مع توجه ناخبي برلين وميكلينبورغ-فوربومرن اليوم الأحد إلى صناديق الاقتراع، في خامس محطة انتخابية تشهدها ألمانيا هذا العام، تعيد هذه الجولات المتلاحقة تسليط الضوء على الخصوصية النادرة للنظام السياسي الألماني.
إذ تعتمد ألمانيا نظاما فدراليا مزدوجا يقسّم العملية الانتخابية إلى مستويين مستقلين تماما: انتخابات اتحادية شاملة تُجرى كل 4 سنوات لاختيار أعضاء البرلمان الاتحادي ( البوندستاغ) ومن ثم المستشار، وانتخابات تُجريها كل ولاية من الولايات الـ16 بشكل منفصل وفقا لدورتها الدستورية الخاصة لاختيار برلمانها المحلي، والذي تنبثق عنه حكومة الولاية التي تُعيّن ممثليها تلقائيا في مجلس الولايات (البوندسرات).
وهذا المزيج الدستوري هو ما يجعل انتخابات الولايات تُقام في مواعيد منفصلة، بفوارق قد تمتد لأشهر بين ولاية وأخرى، تبعا لتاريخ بداية ونهاية الدورة البرلمانية الخاصة بكل ولاية على حدة.
ولفهم المشهد الانتخابي الألماني نجيب عن الأسئلة الآتية:
يقوم النظام الانتخابي على مستويين منفصلين تماما، لكل منهما تقويمه الخاص:
وهذا ما يجعل انتخابات الولايات تقع في مواعيد منفصلة بفوارق قد تصل إلى أشهر، لأنها تجري وفقا لدستور كل ولاية على حدة، وليست مرتبطة بنظام انتخابي موحد على مستوى البلاد كلها دفعة واحدة.
ألمانيا ليس لديها موعد موحد لانتخابات الولايات للأسباب التالية:
ولأن نقطة انطلاق كل دورة تختلف تاريخيا من ولاية لأخرى، فإن المواعيد تتوزع على مدار السنوات، وقد تتقاطع مواعيد عدة ولايات في العام نفسه بمحض الصدفة الحسابية، وهو ما حدث بالضبط في 2026، حين شهدت 5 ولايات جولات انتخابية:
ووفق هذا المسار، لن تنتهي انتخابات الولايات مع نتائج اليوم، وإنما تدخل مرحلة من الاختبارات المتتالية، فبحسب برنامج انتخابات الولايات الألمانية، ستُجرى في 18 أبريل/نيسان 2027 انتخابات متزامنة في زارلاند وشليسفيغ-هولشتاين، وفي 25 أبريل/نيسان 2027 ستُجرى انتخابات نورد راين-فستفاليا، أكبر الولايات الألمانية سكانا، وهكذا تستمر الدورة الانتخابية للمجالس المحلية.
بخلاف البرلمان الاتحادي (البوندستاغ)، لا يُنتخب أعضاء مجلس الولايات (البوندسرات) مباشرة، بل يتكون حصرا من أعضاء الحكومة التنفيذية في كل ولاية، رئيس وزراء الولاية ووزراؤه، فبمجرد أداء حكومة جديدة اليمين الدستورية عقب أي انتخابات محلية، يحلّ رئيسها ووزراؤه تلقائيا محل الممثلين السابقين لولايتهم في مجلس الولايات. وبذلك تتغير موازين القوى وتركيبة المجلس بشكل تدريجي ومستمر، ولاية تلو أخرى، لا دفعة واحدة.
وتُحدَّد حصة كل ولاية من الأصوات، بين 3 و6 كحد أقصى، وفق عدد سكانها، فالولايات الصغيرة مثل "بريمن" تملك 3 أصوات، والمتوسطة من 4 إلى 5، بينما تصل حصة الولايات الكبرى إلى 6 أصوات. لكن هذه الأصوات ليست مقاعد نيابية فردية، بل كتلة تصويتية موحدة تحوزها حكومة الولاية وتُصوّت بها ككتلة واحدة لا يمكن تجزئتها، وفقا للقانون الألماني.
رغم أن تركيبة البرلمان (البوندستاغ) لا تتأثر بنتائج الانتخابات المحلية، فإن قدرة الحكومة الاتحادية على الحكم تتأثر بشدة بنتائج انتخابات الولايات، إذ يحتاج أي مشروع قانون اتحادي رئيسي كي يصبح نافذا، إلى موافقة المجلسين معا في الغالب.
فإذا خسرت الأحزاب الحاكمة في برلين عدة انتخابات ولائية متتالية، فإنها تفقد تدريجيا أغلبيتها داخل مجلس الولايات (البوندسرات) وعندئذ تصبح أحزاب المعارضة قادرة على تعطيل أو تعديل مشاريع القوانين المرسلة من البرلمان (البوندستاغ)، وهو ما يُجبر الحكومة الاتحادية على التنازل والتفاوض، وهو ما يمس مباشرة ميزان القوة السياسي وقدرة المستشار على الحكم.
ولهذا السبب، تُعد انتخابات الولايات في ألمانيا مقياس حرارة مستمر لشعبية الحكومة الاتحادية في برلين، فأي تغير في موازين القوى في ولاية صغيرة ينعكس مباشرة على التشريعات والقوانين الاتحادية التي تحتاج إلى موافقة مجلس الولايات.
في السادس من سبتمبر/أيلول 2026، سجّل حزب " البديل من أجل ألمانيا" أفضل نتيجة انتخابية في تاريخه على مستوى انتخابات الولايات الألمانية، برفع حصته من 20.8% في انتخابات 2021 إلى نحو 44%، بعد تسجيل فوز تاريخي في سكسونيا-أنهالت.
ومع ذلك، لم يتمكن من تشكيل حكومة الولاية، إذ لم يحصل على الأغلبية المطلقة في المقاعد (39 من أصل 82)، إلى جانب رفض بقية الأحزاب التقليدية التعاون معه ضمن ما يُعرف بـ"جدار الحماية" السياسي، وهو مصطلح يشير إلى التوافق العرفي والرسمي بين الأحزاب الديمقراطية التقليدية على الرفض المطلق لأي تعاون سياسي أو ائتلافي مع "البديل من أجل ألمانيا"، بحجة أن الحزب يحمل أفكارا متطرفة تهدد النظام الديمقراطي والدستوري الألماني.
يعد الرابط بين هذه المحطات الانتخابية المنفصلة من ناحية مواعيد إجرائها هو رابط سياسي بامتياز، فبما أن الانتخابات الاتحادية التالية لا تُجرى إلا كل 4 سنوات (موعدها المقبل 2029)، أصبحت انتخابات الولايات المتلاحقة الفرصة الوحيدة لقياس اتجاه الرأي العام تجاه حكومة ميرتس بين دورة وأخرى.
ومع تكرار النمط نفسه، المتمثل في تراجع الاتحاد المسيحي وصعود "البديل"، في 4 من أصل 5 محطات هذا العام، باتت وسائل الإعلام الألمانية تقرأ كل استحقاق محلي جديد على أنه استفتاء غير مباشر على استمرارية ميرتس نفسه.
وكانت الانتكاسة التي مني بها حزب المستشار، الاتحاد المسيحي الديمقراطي، في سكسونيا أنهالت أوائل هذا الشهر، قد غذّت التكهنات داخل الأوساط المحافظة حول احتمال حدوث تغيير نادر في منصب المستشارية.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة