".
ويشير إلياس إلى أن "هناك مصلحة أوروبية في استقرار سوريا حتى لا تكون مصدرا للاجئين كما حدث في عام 2015″، لكنه يستدرك: "أوروبا غير قادرة على تقديم دعم اقتصادي في مواضيع تتعلق بإعادة الإعمار بسبب أزماتها الاقتصادية والحرب".
ماذا يمكن أن تقدم أوروبا لسوريا؟
على الرغم من المطالب الأوروبية، فإن بعض المحللين يرون أن أوروبا قادرة على تقديم إسهامات مهمة لسوريا في مجالات متعددة.
ويقول حاج يحيى: "تستطيع أوروبا تقديم التمويل والخبرة في إعادة الإعمار، والبنية التحتية، والإدارة العامة، والخدمات، ودعم المؤسسات، وتهيئة بيئة استثمارية للشركات الأوروبية، إضافة إلى دعم العودة المنظمة للاجئين، إلى جانب شرعية الإدارة السورية الجديدة وهي مسألة مهمة، فالاحتضان الأوروبي يدفع بشرعيتها داخليا ودوليا، بعد الاعتراف الأمريكي والروسي".
ويشير إلى أن "الاتحاد الأوروبي يمكن أن يدفع باتجاه إعادة الإعمار والمشاركة لوجستيا وصناعيا وتجاريا في سوريا، وخصوصا هناك أحاديث عن أن تكون سوريا ممرا للطاقة، وبالمحصلة تدفع باتجاه تعاون اقتصادي".
لكن إلياس يبدي تحفظا على قدرة أوروبا على ترجمة هذه الإمكانات إلى واقع، قائلا: "لا أرى أن الجانب الأوروبي قدم كثيرا لسوريا في الآونة الأخيرة، هناك انشغال أوروبي بالحرب الروسية على أوكرانيا، وأزمات اقتصادية، والأهم أن كايا كالاس تتحدث باسم المفوضية الأوروبية، ولكن ليس هناك إجماع أوروبي في عدد من القضايا السياسية".
ويشدد على أن "أوروبا ضرورية في إعادة الإعمار ورفع العقوبات الأوروبية على الحكومة السورية الجديدة، فمن دونها ومن دون الأموال والخبرات الأوروبية أعتقد أن من الصعب إتمام قضايا إعادة الإعمار، ولكن هناك سؤال: هل أوروبا قادرة على ضخ أموال واستثمار في سوريا خلال الفترة المقبلة وراغبة في ذلك؟".
الدور الروسي في سوريا
في المقابل، لا تزال روسيا تحتفظ بحضور قوي في ملفات حيوية بالنسبة لسوريا، وهو ما يجعل التخلي عنها خيارا صعبا.
ويؤكد إلياس أن "الجانب الروسي قدم لسوريا أكثر مما قدمه الجانب الأوروبي، وخاصة في قضيتين مهمتين: الأولى النفط والثانية الحبوب، وأوروبا لم تقدم مثل هذه المساعدات" بعد سقوط نظام الأسد.
ويشير -في حديثه إلى "سوريا الآن"- إلى أن "روسيا متمسكة بالعلاقات مع سوريا، نظرا لأنها كانت المفتاح لعودتها إلى منطقة الشرق الأوسط، صحيح أنها تأثرت بعد سقوط الأسد، لكنها وازنت وأبقت على أدنى درجة لوجودها في سوريا، وهذا يكفي ضمن هذه المرحلة الحالية".
ويضيف: "سوريا غير قادرة على التخلي عن روسيا نظرا لما تقدمه، والأخيرة لا تطرح مبدأ علاقات حصرية معها على خلاف الأوروبيين الذين يريدون بناء علاقات على أساس قطع العلاقات مع الجانب الروسي".
من جانبه، يرى الخليفة أن "روسيا تساهم في منظومة الدفاع الجوي السورية، وكانت هناك أحاديث عن إمكانية مد سوريا بمنظومة إس-400، إلى جانب التعاون العسكري مع روسيا لأن الجيش السوري يعتمد على التسليح الروسي (تاريخيا)، في وقت لا يمكن فيه لأوروبا أن تحل في هذا المجال لاعتبارات تتعلق بالشروط الأمريكية وغياب الإرادة في تسليح سوريا".
ويستبعد "وجود قواعد عسكرية أوروبية في سوريا، لأن الأمر مرتبط بوجود تنسيق أمريكي أوروبي وهو غير موجود".
شراكات متعددة
في المحصلة، يبدو أن الخيار السوري -وفق المحللين- يتجه نحو بناء شراكات متعددة بدلا من استبدال تبعية بأخرى، ويؤكد فراس حاج يحيى في هذا السياق أن "المصلحة السورية ليست في قطع العلاقات مع روسيا أو استبدال تبعية بتبعية، بل في تنويع الشراكات واستعادة القرار الوطني، بحيث تكون العلاقة مع أي طرف على أساس المصلحة والسيادة السورية".
ويشدد على أن "الحل الواقعي ليس استبدال روسيا بأوروبا، بل بناء شراكات متعددة تمنع الاحتكار وتعطي سوريا هامشا أوسع من الاستقلال الاقتصادي والسياسي".
من جهته، يخلص رامي الخليفة إلى أن "الإدارة السورية الحالية لا تؤمن بأن علاقتها مع طرف يجب أن تكون على حساب طرف آخر، بل تريد تصفير المشاكل مع دول الجوار والمحيط الإقليمي والدولي".
أما إلياس فيرى أن "الطلب الأوروبي يتنافى مع قواعد العلاقات الدولية في حرية اختيار الشركاء، وحسب ما تقدمه سوريا في السياسة الخارجية تريد أن تبني علاقات مع جميع الأطراف، والأوروبيون يضغطون في اتجاه قطع العلاقات مع روسيا دون تقديم أي شيء، وأعتقد أن القيادة السورية سترفض الموضوع من باب براغماتي أولا، ومن منطلق أسس العلاقات الدولية والدبلوماسية المتبعة بين الدول برفض سياسات الإملاءات".