(CNN) -- عندما دخلت "سيما"، البالغة من العمر 35 عاماً، إلى صيدلية في طهران، راحت عيناها تتفحصان الرفوف خلف المنضدة بحثاً عن العلبة التي تحمي كليتيها من الفشل؛ فبدونها، كان الوقت يداهمها .
وأخيراً، عثرت على الدواء في الصيدلية السابعة التي زارتها، وكانت تقع في حي راقٍ بطهران. لكن شعورها بالارتياح تلاشى حين أخبرها الصيدلي بأن السعر قد ارتفع مجدداً، مما لم يترك لها خياراً سوى تقليل الجرعات المحددة لهذا الدواء المنقذ للحياة .
وفي ظل العقوبات الأمريكية التي تخنق الاقتصاد الإيراني، يواجه المواطنون العاديون -ممن يعانون من أمراض مزمنة وخطيرة- صعوبات جمة في العثور على الأدوية التي يعتمدون عليها للبقاء على قيد الحياة. وأمام النقص الحاد والارتفاع اليومي في الأسعار، اضطر الكثيرون -مثل "سيما"- إلى تقليص الجرعات، أو تأجيل زيارات الأطباء، أو اللجوء إلى العلاج الذاتي.
وقالت "سيما" -التي لم تفصح لشبكة CNN عن اسمها الحقيقي لتتمكن من التحدث بحرية-: "لقد توقفوا عن استخدام أدوية السرطان للمرضى الذين يُصنَّفون بأنهم في مراحل متأخرة أو ميؤوس من شفائهم؛ إذ يقتصر استخدامها الآن على من هم في المراحل المبكرة جداً من المرض ".
وفي طهران، اضطرت أم فقدت ابنتها الوحيدة إلى استبدال دواء الاكتئاب الذي كانت تتناوله بآخر مُنتَج محلياً وأقل فعالية. كما أُلغيت حملات التطعيم ضد الإنفلونزا الموسمية هذا العام بعد فشل الحكومة في استيراد اللقاحات من أوروبا، في حين يضطر مرضى السرطان لبيع أجهزة التلفاز والثلاجات في منازلهم لشراء أدوية بأسعار باهظة .
وقالت مريضة بالسرطان تبلغ من العمر 55 عاماً -فضلت عدم الكشف عن هويتها- إن الخيارات المتاحة أمامها بدأت تنفد أيضاً .
وصرحت المريضة، التي تقيم في طهران، لشبكة CNN قائلة: "لقد طلبت من الزوار أو العائدين من الخارج إحضار أدويتي معهم، لا سيما تلك التي لا نجدها هنا أو لا نستطيع الحصول عليها. ومع المعاناة من المرض وحالة عدم اليقين المرتبطة بالحرب، أجد صعوبة بالغة في معرفة ما يجب عليّ فعله".
وأكدت صيدليات في إيران تواصلت معها CNN وجود نقص وارتفاع في الأسعار يشمل فئات متعددة من الأدوية؛ بما في ذلك أدوية القلب التي باتت تُباع كأصناف محلية (بدائل عامة) بدلاً من العلامات التجارية الأصلية الموصوفة طبياً، وأقراص خفض الكوليسترول المتوفرة ولكن بأسعار أعلى بكثير، وأدوية الصداع النصفي التي اختفت تماماً من أرفف الصيدليات .
غير أن تقارير إعلامية إيرانية تشير إلى أن أزمة النقص أوسع نطاقاً بكثير، إذ تطال كل شيء بدءاً من مضادات الاكتئاب ووصولاً إلى الأنسولين وأدوية الحمل. وهناك أدوية أخرى بات الحصول عليها مستحيلاً تماماً، مما يضع المرضى في إيران أمام خيارين: إما دفع أسعار باهظة للغاية أو استخدام بدائل محلية أقل فعالية .
وقد طال النقص ما يقرب من 800 صنف دوائي، وفقاً لما ذكره شهرام كلانتري، رئيس الجمعية الإيرانية للصيادلة، في مؤتمر صحفي عُقد الشهر الماضي، حيث عجزت الصيدليات عن توفير بدائل بسبب ارتفاع التكاليف .
وأضافت مريضة السرطان في مكالمة هاتفية: "يقول الجميع إننا شجعان، لكنني لا أعرف ما إذا كانت الشجاعة تعني شيئاً عندما يكون المرء يواجه الموت".
تراكم الديون
صرح مهدي بيرصالحي، رئيس منظمة الغذاء والدواء الإيرانية، في شهر فبراير/شباط، بأن إيران تُصنِّع حالياً أكثر من 97% من احتياجاتها الدوائية من حيث الحجم. وتُعد الأدوية التخصصية المستوردة -التي تتطلب الدفع بالعملة الصعبة- الأكثر تضرراً من هذا الوضع. تفاقم نقص هذه الأدوية في ظل حملة "الضغط الأقصى" التي يشنها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والتي أدت إلى تشديد الرقابة على البنوك الإيرانية وعرقلة صادرات النفط، الذي يُعد المصدر الرئيسي للعملة الصعبة بالنسبة للجمهورية الإسلامية.
وتقول بيفاند باستاني، المحاضرة البارزة في جامعة "فليندرز" والمشاركة في إعداد بحث يتناول تأثير العقوبات على عمليات شراء الأدوية في إيران إن "هذا المستوى المرتفع من الإنتاج المحلي لا يعني بالضرورة تحقيق اكتفاء ذاتي كامل؛ إذ لا يزال التصنيع المحلي يعتمد على مواد ومعدات وتقنيات مستوردة، في حين يتعين استيراد بعض الأدوية المتخصصة وعالية التكلفة".
ووفقاً لمسؤولين إيرانيين، تعجز الصيدليات عن تجديد مخزونها الدوائي لأن شركات التأمين توقفت عن سداد مستحقاتها. ورغم أن ملايين الإيرانيين يتمتعون بتغطية تأمينية، إلا أن تقديم وصفة طبية مشمولة بالتأمين في الصيدلية غالباً ما لا يُجدي نفعاً، أو يضطر المريض إلى دفع التكلفة من ماله الخاص .
لقد أدى التضخم المتفشي، وانهيار مدفوعات التأمين، وعجز الحكومة عن بيع النفط والحصول على العملة الصعبة اللازمة لسداد مستحقات الصيدليات، إلى تصدع سلسلة التوريد .
وفي مؤتمر صحفي عُقد الشهر الماضي، صرح مسؤولون في "رابطة الصيادلة الإيرانيين" بأن أكثر من 18 ألف صيدلية خاصة في أنحاء البلاد تنتظر حالياً الحصول على مستحقاتها من شركات التأمين، حيث بلغت ديون التأمين المستحقة للصيدليات ما يقرب من 800 تريليون ريال (أي ما يعادل 300 مليون دولار).
دمار الحرب
صرح محمد هاشمي، المتحدث باسم هيئة الغذاء والدواء الإيرانية، لوسائل إعلام إيرانية رسمية في يونيو/حزيران بأن الغارات الجوية الأمريكية والإسرائيلية على إيران في وقت سابق من هذا العام ألحقت أضراراً بأكثر من 40 شركة أدوية ومورداً للمعدات وموزعاً .
وفي أواخر مارس/آذار، قصفت إسرائيل مصنعاً لشركة أدوية إيرانية كبرى تُدعى "توفيق دارو"، والتي كانت تنتج المكونات النشطة لأدوية السرطان والمخدرات الطبية. وزعم الجيش الإسرائيلي أن الشركة زودت مادة "الفنتانيل" لجهة إيرانية تجري "أبحاثاً وتطويراً لأسلحة كيميائية"، وهو ما نفته الشركة .
كما ألحقت الغارات الجوية أضراراً بمعهد باستور التاريخي الذي تأسس قبل أكثر من قرن. وذكرت مجلة "ذا لانسيت" الطبية أن الهجمات دمرت "مختبرات مرجعية حيوية، بما في ذلك تلك المختصة بالترصد الجينومي، وداء الكلب، وفيروس نقص المناعة البشرية (الإيدز)، والتهاب الكبد الفيروسي، والأمراض المنقولة بالنواقل ".
وفي الشهر الماضي، أعلن وزير الخزانة الأمريكي، سكوت بيسنت، أن الولايات المتحدة ستشدد إجراءاتها ضد الشبكة المعقدة التي بنتها إيران على مر السنين لتمكين كياناتها من الالتفاف على العقوبات الأمريكية واسعة النطاق؛ وهي خطوة تهدف إلى زيادة الضغط على إيران في ظل غياب حل دبلوماسي .
وقد سمحت واشنطن بإجراء معاملات تشمل "السلع الزراعية أو الغذاء أو الأدوية أو الأجهزة الطبية المتجهة إلى إيران"، لكنها أضافت بعض الضمانات لضمان عدم قيام النظام الإيراني "بتحويل مسار هذه السلع لتمويل أغراضه الخبيثة".
وفي عام 2019، فرضت الولايات المتحدة عقوبات على البنك المركزي الإيراني، وطلبت منذ ذلك الحين من الحكومات والمؤسسات الأجنبية -التي تسعى لتأمين قنوات الدفع- أن تقدم طواعيةً لواشنطن مزيداً من المعلومات حول أي شحنة أدوية متجهة إلى إيران، بما في ذلك تفاصيل عن الجهة المشترية وتعهد خطي بعدم إعادة بيع الشحنة لأي فرد أو كيان خاضع للعقوبات .
وفي الأسبوع الماضي، شددت الإدارة الأمريكية القواعد المتعلقة بتراخيص أخرى، حيث تبنت موقف "الرفض المفترض" تجاه بعض أنواع التراخيص، وأعلنت أن الطلبات ستُراجع كل حالة على حدة .
ويقول خبراء إن هذه الإجراءات البيروقراطية الشاقة قد ثبّطت عزيمة الشركات الدولية عن ممارسة الأعمال التجارية مع إيران.
ورغم أن شركات الأدوية الإيرانية الرائدة ليست خاضعة للعقوبات بحد ذاتها، إلا أن العديد من كبرى هذه الشركات ترتبط بمجموعات خيرية أو بأفراد مشمولين بالعقوبات. فعلى سبيل المثال، ترتبط "مجموعة بركات الدوائية" — وهي إحدى أكبر شركات تصنيع الأدوية في البلاد وقادت جهود إنتاج لقاح كوفيد-19 محلياً — بـ"هيئة تنفيذ أمر الإمام الخميني"، وهي جهة خاضعة للعقوبات وتتبع مباشرةً للمرشد الأعلى.
وأشار إريك فيراري، مؤسس شركة في واشنطن العاصمة متخصصة في شؤون العقوبات وإنفاذها، إلى أن "الامتثال المفرط" يمثل مشكلة أخرى؛ إذ قد تنظر البنوك أو الشركاء التجاريون إلى معاملة ما على أنها تنطوي على مخاطر كبيرة للغاية .
وقال فيراري لشبكة CNN : "حتى لو تمكنت من تحديد الأطراف والوسطاء غير الخاضعين للعقوبات، فلا يزال يتعين عليك العثور على بنوك مستعدة لإتمام المعاملات وتسهيل التجارة وتحمل المخاطر. قد تقول البنوك: ’نحن لا نعرف حقاً حقيقة الجهات الفاعلة في إيران، أو كيف ستنتقل الأموال، أو مصدرها، لذا دعونا نتجنب هذه الصفقة ‘ ".
وكانت إيران تتفاوض مع الولايات المتحدة للإفراج عن بعض الأموال المحتجزة في قطر لاستخدامها في أغراض إنسانية. غير أن تلك المحادثات تعثرت، حيث تركز طهران حالياً على التفاوض بشأن مستقبل مضيق هرمز، بينما عادت واشنطن للتركيز على المسار الدبلوماسي .
وأشار فيراري: "الأمر يزداد صعوبة يوماً بعد يوم. في الواقع، أنا مندهش للغاية من قدرة الإيرانيين على الصمود طوال هذه الفترة، بالنظر إلى مدى قسوة نظام العقوبات".
المصدر:
سي ان ان