في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

طهران – رغم نجاح طهران في تأمين المواد الغذائية والدواء خلال حربي الـ12 يوما ورمضان، فإن استمرار الحصار البحري وإغلاق العديد من الدول أجواءها ومطاراتها في وجه الطائرات الإيرانية مؤخرا وتباطؤ حركة الشاحنات عند المعابر البرية، أثار قلق شريحة من الإيرانيين ودفعهم إلى تغيير سلوكهم اليومي بتخزين كميات من المواد الغذائية والدواء خشية إحكام الحصار على بلادهم.

لم يأت هذا القلق من فراغ، فتصاعد الصراع الأمريكي الإيراني في طريقه لعرقلة ما تبقى من مسارات التوريد بعد تجميده تحويل الأموال بين طهران والعواصم الأخرى، مما أدى إلى موجات غلاء غير مسبوقة، وهو ما حدا بالرئيس مسعود بزشكيان -خلال أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة– إلى التنديد بالحصار الأمريكي الذي "يمنع وصول الدواء والغذاء للشعب الإيراني".

قصص مقترحة

list of 2 items
* list 1 of 2 سجال الحرس الثوري والقيادة المركزية الأمريكية.. من يسيطر على هرمز؟
* list 2 of 2 تصريحات ترمب تصعد بأسعار النفط وخبير يوضح الأسباب end of list

وتحولت طهران خلال العقد الأخير من مصدر إقليمي مهم للمنتجات الزراعية والغذائية إلى أحد المستوردين الرئيسيين لها، لا سيما مع تشديد العقوبات الأمريكية عليها، حيث دخل الميزان التجاري للسلع التي ترتبط مباشرة ب الأمن الغذائي النطاق السلبي.

مصدر الصورة بزشكيان سجل -خلال أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة- اعتراضه على الحصار الأمريكي لبلاده (أسوشيتد برس)

أرفف المتاجر

وقامت الجزيرة نت بجولة ميدانية في طهران للوقوف على ما يعيشه الإيرانيون في ظل الحصار وكيفية تعاطيهم مع المرحلة المقبلة التي تزداد قتامة كل يوم، وذلك على وقع التصريحات الدبلوماسية الموحية -وفق مراقبين- بقرب طي نافذة المبادرات والوساطات السياسية قبيل جولة جديدة من التوتر.

وفي الأسواق، لا تبدو أرفف المتاجر فارغة، لكن عيون المتسوقين تتحرك بقلق لا سيما عقب دعوات نشرت على منصات التواصل إلى تخزين كميات من المواد الغذائية تكفي لأيام، استعدادا لجولة جديدة من الصراع.

وفي أحد مراكز التسوق، كان علي (51 عاما) يملأ عربته بأكياس من الأرز والدقيق والمعكرونة والبقوليات والزيت والمعلبات، مؤكدا أنه لم يقدم على هذه الخطوة إلا بعد أن أيقن "أن العدو في طريقه لتجويع الشعب الإيراني لتثويره ضد النظام.. هذه ليست حربا بالمعنى التقليدي بل تستهدف الشعب للضغط على السلطات.. علينا أن نستعد لأي طارئ".

مصدر الصورة وفرة السلع الأساسية في رفوف المتاجر بطهران (الجزيرة)

وأكد للجزيرة نت أن تعطيل الرحلات الجوية إلى بعض دول الجوار أوقف استيراد بعض أصناف الدواء وسماعات الهواتف المحمولة مما أدى إلى ارتفاع أسعارها مؤخرا في الأسواق.

إعلان

بدوره، يقول الحاج بسنديدة (71 عاما)، وهو صاحب بقالة في طهران، إنه على يقين من امتلاء المستودعات السلع الأساسية الإستراتيجية في الوقت الراهن، لكن المشكلة تكمن في الارتفاع اليومي للأسعار بسبب تراجع قيمة العملة الوطنية، مما يدفعه إلى شراء كميات أكبر قبل ارتفاعها.

وفي حديثه للجزيرة نت، قال إنه يقيّد بيع زيت الطهي في بعض الأيام بقنينة واحدة لكل زبون، لإتاحة الكميات المتوفرة للآخرين، مؤكدا أن أيا من المواد الأساسية لم ينفد حتى الآن. وأوضح أن نفاد بعض المواد الغذائية مؤقتا يعود أحيانا إلى ارتفاع مفاجئ في الطلب، ولا يستمر عادة أكثر من ساعات أو يوم على أقصى تقدير.

مصدر الصورة إقبال على شراء أصناف من الأدوية خشية نفادها مستقبلا جراء الحصار (الجزيرة)

أزمة دواء

وخلال زيارة الجزيرة نت لعدد من الصيدليات جنوبي العاصمة طهران، كان أول ما يلفت الانتباه هو نفاد حليب الأطفال في بعضها إلى جانب العشرات من الأصناف الدوائية الأخرى، ورغم تأكيد المسؤولين توفر أصناف مشابهة، فإنهم أعربوا عن قلقهم بسبب تزايد أعداد الزبائن الذين يبحثون عن حليب للرضع دون جدوى.

وأوضحت مهسا (23 عاما) إحدى العاملات في الصيدلية أن "الأدوية المستوردة تختفي بسرعة ويأتي الناس مؤخرا لشراء بعض الأصناف قبل حاجتهم إليها خشية نفادها مستقبلا"، مؤكدة -للجزيرة نت- أن السلطات الصحية "أطلقت برامج ذكية لرصد الكميات وأنواع العلاج الذي يشتريه كل مواطن".

وتواصلت الجزيرة نت مع مهران (59 عاما) -وهو أحد مزارعي التفاح في محافظة "كهكلوية وبوير أحمد" وسط البلاد- فأكد أن "ما حصل هذا العام تزامنا مع موسم قطف الثمار لم يكن بالحسبان"، وأضاف: "لم أبع سوى ثلث المحصول في السوق الداخلية فقط لأن التجار لم يستطيعوا تصديره للخارج".

مصدر الصورة مشترون يؤكدون وفرة اللحوم الحمراء والدواجن في السوق ويشتكون ارتفاع أسعارها (الجزيرة)

وأوضح أن بعض دول الجوار أوقفت التبادل التجاري مع إيران خلال الأشهر الأخيرة و"لم تعد تستقبل بضاعتنا كما كانت تفعل في السنوات الماضية، وحتى الدول التي ما زالت تتعامل معنا صار عبور الشاحنات إليها بطيئا جدا. والشاحنة التي كانت تعبر الحدود في يوم تحتاج الآن إلى أيام طويلة، والثمرة التي كانت تعبر في وقتها تصل الآن تالفة.. الحصار لم يغلق البحر والجو فحسب بل أيضا الطرق البرية، لكن بشكل غير معلن".

ويبدو أن التحول هذه الأيام نفسي كذلك، حيث دار حوار بين الجزيرة نت وعدد من المارة في شارع ولي عصر، فقالوا إن جولة جديدة من الحرب قادمة لا محالة وإن الحصار البحري والجوي ليس سوى مقدمة لإحكام الحصار على البلاد، مطالبين بضرورة تحرك الدولة لكسره قبل أن يصبح واقعا غير قابل للمساومة.

يرى محسن (23 عاما) -وهو طالب في كلية الاقتصاد بجامعة العلامة الطباطبائي- أن الحصار الجوي ليس حدثا منفصلا بل هو امتداد للحصار البحري المفروض منذ التوصل إلى هدنة وضعت حدا للصراع بين طهران وواشنطن، وهدفه خنق الاقتصاد الإيراني كليا، مؤكدا أن الحصار سيلقي بثقله في نهاية المطاف على الناس العاديين.وبينما كان محسن يحاول تبسيط ما يجري حوله بعقلية الطالب الجامعي الذي يدرس الاقتصاد، قال -في حديثه للجزيرة نت- إن ارتفاع الأسعار ونفاد الدواء نتيجة طبيعية للحصار وخشية المستقبل المجهول، مؤكدا أن بلاده تمتلك أوراق قوة كثيرة تجب الاستفادة منها لكسر الحصار الجوي والبحري قبل أن يتطورا إلى حصار بري يخنق طهران تماما.

سلاح اقتصادي

ولفهم ما يجري خلف الكواليس وما تملكه طهران من أوراق لمواجهة الضغوط الأمريكية، يرى الباحث الإستراتيجي علي رضا تقوي نيا أن "المواجهة مع العدو ليست وشيكة فحسب، بل إن بعض فصولها بدأت بالفعل، مستغلة الوضع الاقتصادي الراهن في البلاد".

إعلان

وفي قراءته للتوتر الجاري بين طهران وواشنطن، يوضح تقوي نيا -للجزيرة نت- أن "الوساطات الإقليمية محكوم عليها بالفشل قبل أن تبدأ، لأن الحد الأدنى لمطالبهما متباعد جذريا، وهو ما يعني أنه لا يوجد أي أفق لحل سياسي للأزمة الراهنة، وأن الحصار الذي يُفرض بالقوة لن يُرفع إلا بالقوة".

وعن قلق الشارع الإيراني من احتمالات اندلاع جولة جديدة من الصراع، يربط تقوي نيا بين السلوك الشعبي والتقديرات الإستراتيجية بالقول "ما يفعله الناس اليوم ليس هلعا بلا سبب، بل هو ناتج عن تقدير صحيح بأن الحرب قادمة، لكن اللافت أن معظم الإيرانيين لا يخزنون الطعام بل يرفعون صوتهم مطالبين بكسر الحصار. الشعب يريد كسر الحصار، لا أن تتحول البيوت إلى مخازن لم يعتدها الناس من قبل".

وأشار الباحث الإيراني إلى أن "الحصار ليس سوى سلاح اقتصادي موجه ضد الناس لإنجاز ما عجزت عنه العمليات العسكرية"، مضيفا أنه "لا بد من تحرك طهران العملياتي لكسر الحصار البحري، وذلك بعد إفشال الحصار الجوي، عبر تفعيلها القنوات السياسية مع الدول الصديقة " لدينا أوراق قوة كثيرة، لكن استخدامها بحاجة إلى قرار سياسي شجاع لا بيانات إدانة".

أما عن السيناريو الأسوأ، فإن تقوي نيا يستشرف موجه احتجاجات جراء تدهور الوضع المعيشي في بلاده، قائلا إن "العدو يعوّل على إشعال فوضى في الداخل الإيراني لأنه يظن أن أي ضربة عسكرية لن تحقق أهدافها من دون اضطراب داخلي".