في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
تتجه الأنظار إلى أوروبا وبالتحديد إلى أقصى شمال القارة، حيث تنعقد قمة قادة الاتحاد الأوروبي بشأن القطب الشمالي في فنلندا، لبحث مستقبل منطقة القطب الشمالي، التي تحوي ثروات هائلة واحتياطيات ضخمة من موارد الطاقة، وتحولت في آخر عقد إلى مركز صراع مفتوح بين كل من الدول الأوروبية وروسيا والصين بالإضافة إلى الولايات المتحدة الأمريكية.
وتسعى القمة التي تنعقد اليوم وغدا الاثنين في مدينة روفانييمي الفنلندية وتجمع عددا من الدول الأوروبية، إلى جانب دول إسكندنافيا والبلطيق وآيسلندا، وممثلين عن المملكة المتحدة والولايات المتحدة، إلى تعزيز ما وُصف بالنهج الإستراتيجي المشترك للاتحاد الأوروبي تجاه القطب الشمالي، في ظل تزايد أهمية المنطقة الجيوسياسية والاقتصادية والبيئية.
لكنّ المعادلة الأمنية الأوروبية تجاه القطب الشمالي، شهدت تغيرا مهمّا، فبينما كانت الهواجس الأوروبية التقليدية تركز على كبح النفوذ العسكري الروسي والتمدد الاقتصادي الصيني، باتت التهديدات الصريحة القادمة من الحليف الأمريكي الساعي إلى ضم جزيرة غرينلاند التي تحتل موقعا محوريا في القطب الشمالي، هي من أكبر التحديات لها.
وخلال زيارتها لغرينلاند الأسبوع الماضي، قالت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، إن القطب الشمالي أصبح أحد الأماكن التي "تتصادم فيها الصفائح التكتونية للجيوسياسة"، مضيفة "لدينا مصلحة مباشرة فيما يحدث هنا".
تبلغ مساحة المنطقة القطبية الشمالية قرابة 27 مليون كيلومتر مربع، وتحتوي على احتياطيات ضخمة من موارد الطاقة، مثل المعادن والعناصر الأرضية النادرة. كما تحتوي مياه القطب الشمالي على موارد بيولوجية هائلة ذات أهمية عالمية.
ويتألف "مجلس القطب الشمالي" من 8 دول، 5 منها تطل مباشرة على المحيط المتجمد الشمالي (روسيا، النرويج، الدانمارك، كندا، والولايات المتحدة)، إضافة إلى 3 دول قطبية أخرى هي آيسلندا والسويد وفنلندا، وهي دول أوروبية.
ويتحول القطب الشمالي، الذي كان يُعتبر في السابق أرضا جليدية قاحلة لا يمكن اختراقها بسرعة، إلى مجال للتنافس ومركز للمصالح الاقتصادية والجيوسياسية العالمية.
ومع تسارع الاحترار في القطب الشمالي جراء التغير المناخي، يذوب الغطاء الجليدي ويتقلص بنحو 13% كل عقد، فاتحا الطريق أمام موارد هائلة وممرات نقل جديدة تعيد رسم خريطة الخدمات اللوجستية، وتفرض نفسها على حسابات الاقتصاد العالمي.
وطوال العقود الماضية، صاغت أوروبا إستراتيجيتها القطبية بناء على احتواء طرفين رئيسيين، إذ ظلت تشعر دول حلف شمال الأطلسي بالقلق إزاء تنامي نشاط روسيا والصين في المنطقة، وتدرس خيارات لتعزيز نفوذها.
وتُعَد روسيا صاحبة أطول ساحل في القطب الشمالي، وتظهر مستوى أعلى بكثير من الجاهزية للعمليات هناك، إذ تمتلك قيادة عسكرية مركزية، وشبكة واسعة من المطارات والموانئ وأنظمة اتصالات وملاحة، بالإضافة إلى أنظمة دفاع جوي وصاروخي متعددة المستويات.
وتستخدم موسكو أسطولها، الذي يُعد من أقوى الأساطيل وأكثرها تطورا من الناحية التكنولوجية، لتعزيز موقعها في القطب الشمالي، كما تشغّل أسطولا من كاسحات الجليد النووية المصممة.
ويرى الكاتب باولو ماوري، في تقرير نشره موقع إنسايد أوفر الإيطالي أن روسيا تُعَد الدولة الأكثر نشاطا هناك في مسعى لاستعادة البصمة الإستراتيجية التي فُقدت مع تفكك الاتحاد السوفياتي.
ووفقا للكاتب، نصت "العقيدة البحرية الجديدة للاتحاد الروسي"، الصادرة عام 2010، والتي حُدّثت في 2015، على إنشاء قيادة مشتركة متعددة الفروع في القطب الشمالي.
وفي أحدث مؤشرات المخاوف الأوروبية من النشاط الروسي، كشفت وكالة رويترز قبل أيام، أن حلف الناتو أحبط عملية روسية سرية، قرب أرخبيل سفالبارد في أعماق مياه القطب الشمالي، وضبط غواصات روسية قال إنها تتدرب على إطلاق سلاح سري مصمم لتعطيل الكابلات البحرية الحيوية دون ترك أي بصمات.
أما الصين، فقد نشرت مطلع العام 2018 أول كتاب أبيض لها حول سياسة القطب الشمالي، أعلنت فيه نيتها تطوير طرق تجارية بحرية مشتركة مع دول أخرى في إطار مبادرة طريق الحرير القطبي.
كما ذكرت أنها تعتزم التنقيب عن النفط والغاز والمواد المعدنية والوقود غير الأحفوري في القطب الشمالي.
وفي ظل "تصاعد التوترات الدولية وضعف الآليات التقليدية متعددة الأطراف، مثل مجلس القطب الشمالي، تبذل الصين جهودا لتدويل القطب الشمالي وتسعى إلى توسيع وجودها في المنطقة من خلال التعاون العلمي والمبادرات الاقتصادية.
وتتشارك الصين وروسيا رؤيتهما الإستراتيجية لاستخدام الطريق البحري الشمالي ممرا لوجستيا لعبور البضائع من آسيا إلى أوروبا والأمريكتين، ولهذه الاعتبارات، يُعد هذا الممر اليوم أبرز محركات التنافس الجيوسياسي والاقتصادي بين اللاعبين الكبار في المنطقة القطبية الشمالية.
لكنّ الحسابات الأوروبية في القطب الشمالي لم تعد تتوقف عند موسكو وبكين، إذ يأتي التحول الأشد خطورة -من وجهة نظر البعض- من واشنطن، حيث جدد الرئيس الأمريكي دونالد ترمب مساعيه الصريحة لضم جزيرة غرينلاند التابعة للدانمارك، إلى الولايات المتحدة بشكل كامل.
وأشعل ترمب أزمة في العلاقات بين الولايات المتحدة وأوروبا وأحدث اضطرابا داخل حلف شمال الأطلسي هذا العام، بعد تصعيد مطالبته بسيطرة بلاده على غرينلاند، قائلا إن الدانمارك غير قادرة على الدفاع عنها.
وفي آخر انعكاس للأزمة المتواصلة، نشر ترمب الأسبوع الماضي، خريطة تُظهر جزيرة غرينلاند ودولا أخرى مغطاة بالعلم الأمريكي، مما دفع آيسلندا إلى استدعاء سفير الولايات المتحدة.
وتراجعت حدة التوتر بعد أن اتفق ترمب والأمين العام لحلف شمال الأطلسي مارك روته، في دافوس مطلع العام الجاري، على بدء الولايات المتحدة والدانمارك وغرينلاند محادثات لحل الخلافات القائمة، وتعزيز دور حلف الناتو في أمن القطب الشمالي.
بيد أن المحادثات الثلاثية لم تسفر عن اتفاق بعد، بينما أعاد ترمب خلال قمة لحلف الناتو في تركيا، في يوليو/تموز الماضي، التأكيد على إصراره على وجوب سيطرة بلاده على غرينلاند.
يشير الكاتب ماوري، إلى أن الولايات المتحدة أكدت في إستراتيجيتها الجديدة الخاصة بالقطب الشمالي، والتي نُشرت عام 2024 أن المنطقة القطبية تُعَد حيوية لأمنها القومي.
وبالنسبة للولايات المتحدة، تشكّل غرينلاند أقصر طريق من أمريكا الشمالية إلى أوروبا، وقد أعربت أمريكا عن رغبتها في توسيع وجودها العسكري في الجزيرة عبر نشر رادارات في المياه التي تربط غرينلاند بآيسلندا والمملكة المتحدة، إذ تُعَد هذه المياه ممرا للسفن الروسية والصينية، التي تسعى واشنطن إلى رصدها.
لكنّ غرينلاند تزخر أيضا بالثروات المعدنية، بما في ذلك العناصر الأرضية النادرة. ووفقا لدراسة استقصائية أُجريت عام 2023، وُجد 25 معدنا من أصل 34 معدنا صنّفتها المفوضية الأوروبية على أنها "مواد خام حيوية" في غرينلاند، كما يعتقد العلماء أن الجزيرة قد تحتوي أيضا على احتياطيات كبيرة من النفط والغاز.
وأمام هذه الضغوط الأمريكية والمتزايدة، سارعت المفوضية الأوروبية قبل أيام لاتخاذ خطوات عملية، لقطع الطريق أمام واشنطن وترسيخ ارتباط غرينلاند بالعباءة الأوروبية.
وأعلنت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا، فون دير لاين، الثلاثاء الماضي من العاصمة "نوك" استثمارات بقيمة 200 مليون يورو لتعزيز الشراكة مع الجزيرة القطبية، مشكلة بذلك جبهة صد أمام مطامع الرئيس الأمريكي المتزايدة لضم الجزيرة للولايات المتحدة.
واختتمت رئيسة المفوضية الأوروبية، زيارة استمرت يومين لغرينلاند، كرّستها لإظهار التضامن الأوروبي المطلق مع حكومتي إقليم غرينلاند والدانمارك، اللتين تُبديان تمسكا صارما بقطع الطريق أمام مساعي واشنطن لضم الجزيرة الأكبر عالميا.
وقالت فون دير لاين، خلال مؤتمر صحفي، إن "الاتحاد الأوروبي يتضامن بشكل كامل مع مملكة الدانمارك وشعب غرينلاند وسيواصل فعل ذلك". وأوضحت أن الاستثمارات ستوجَّه إلى قطاعات تشمل المعادن الحيوية، والاتصالات عبر الأقمار الصناعية، والطاقة المتجددة في غرينلاند.
واقترحت المفوضية الأوروبية أيضا زيادة تمويل الاتحاد لغرينلاند إلى أكثر من الضعف، من 225 مليون يورو في الميزانية الحالية الممتدة 7 سنوات إلى 530 مليون يورو في الميزانية التي ستغطي الفترة بين عامي 2028 و2034.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة