أعلن مجلس القضاء الأعلى العراقي، الثلاثاء، أن محكمة تحقيق الكرخ الأولى، المختصة بقضايا "الإرهاب"، أنهت مرحلة الاستجواب في ملفات المتهمين، تمهيداً لإحالة كل منهم إلى محكمة الموضوع وفقاً للأدلة والوقائع التي جُمعت في قضيته.
وكان المحتجزون قد نُقلوا من شمال شرقي سوريا إلى العراق في شباط/فبراير 2026، في ظل الاضطرابات والاشتباكات التي شهدتها المنطقة، وما رافقها من مخاوف من فقدان السيطرة على مراكز الاحتجاز التي كانت تديرها قوات سوريا الديمقراطية "قسد". وبدأت المرحلة الأولى من عمليات الاستجواب مع 500 محتجز، قبل استكمالها في 17 شباط/فبراير، لتتوسع التحقيقات لاحقاً وتشمل جميع المنقولين.
وينتمي المتهمون إلى 67 جنسية، بينها 16 جنسية عربية و19 أوروبية و32 جنسية أخرى، ويشكل السوريون العدد الأكبر بواقع 3497 شخصاً، إلى جانب 474 عراقياً. ولم تقتصر التحقيقات على الاستجواب، بل شملت جمع الأدلة والتحقق من المعلومات والبيانات البيومترية وربط النتائج بقواعد بيانات مخصصة لتحليلها.
أظهرت التحقيقات وجود عناصر وقيادات من الصف الأول في "داعش" ، شغل بعضها مواقع قيادية وأمنية ودينية وعسكرية وإعلامية، فيما ارتبط آخرون بعمليات وجرائم ذات أبعاد دولية.
وبحسب القضاء العراقي، لم تقتصر أدوار المتهمين على النشاط القتالي، إذ أظهرت الأدلة انخراط بعضهم في أنشطة عسكرية وأمنية ومالية ولوجستية وإدارية وصحية وتقنية وإعلامية، ما أتاح للسلطات تكوين صورة أكثر تفصيلاً عن طبيعة المهام التي اضطلع بها المحتجزون داخل التنظيم.
وتولى المركز الوطني للتعاون القضائي الدولي توثيق نتائج التحقيق وربطها بقواعد البيانات، فيما عمل مركز مشترك للتحليل الاستخباراتي، يضم محققين قضائيين وعناصر من وزارة الداخلية وجهاز المخابرات الوطني وجهاز الأمن الوطني ومديرية الاستخبارات العسكرية، على تدقيق بيانات المحتجزين وتزويد المحاكم بالتقارير الفنية والوثائق اللازمة.
وفي موازاة ذلك، كشفت التحقيقات عن معلومات مرتبطة بجرائم خطيرة ارتُكبت بحق المجتمع الإيزيدي، وحددت ستة متهمين أدوا أدواراً مباشرة في استعباد نساء إيزيديات أو احتجازهن ونقلهن وبيعهن أو الإشراف عليهن.
وكان تنظيم "داعش" قد اجتاح سنجار، معقل الإيزيديين في شمال العراق، في 3 آب/أغسطس 2014، وشن حملة من عمليات القتل والخطف والاغتصاب وإرغامهم على تغيير دينهم، ما دفع أعداداً كبيرة من أبناء الأقلية الإيزيدية إلى الفرار من مناطقهم.
في المقابل، أفضت التحقيقات إلى استبعاد الملاحقة القضائية بحق عدد من المحتجزين لعدم توافر أدلة كافية ضدهم. وسبق للسلطات العراقية أن أطلقت سراح سبعة عراقيين، كما سلّمت محتجزاً فنلندياً وآخر أمريكياً إلى سلطات بلديهما في نيسان/أبريل.
وتعمل السلطات حالياً على استكمال الإجراءات القانونية لإطلاق سراح 457 سورياً لم تثبت بحقهم أدلة تستوجب استمرار الإجراءات القضائية. ويجري التنسيق مع السفارة السورية في بغداد ، عبر وزارة الخارجية العراقية، لترتيب تسليمهم إلى سوريا بعد استكمال المتطلبات القانونية الخاصة بكل حالة.
أما الذين ستستمر ملاحقتهم، فمن المقرر أن تبدأ إحالتهم إلى المحاكم المختصة تباعاً. ولتقليل المخاطر الأمنية المرتبطة بنقلهم، خُصصت قاعة للمحاكمات عن بُعد مزودة بكاميرات مراقبة وروابط فيديو مباشرة.
تأتي هذه الإجراءات ضمن ملف قضائي وأمني يمتد إلى السنوات التي أعقبت صعود "داعش"، الذي سيطر عام 2014 على مساحات واسعة من العراق وسوريا وأعلن ما سماه "الخلافة"، قبل أن يخسر الأراضي التي كان يسيطر عليها تدريجياً بدعم من التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة، إذ دُحر في العراق عام 2017، فيما خسر آخر مناطق سيطرته في سوريا عام 2019.
وبعد هزيمة التنظيم في سوريا، بقي آلاف المشتبه بانتمائهم إلى الجماعات المتطرفة وعائلاتهم، وبينهم أجانب، في سجون ومخيمات تولت قوات "قسد" إدارتها لسنوات، لكن التطورات الأمنية التي شهدها شمال شرقي سوريا في كانون الثاني/يناير 2026 أثارت مخاوف من احتمال استغلال عناصر التنظيم أي فراغ أمني للفرار من مراكز الاحتجاز، ما سرّع عملية نقل الآلاف منهم إلى العراق.
ويُحتجز المنقولون حالياً في سجن الكرخ قرب مطار بغداد الدولي، في وقت تواجه فيه السلطات تحديات أمنية مرتبطة بحماية المنشأة والمحتجزين. وسبق للمحاكم العراقية أن أصدرت خلال الأعوام الماضية أحكاماً بالإعدام والسجن مدى الحياة بحق مدانين بالانتماء إلى "جماعة إرهابية" في قضايا "إرهاب" وقتل، بينهم أجانب، فيما لا يزال آلاف العراقيين والأجانب المدانين بالانتماء إلى "داعش" محتجزين في السجون العراقية.
المصدر:
يورو نيوز
مصدر الصورة
مصدر الصورة