القاهرة- عرفت المنطقة التي تشغلها العباسية اليوم باسم "صحراء الريدانية"، وشهدت عام 1517 معركة الريدانية التي هُزم فيها المماليك أمام العثمانيين. وبعد قرون، بدأ عمرانها في عهد عباس الأول، الذي شُيّدت في أيامه ثكنات عسكرية ومبانٍ جديدة، وحملت المنطقة اسمه.
ومع تغيّر ملامح الحي، أضاف قربه من مدينة البعوث الإسلامية فصلا آخر إلى حكايته؛ فالمدينة تستقبل طلابا وافدين للدراسة في الأزهر، ومن بينهم صينيون وجد بعضهم في العباسية مكانا للإقامة والعمل. وفي شوارع الحي، تروي المطاعم الصينية اليوم جانبا من حكايات أصحابها، بما تقدمه من طعام وعادات ضيافة حملوها معهم إلى القاهرة.
حين جاء داوود إسماعيل من الصين لدراسة اللغة العربية في الأزهر، أقام في مدينة البعوث الإسلامية القريبة من العباسية. وهناك خطرت له فكرة افتتاح مطعم صيني، مستعيدا ما تعلّمه من مراقبة والديه وهما يديران مطعما في شرق الصين.
افتتح داوود مطعمه في القاهرة قبل 13 عاما، ثم أنهى دراسته، لكن مشروعه وحياته العائلية جعلا الرحيل عن مصر صعبا. ويقول للجزيرة نت: "أنا خلصت دراستي بالأزهر من زمان، لكن أصبح من الصعب عليّ ترك الحياة في مصر، بعد أن كبر مشروعي وصار من أهم المطاعم الصينية في مصر، ويأتي إليه الناس من كافة الجنسيات".
لم يعد المطعم، بالنسبة إليه، مجرد عمل؛ فقد تزوج قريبة له جاءت من الصين لتعيش معه في مصر، ولهما أربع بنات يدرسن في مدارس مصرية. ويضيف: "أهلي يأتون لزيارتنا كل شتاء، ونسافر إلى الصين على فترات متباعدة".
لا يكتفي داوود بتقديم الطعام في مطعمه؛ فقد علّق على جدرانه عبارات ترحيب بالصينية، ويقدّم لضيوفه مشروبا يسميه "الشاهي" في أوانٍ فخارية أحضرها من الصين. ويقول إن مشروبه يختلف عن الشاي الأخضر الذي تقدمه مطاعم صينية أخرى، إذ يعدّه بمزيج من بذور الشاي واليقطين والتمر وتوابل يجلبها من بلده.
ويقول داوود للجزيرة نت: "المطبخ الصيني غني بوصفات الطعام والشراب، ولكل منطقة فيه أطباقها الخاصة. نحاول في مطعمنا تقديم أطباق من مطابخ صينية مختلفة، لكننا نركز على أطباق شرق الصين، حيث تعلمت الطهو من أهلي".
وثمة سؤال يتكرر من بعض الزبائن ويستوقفه: هل يقدم المطعم السوشي؟ يجيب داوود: "السوشي ياباني، وليس صينيا. أما نحن فصينيون".
يضم المطعم صالة للطعام وغرفا للمجموعات الكبيرة، وضع داوود في إحداها مائدة مستديرة ذات سطح دوّار من الرخام. ويقول: "نستخدم هذه الموائد في الصين حتى داخل المنازل، فهي تشجع على مشاركة الطعام؛ تُوضع عليها أطباق متنوعة، ويأخذ كل شخص ما يريد في طبقه، ثم يدير المائدة لتصل الأطباق إلى الآخرين".
وفي الغرفة نفسها، وضع جهازا لتسخين الماء وإعداد "الشاهي" طوال الوجبة. ويضيف: "في الغرف المخصصة للمجموعات الكبيرة، يتولى أحد العاملين إعداد الشاهي للضيوف طوال فترة وجودهم".
تتقارب قوائم الطعام في عدد من المطاعم الصينية بالعباسية؛ فتضم النودلز بصلصات مختلفة، وأطباقا بصلصة "السويت آند ساور"، إلى جانب عجائن محشوة تشبه السمبوسة. ومع ذلك، تتجاور في الحي مطاعم عدة، لكل منها أصحابها وحكايتها. وعلى بُعد شارعين من مطعم "آندا الصيني"، يقع مطعم اختار أصحابه له اسما مباشرا: "المطعم الصيني". وإلى جوار الاسم، تظهر كلمة "حلال" مكتوبة بالعربية، لتوضح للزبائن طبيعة الطعام المقدم.
داخل المطعم، استعان مراسل الجزيرة نت ببرنامج للترجمة للتحدث إلى مالكه حسين وزوجته، إذ لا يتحدثان العربية أو الإنجليزية. وصل حسين إلى القاهرة قبل ثلاثة أشهر، واشترى المطعم من مالكه السابق، الذي عاد إلى الصين بعد إقامة في مصر تجاوزت عشر سنوات.
ويقول حسين إن المصريين يشكلون النسبة الأكبر من زبائنه، وإن اختلاف اللغة لم يمنعهم من ارتياد المطعم. ويساعده في استقبالهم عامل مصري يعرف بعض الكلمات الصينية ويتولى التواصل مع الزبائن.
استقبلنا حسين وزوجته بالشاي الأخضر وطبق من "الدامبلينغ"، وهي قطع من العجين المحشو باللحم المفروم، قُدمت مسلوقة. ويقول حسين: "أحببت مصر كثيرا، وأتمنى أن أعيش فيها طويلا. ورغم أن العمل يمر بأوقات صعبة، فإن ذلك لن يدفعني إلى مغادرتها".
لم يأتِ حسين وزوجته إلى مصر للدراسة في الأزهر، بخلاف بعض الصينيين الذين التقتهم الجزيرة نت في العباسية. لكنه يترك المطعم عند حلول وقت الصلاة ويتوجه إلى مسجد قريب. ويقول: "أنا مسلم صيني، ونحرص على أداء الصلاة في وقتها".
في المحطة الأخيرة من الجولة، يبدو التناقض لافتا: مطعم صيني يعمل فيه صينيون، تتصدر أحد جدرانه صورة الشيخ محمد متولي الشعراوي، ويحمل اسم "الأمريكاني".
يقول إبراهيم، وهو شاب صيني يعمل في المطعم منذ نحو خمس سنوات، إن العاملين يطلبون من الزبائن إبعاد هواتفهم أثناء تناول الطعام، كي يستمتعوا بالوجبة والحديث معا بدلا من الانشغال بتصويرها. وإذا اعترض أحد الزبائن، لا يُلزمونه بذلك.
أما صورة الشعراوي، فيوضح إبراهيم سبب تعليقها قائلا: "من خلال الشعراوي تعرّفت عائلتي إلى الإسلام، ومنه عرفنا مصر والأزهر". ويثير اسم المطعم فضول الزبائن أيضا؛ إذ يُسأل كثيرا عن سبب احتفاظ مطعم صيني باسم "الأمريكاني". يجيب: "كان الاسم موجودا حين اشترينا المطعم، الذي كان يقدم الوجبات السريعة الأمريكية. لم نشأ تغييره، لكننا غيّرنا ما يقدمه المكان".
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة