آخر الأخبار

ترمب يطفئ عين أمريكا.. لماذا أغلق أهم مواقع "سي آي إيه"؟

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

فوجئ باحثون وأكاديميون وصحفيون يوم 4 فبراير/شباط 2026 باختفاء موقع "كتاب حقائق العالم" (World Factbook) التابع لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA)، دون إشعار بالإحالة إلى منصة بديلة. وهكذا توقَّف موقع كان يُحدَّث أسبوعيا، واعتمد عليه كثيرون منذ إطلاقه رقميا عام 1997 للحصول على بيانات شاملة عن الدول واقتصاداتها وجيوشها ومجتمعاتها. ولم تقدم وكالة الاستخبارات المركزية تفسيرا مُحددا للقرار، مع اكتفاء مديرها جون راتكليف بالحديث عن إنهاء البرامج التي لا تخدم المهمة الأساسية للوكالة.

جاء اختفاء موقع "كتاب حقائق العالم" ضمن حملة بدأت مع عودة الرئيس ترمب إلى البيت الأبيض مطلع عام 2025، وشملت العشرات من مصادر البيانات الحكومية الأمريكية، مثل قواعد بيانات المناخ التابعة للإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي (NOAA)، وصفحات مراكز السيطرة على الأمراض (CDC)، والبيانات التابعة للوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID).

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 هندسة الأرخبيل.. كيف تعيد إسرائيل تشكيل الضفة زمانيا ومكانيا؟
* list 2 of 2 يويفا يتحدى فيفا فما علاقة الحكم الصومالي عمر عرتن؟ end of list

سبق ذلك وتَلَته إجراءات مماثلة شملت إلغاء النسخة المقبلة من تقرير "الاتجاهات العالمية" الذي اعتاد مجلس الاستخبارات الوطني إصداره كل أربع سنوات لدراسة التطورات التي قد تُشكِّل البيئة الدولية لمدة 15 عاما قادمة. كما أُغلِقَت الجامعة الوطنية للاستخبارات ونقلت برامجها إلى جامعة الدفاع الوطني بحجة أن القدرات التعليمية التي تُوفِّرها محدودة النطاق، ولا تستدعي وجود جامعة مستقلة بذاتها، وأوقفت وزارة الخارجية برنامجا تابعا لمكتب الاستخبارات والبحوث يربط مُحللي المكتب بالأكاديميين والخبراء من خارج الحكومة، فضلا عن إنهاء مسيرة مكتب التقييم الصافي في البنتاغون (Office of Net Assessment)، والشروع في خطة لإبعاد 1200 من موظفي وكالة الاستخبارات المركزية.

"جمع كتاب حقائق العالم المعرفة الأساسية التي تشكل قاعدة العمل الاستخباري"

إن فهم دلالات تلك الإجراءات يساعدنا في تحديد بوصلة الإدارة الأمريكية. لقد جمع "كتاب حقائق العالم" المعرفة الأساسية التي تشكل قاعدة العمل الاستخباري، وساهمت الجامعة الوطنية للاستخبارات في التدريب المُوحَّد للعاملين القادمين من أجهزة مختلفة داخل مجتمع الاستخبارات. وكذلك فَتَح برنامج التواصل التابع لمكتب الاستخبارات والبحوث نافذة للمُحلِّلين على المعرفة الموجودة في الجامعات ومراكز الأبحاث، بينما صُمِّمَت سلسلة "الاتجاهات العالمية" لإخراج مجتمع الاستخبارات من ضغط الأخبار والأزمات اليومية ودَفْعه إلى التفكير في العالم بعد عقد أو أكثر. أما مكتب التقييم الصافي في البنتاغون فاختص بدراسة المنافسة العسكرية في أفق يمتد إلى عقدين أو ثلاثة عقود.

إعلان

اختلفت وظائف هذه المؤسسات والبرامج وأحجامها، لكن ما جمع بينها أنها مثَّلت جزءا من بِنية شيَّدتها الولايات المتحدة على مدى ثمانية عقود لمراكمة المعرفة والخبرة، وتدريب العاملين، وربط الدولة بالخبرات الموجودة خارجها، وإجبار مؤسسات غارقة في إدارة أزمات يومية على تخصيص جزء من مواردها للتفكير في مشكلات الغد. وفي المقابل، تقول إدارة ترمب إنها تعيد أجهزة الأمن القومي إلى وظائفها الأصلية، وتتخلَّص من التضخُّم البيروقراطي والبرامج المُكرَّرة أو المُسيَّسة، وتُعيد توجيه الموارد نحو التهديدات الأكثر إلحاحا.

مصدر الصورة موقع "كتاب حقائق العالم" (أرشيف)

نقطة البداية لمعرفة العالم

تعود جذور "كتاب حقائق العالم" إلى الحرب العالمية الثانية، حين اكتشفت الولايات المتحدة أن خوض حرب تمتد عملياتها إلى مناطق بعيدة يتطلَّب امتلاك معرفة منهجية بالدول والمجتمعات والاقتصادات والبنية التحتية والجغرافيا، دون الاكتفاء بجمع المعلومات عن جيوش الخصوم وتحرُّكاتها. ومن هذا المنطلق، تعاون مدير مكتب الخدمات الإستراتيجية ويليام دونوفان عام 1943 مع رئيس استخبارات الجيش ومسؤول استخبارات البحرية لتأسيس برنامج الدراسات الاستخبارية المشتركة للجيش والبحرية، ليصبح أول برنامج مُشترك بين المؤسسات الأمريكية لإنتاج استخبارات أساسية مُنسَّقة.

وكانت الدراسات في تلك الفترة مُوجَّهة إلى القادة العسكريين الذين يحتاجون، قبل إرسال قواتهم إلى منطقة ما، إلى معرفة تضاريسها وموانئها وطرقها ومواردها وسكانها وغيرها من المعلومات اللازمة للتخطيط للعمليات. وقد أصدر البرنامج 34 دراسة حتى يوليو/تموز 1947، واستخدمت باعتبارها مواد مرجعية للقادة والقوات خلال الحرب.

"أصدر برنامج الدراسات الاستخبارية 34 دراسة حتى يوليو/تموز 1947 استخدمت باعتبارها مواد مرجعية للقادة والقوات خلال الحرب"

ومع انتقال الولايات المتحدة إلى موقع الريادة العالمي بعد انتهاء الحرب، صارت مهتمة بالأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعسكرية في عشرات الدول التي يمكن أن تؤثر تطوراتها على مصالحها. ومع تأسيس وكالة الاستخبارات المركزية بموجب قانون الأمن القومي عام 1947، انتقلت إليها مسؤولية المسح المعلوماتي الذي مرَّ بعدة مراحل وصولا إلى صدوره باسم "المسح الوطني للاستخبارات" لتزويد صناع القرار والقادة العسكريين بالبيانات والخرائط والمواد المرجعية المُحدَّثة. ووصفت لجنة كلارك، المُكلَّفة بدراسة هيكل وإدارة وكالة الاستخبارات المركزية، في إفادتها أمام الكونغرس عام 1955 هذا المنتج بأنه لا يُقدَّر بثمن، لما يوفره من معلومات استخبارية أساسية عن مختلف أنحاء العالم، وشددت على الحاجة المستمرة إلى تحديثه.

وفي عام 1962، أصدرت الوكالة النسخة الأولى المُصنفة من "كتاب حقائق الاستخبارات الأساسية الوطنية"، قبل أن يظهر عام 1971 على هيئة ملخص سنوي للدراسات الأكثر تفصيلا التي يتضمَّنها "المسح الوطني للاستخبارات". ثم أتيحت معلوماته للجمهور واستقر اسمه عام 1981 على "كتاب حقائق العالم".

وضعت وكالة الاستخبارات المركزية الكتاب على موقعها الإلكتروني عام 1997، فأصبح واحدا من أشهر المراجع المجانية لبيانات الدول قبل انتشار الموسوعات الإلكترونية وقواعد البيانات. فقد جمع في مكان واحد معلومات عن الجغرافيا والسكان ونُظُم الحكم والاقتصاد والموارد والاتصالات والنقل والقوات المسلحة لمئات الدول، وحقق ملايين الزيارات سنويا، واستخدمه الصحفيون والباحثون والمعلمون والطلاب والمسافرون. كما ضمَّ الموقع أكثر من خمسة آلاف صورة أتاحتها الوكالة للاستخدام العام، كان بعضها من الصور التي التقطها ضباطها أثناء رحلاتهم.

"من منظور إدارة ترمب، لم تعد هناك ضرورة لأن تخصص وكالة استخبارات موظفين وموارد لإنتاج مرجع عام أصبحت معظم بياناته متاحة في عشرات المصادر الأخرى"

ومع ذلك، فإن إغلاق الموقع الإلكتروني في فبراير/شباط 2026 لا يعني اختفاء المعرفة التي كان يحتويها، إذ إن النسخ القديمة من قاعدة بياناته مؤرشفة، وجانب كبير من البيانات الاقتصادية والديموغرافية التي كان يجمعها متاح عبر البنك الدولي والأمم المتحدة ومؤسسات أخرى، كما ظهرت عقب الإغلاق مواقع تحاول إعادة إنتاج الخدمة بالاعتماد على هذه المصادر. من منظور إدارة ترمب، لم تعد هناك ضرورة لأن تخصص وكالة استخبارات موظفين وموارد لإنتاج مرجع عام أصبحت معظم بياناته متاحة في عشرات المصادر الأخرى، بينما يمكن توجيه تلك الموارد إلى مهام أكثر أهمية.

مصدر الصورة ويليام جوزيف دونوفان مدير مكتب الخدمات الإستراتيجية الأمريكي (يمين) خلال اجتماع لقيادة الحلفاء عام 1945 (غيتي)

التفكير بعيد المدى

لم تقتصر يد الإغلاق على موقع "كتاب حقائق العالم"، فقد امتدت إلى تقرير "الاتجاهات العالمية" الذي يصدره مجلس الاستخبارات الوطني الأمريكي، بهدف تشجيع مؤسسات الأمن القومي على الخروج من ضغط الملفات اليومية والنظر إلى العالم بمنظار مستقبلي يمتد إلى عقد ونصف.

إعلان

بدأ مجلس الاستخبارات الوطني إعداد هذه السلسلة عام 1997، وصارت تصدر كل 4 سنوات تقريبا، بالتزامن مع انتقال السلطة إلى إدارة جديدة، بحيث يجد الرئيس وفريقه أمامهم تصوُّرا للاتجاهات التي يمكن أن تعيد تشكيل البيئة الدولية على مدار السنوات الـ15 التالية، قبل أن تبتلعهم انشغالات العمل اليومي. ولم تكن الغاية تقديم تنبؤات يقينية بما سيحدث، بقدر ما كانت تحديد القوى الديموغرافية والاقتصادية والتكنولوجية والبيئية والسياسية التي قد تغير البيئة التي ستعمل فيها الولايات المتحدة، واستكشاف السيناريوهات المختلفة التي يمكن أن تنتج عنها.

ورغم انتشار سلسلة "الاتجاهات العالمية"، وترجمة إصدارات منها إلى عدة لغات بينها العربية، قرَّرت مديرة الاستخبارات الوطنية السابقة تولسي غابارد عام 2025 إلغاء التقرير المقبل، وحلَّ مجموعة المستقبل الإستراتيجي التي تعد التقرير وتعمل بوصفها ذراع مجلس الاستخبارات الوطني المعنية بالاستشراف الإستراتيجي.

واتهمت غابارد المجموعة بإهمال الغرض الذي أُنشئت من أجله، وتوظيفها بواسطة عناصر من الدولة العميقة داخل مجتمع الاستخبارات للدفع بأجندة سياسية حزبية، مضيفة في تقرير صادر عن مكتبها بأن مسودة تقرير "الاتجاهات العالمية" المفترض صدوره في عام 2025 خضعت لمراجعة خلصت إلى انتهاكها المعايير المهنية للتحليل، ومحاولتها الترويج لأجندة سياسية تتعارض مع أولويات الأمن القومي للرئيس ترمب، قاصدة بذلك ملفات مثل تغيُّر المناخ الذي يصفه ترمب بأنه أكبر احتيال على مستوى العالم، فضلا عن مخاطر تفشي الجوائح وأنماط الهجرة.

مصدر الصورة الرئيس الأمريكي ترمب ينظر إلى مديرة الاستخبارات الوطنية آنذاك تولسي غابارد خلال مراسم أدائها اليمين الدستورية عام 2025 (رويترز)

وجاء حل المجموعة ضمن إعادة هيكلة لمكتب مدير الاستخبارات الوطنية. فقد تبنَّت غابارد خطة لخفض عدد العاملين في المكتب، البالغ نحو 1800 موظف، إلى نحو النصف، مع توقُّع توفير قرابة 700 مليون دولار. وبرَّرت ذلك بتضخُّم المكتب وتوسُّعه في مهام تقع خارج نطاق تفويضه، فضلا عمَّا وصفته بمعاناة مجتمع الاستخبارات من التسريبات غير المُصرَّح بها وتسييس المعلومات الاستخبارية وتوظيفها كسلاح سياسي، بما أضعف قدرة المكتب على أداء مهمته الأساسية المتمثلة في حماية الأمريكيين من التهديدات الحالية والمستقبلية.

ويفتح تفسير غابارد الباب أمام سؤال من الذي يحدد القضايا التي تستحق أن يفكر فيها مجتمع الاستخبارات على المدى الطويل. فالعمل الإستراتيجي بعيد المدى يؤدي وظيفة مختلفة عن الاستجابة لأولويات الرئيس الراهنة، فمُهِمته هي اكتشاف القضايا التي قد تصبح مهمة قبل أن تقرر القيادة السياسية أنها مهمة. وكذلك فإن بعض التغيُّرات التكنولوجية أو الديموغرافية أو البيئية قد تبدو هامشية عندما تبدأ، ثم تصبح بعد سنوات عناصر مؤثرة في موازين القوة والأمن.

"العمل الإستراتيجي بعيد المدى يؤدي وظيفة مختلفة عن الاستجابة للأولويات الراهنة"

وقد اعتبر مستشار الأمن القومي السابق جيك سوليفان أن إضعاف هذا النوع من العمل سيُقلِّل استعداد الولايات المتحدة لمواجهة تحديات مستقبلية مثل تغيُّر المناخ، بينما رأى غريغوري تريفِرتون، الرئيس السابق لمجلس الاستخبارات الوطني، أن العمل على "الاتجاهات العالمية" ساهم في تطوير أساليب جديدة لجمع المعلومات وتحليلها، وأضاف "أن قيام مديرة المخابرات الوطنية بالتشكيك في مهنية أشخاص متفانين، أمر مُسيء".

إغلاق مكتب التقييم الصافي

في سبتمبر/أيلول 1969، استدعى هنري كيسنجر، وزير الخارجية ومستشار الأمن القومي المعروف، أندرو مارشال، الضابط المتقاعد والخبير في مركز راند، إلى واشنطن، وأبلغه بأن الرئيس نيكسون غير راضٍ عن نوعية المعلومات الاستخبارية التي تصل إلى البيت الأبيض، وطلب منه دراسة المشكلة. وأسفر ذلك عن إحياء فكرة "التقييم الصافي" داخل مجلس الأمن القومي، والقائمة على إجراء تحليل مُقارِن ومنهجي لنقاط القوة والضعف العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية للولايات المتحدة وخصومها، والنظر إلى الكيفية التي يمكن أن تتطور بها المنافسة مع هؤلاء الخصوم على مدى عقدين أو ثلاثة عقود.

إعلان

بدأ مارشال العمل مستشارا للمجلس بدوام جزئي في نهاية العام، ثم شرع نيكسون عام 1971 في إعادة تنظيم أجهزة الاستخبارات، ونصَّت مذكرة رئاسية على إنشاء فريق للتقييم الإستراتيجي داخل مجلس الأمن القومي لمساعدة كيسنجر في الإشراف على إصلاحات الاستخبارات وإعداد تقييمات شاملة لموازين القوى العسكرية.

لكن وزير الدفاع آنذاك "مِلفين ليرد" عارض انتقال مسؤولية تقييم التوازنات العسكرية إلى مجلس الأمن القومي، فأنشأ داخل مكتب وزير الدفاع "مكتب التقييم الصافي". وتولَّى مارشال إدارة العمل بصورة مؤقتة، قبل أن يتولَّى المكتب رسميا عام 1973، ويبقى على رأسه حتى تقاعده عام 2015، في استمرارية نادرة داخل مؤسسات الأمن القومي الأمريكية.

مصدر الصورة الشعار الرسمي لمكتب التقييم الصافي الذي تأسس داخل أروقة البنتاغون لإجراء تقييمات شاملة ومقارنة لنقاط القوة والضعف بين الولايات المتحدة وخصومها ( الصحافة الأميركية)

طوَّر مارشال خلال تلك العقود منهجية تحليلية هجينة، جمعت بين الاقتصاد والعلوم السياسية ودراسة السلوك التنظيمي. وانطلق من أن فهم المنافسة يتطلَّب دراسة المؤسسات التي تنتج القوة في كل دولة، وهيكل اقتصادها، وطريقة عمل بيروقراطيتها العسكرية، وكيفية إدراكها للتهديدات، والقيود التي تواجهها في تخصيص الموارد. فالجيوش والدول، مثل الشركات، لا تتصرف دائما وفق العقائد الرسمية المُعلَنة، وإنما تؤثر بنيتها التنظيمية في القرارات التي تتخذها، وفي الطريقة التي تستجيب بها للمنافسة.

ظهر أثر هذه المنهجية في الخلاف حول تقدير حجم العبء الذي يفرضه الإنفاق العسكري على الاقتصاد السوفياتي. رأى مارشال أن تقديرات وكالة الاستخبارات المركزية كانت تبالغ في القدرة الاقتصادية السوفياتية، ما جعل الإنفاق العسكري الباهظ يبدو محتملا لموسكو. رجح مارشال العكس تماما: الاقتصاد السوفيتي كان أضعف وأكثر هشاشة، والإنفاق العسكري كان يلتهم حصة هائلة وغير مستدامة من موارده، مما يعني أن استنزاف موسكو اقتصاديا عبر سباق التسلح كان إستراتيجية فعالة.

"ركَّزت منهجية التقييم الصافي على المجالات التي تستطيع الولايات المتحدة فيها استخدام نقاط قوتها لإجبار الخصم على إنفاق موارده في نطاقات أكثر تكلفة بالنسبة إليه"

ومن هنا ركَّزت منهجية التقييم الصافي على البحث عن مجالات تستطيع الولايات المتحدة فيها استخدام نقاط قوتها لإجبار الخصم على إنفاق موارده في مجالات أكثر تكلفة بالنسبة إليه، ما يعرف بإستراتيجية "فرض التكاليف". المثال الأبرز على ذلك كان الغواصات السوفياتية، حيث استثمر الاتحاد السوفياتي موارد هائلة لبناء أسطول ضخم من الغواصات الحاملة للصواريخ النووية كركيزة لردعه الإستراتيجي.

لكن الولايات المتحدة استغلت تفوقها التكنولوجي النوعي في تقنيات خفض الضوضاء وشبكات الاستشعار الصوتي تحت الماء لرصد وتعقب هذا الأسطول بدقة. وأدى انكشاف الغواصات السوفياتية إلى تقليص ميزة التخفي، مما أجبر موسكو على تخصيص جزء ضخم من ميزانيتها لبناء منظومات حماية ودفاع لغواصاتها، لتتحول قوة الردع السوفياتية المكلفة من أداة تفوق هجومي إلى عبء دفاعي واقتصادي متواصل.

مصدر الصورة أندرو مارشال (الصحافة الأمريكية)

ولعل السمة الأكثر ارتباطا بدور المكتب في تشكيل التفكير الإستراتيجي الأمريكي كانت قدرته على دراسة قضايا لم تحتل أولوية كبيرة داخل البنتاغون وقت ظهورها. ففي أواخر الثمانينيات، بينما كان الاهتمام الأكبر للمؤسسة الدفاعية مُنصَبا على الاتحاد السوفيتي، بدأ مارشال يولي اهتماما لصعود الصين بوصفها تحديا رئيسيا في القرن الحادي والعشرين. كما كان من أوائل المسؤولين الذين اهتموا بما يمكن أن تحدثه التطورات في تقنيات الاستشعار والاتصالات والأسلحة الدقيقة من تغيير في طبيعة الحرب.

كانت ميزة المكتب هي مصدر الانتقادات الموجهة إليه في الوقت ذاته، إذ كان يُنفق على أبحاث قد لا تتضح قيمتها إلا بعد 10 سنوات أو 20 سنة، ما دفع بعض المسؤولين للنظر إليه على أنه بعيد عن الاحتياجات العملية للبنتاغون، فيما رأى أنصاره أن هذا الابتعاد هو السبب الذي أنشئ من أجله، فوزارة ضخمة مسؤولة عن الحروب والعمليات والموازنات لا تعاني نقصا في الأشخاص الذين يفكرون في مشكلات اليوم، بقدر ما تحتاج إلى جهة صغيرة تتفرغ للسؤال عن مشكلات الغد.

إعلان

ولهذا كتب وزير الدفاع السابق روبرت غيتس في مقدمة كتاب "المحارب الأخير: أندرو مارشال وتشكيل إستراتيجية الدفاع الأمريكية الحديثة" الذي يروي سيرة مارشال: "نحن الآن ندخل فترة سيحتاج فيها كبار مسؤولي الدفاع إلى مساهمات مكتب التقييم الصافي بالقدر نفسه الذي احتاجوا إليه في الماضي". وقد منحت استمرارية مارشال للمكتب سمة استثنائية داخل الحكومة الأمريكية، فمنذ توليه المنصب في عهد نيكسون، تعاقب على البيت الأبيض ثمانية رؤساء، وتغيَّر وزراء الدفاع والإدارات مرارا، بينما ظل هو في موقعه حتى عهد أوباما، ثم توفي عام 2019 عن عمر ناهز 97 عاما. وبذلك تراكم داخل المكتب نوع من الذاكرة المؤسسية التي سمحت بمقارنة المنافسات على مدى عقود.

"تراكم داخل المكتب نوع من الذاكرة المؤسسية التي سمحت بمقارنة المنافسات على مدى عقود"

ولهذا أثار قرار وزير الحرب هيغسيث في مارس/آذار 2025 إغلاق مكتب التقييم الصافي وإعادة تقييم وظائفه وعقوده جدلا تجاوز حجم المكتب البالغ 12 موظفا، وميزانيته السنوية التي تتراوح ما بين 10 إلى 20 مليون دولار، وهي قيمة ضئيلة قياسا بموازنة دفاع أمريكية تبلغ أكثر من تريليون دولار سنويا. ومن ثم رأى منتقدو القرار أن الوفورات التي يمكن تحقيقها من إغلاقه محدودة، بينما يصعب حساب تكلفة فقدان الدور الذي كان يؤديه.

إقصاء الخبراء

عند الحديث عن مصادر القوة الأمريكية، تتجه الأنظار عادة إلى الاقتصاد وحاملات الطائرات والقواعد العسكرية والترسانة النووية وشبكة التحالفات المنتشرة حول العالم. وتغيب حقيقة أن صعود الولايات المتحدة إلى مرتبة القوة العالمية صاحبه استثمار كبير في المؤسسات القادرة على إنتاج المعرفة، وتكوين أجيال من العسكريين والدبلوماسيين والمُحللين والخبراء القادرين على تحويل الموارد الهائلة التي تمتلكها البلاد إلى سياسات وإستراتيجيات.

لم تُبنَ هذه المعرفة داخل الحكومة الأمريكية وحدها، فمع مرور الوقت نشأت حول مؤسسات الأمن القومي شبكة ممتدة من الجامعات ومراكز الدراسات والخبراء، وشارك باحثون من مؤسسات مثل راند وبروكينغز في إعداد الدراسات وأوراق السياسات، فيما انتقل أكاديميون وخبراء ذهابا وإيابا بين الجامعات والحكومة ومراكز الأبحاث. ومن هذه البيئة خرج مسؤولون لعبوا أدوارا بارزة في تشكيل السياسة الخارجية والأمن القومي، مثل هنري كيسنجر وزبيغنيو بريجنسكي وبرِنت سكوكروفت.

"منذ عودته إلى البيت الأبيض في عام 2025، عيَّن ترمب شخصيات عُرفت بانتقادها لمؤسسة الأمن القومي"

لكن طرأت مستجدات جوهرية في السنوات الأخيرة، حيث تدهورت علاقة الرئيس ترمب منذ ولايته الأولى بجزء كبير من مجتمع الاستخبارات على خلفية التحقيقات المتعلقة بالتدخل الروسي في انتخابات عام 2016. ولذا ترسَّخ لدى ترمب وحلفائه اعتقاد بأن بعض مكونات المؤسسة الأمنية تجاوزت دورها المهني وانخرطت في صراع سياسي ضده.

تولسي غابارد وكاش باتيل (الثاني يسار) خلال جلسة استماع أمام مجلس الشيوخ عام 2025 (الأوروبية)

ومنذ عودته إلى البيت الأبيض في عام 2025، عيَّن ترمب شخصيات عُرفت بانتقادها لمؤسسة الأمن القومي، في مقدمتها تولسي غابارد التي عيَّنها مديرة للاستخبارات الوطنية قبل أن تستقيل من المنصب عام 2026، وكاش باتيل الذي عيَّنه مديرا لمكتب التحقيقات الفيدرالي، في إطار ما قالت الإدارة إنه مسعى لإنهاء تسييس العمل الاستخباري واستخدام مؤسسات الدولة في الصراعات الحزبية.

ولا تكمن المشكلة في حق الرئيس في اختيار قيادات تتفق مع سياساته، فهذا من صميم صلاحياته، لكن طبيعة العمل الاستخباري تُفرِّق بين المسؤول السياسي الذي يتولَّى تنفيذ أجندة الرئيس، والمُحلل الذي يفترض أن يقدم تقديرا مستقلا. وقد لخَّص مدير وكالة الاستخبارات المركزية ووكالة الأمن القومي الأسبق مايكل هايدن هذه المسألة حين اعتبر أن أفضل ما يمكن أن تقدمه الاستخبارات لصانع القرار هو تصحيح المفاهيم الراسخة الخاطئة لديه، فالرئيس لا يحتاج إلى جهاز استخباري ضخم كي يُكرِّر على مسامعه ما هو مقتنع به، وإنما كي يختبر افتراضاته، ويدفعه إلى طرح أسئلة ربما لم يطرحها، ويُنبِّهه إلى العواقب التي لا يضعها في حساباته.

ترمب (يمين) يقف بجوار مدير مكتب التحقيات الفيدرالي كاش باتيل (شترستوك)

وقد ظهر اختبار عملي لهذه العلاقة في مايو/أيار 2025، عندما أقالت غابارد اثنين من كبار مسؤولي مجلس الاستخبارات الوطني، هما مايكل كولينز، القائم بأعمال رئيس المجلس، ونائبته ماريا لانغان. وجاءت الإقالة بعد أن أعدَّ المجلس تقييما استخباريا بشأن العلاقة بين حكومة فنزويلا وعصابة "ترين دي أراغوا"، خلص إلى عدم وجود دليل على أن حكومة مادورو تُوجِّه عمليات العصابة داخل الولايات المتحدة. وتعارَض هذا الحكم مع الرواية التي استخدمتها إدارة ترمب لتبرير إجراءاتها ضد مهاجرين فنزويليين، إذ أكد البيت الأبيض أن العصابة تعمل بتوجيه من نظام مادورو.

وهنا ينبغي التفريق بين رفض الرئيس للتقييم ومعاقبة المؤسسة التي أنتجته. فمن حق البيت الأبيض أن يعتبر تحليل مجلس الاستخبارات خاطئا، وأن يطلب إعادة فحص الأدلة أو تقديم تقديرات بديلة، بل وأن يتخذ سياسة لا تتفق معه. لكن إذا أصبح الوصول إلى حكم مخالف لرؤية الإدارة سببا مُحتملا لخسارة المنصب، فإن الرسالة إلى مجتمع الاستخبارات مفادها أن هناك تكلفة مهنية عند الوصول إلى تقدير لا يتفق مع الرواية التي تتبناها الإدارة. ولذا حذَّر هايدن من أن إقالة المحللين أو المسؤولين بسبب أحكام مهنية غير مرغوبة يمكن أن تدفع الباقين إلى ممارسة الرقابة الذاتية، فيعيد المحلل صياغة حكمه، أو يخفض درجة ثقته، أو يتجنب موضوعا حساسا، لأنه يعرف التداعيات التي ستترتب على تقديم نتيجة لا تتفق مع موقف البيت الأبيض.

"الخبرة داخل مؤسسات الأمن القومي لا تُبنى بالسرعة التي يمكن بها إلغاؤها"

وقد تكرَّر الأمر مجددا في ملف إيران. ففي مارس/آذار 2025، قالت غابارد أمام لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ إن مجتمع الاستخبارات لا يزال يُقدِّر أن إيران لا تبني سلاحا نوويا، وإن المرشد وقتها علي خامنئي لم يتخذ قرارا بإحياء برنامج الأسلحة النووية الذي أوقفته طهران عام 2003. وعندما سُئل ترمب عن هذا التقييم في ظل تصاعد المواجهة مع إيران، أجاب: "لا يهمني ما قالته، إنها مخطئة، أعتقد أنهم كانوا قريبين جدا من امتلاك سلاح نووي".

وقد دفعت البيئة التي شكَّلتها تلك الأحداث إلى بروز موجة مغادرة لأصحاب الكفاءة من الأجهزة الاستخبارية والأمنية. فقد أدت عروض التقاعد والاستقالة المبكرة إلى رحيل ضباط وموظفين يمتلك بعضهم سنوات طويلة من الخبرة، وبدأ آخرون البحث عن وظائف في القطاع الخاص في ظل انخفاض المعنويات وعدم اليقين بشأن مستقبل المؤسسات التي يعملون بها.

وهذه النقطة مهمة لأن الخبرة داخل مؤسسات الأمن القومي لا تُبنى بالسرعة التي يمكن بها إلغاؤها. ولهذا تحذر إليزابيث سوندرز في مقال نشرته في فورين أفيرز من أن إعادة بناء الخبرة والتجربة داخل البيروقراطية الفيدرالية قد تكون "مهمة جيل كامل، لا إدارة واحدة"، وأن الخطر الحقيقي سيظهر عندما تقع أزمة فتكتشف الدولة أنها لم تعد تمتلك الأدوات والخبرة والقدرة المؤسسية التي كانت متاحة لها سابقا.

تآكُل العقل الإستراتيجي

يُشتهر في أدبيات "التسريح الجماعي من العمل" مثال عن جامعة كبرى قررت الاستغناء بصورة مفاجئة عن نصف أساتذتها، وظلَّت الجامعة تحتفظ بمبانيها ومكتباتها وأموالها واسمها، لكنها لم تتمكن من إنتاج قدرتها العلمية السابقة بمجرد تعيين خريجين جدد، لأن الخبرة التي راكمها الأساتذة في التدريس والبحث والإشراف قد ذهبت معهم. وبالمثل، فإن البنتاغون أو وزارة الخارجية أو وكالة الاستخبارات المركزية لا تتكون فقط من المباني والميزانيات واللوائح، ويصعب تعويض خسارة الإقالات فيها بمجرد توظيف عدد مماثل.

فالعمل الاستخباري يعتمد بدرجة كبيرة على معرفة تراكمية لا توجد في الكتب وقواعد البيانات، والمحلل الذي تابع بلدا ما لعقود قد عاصر تغيُّر قياداتها وسياساتها، والضابط الذي خدم في عدة دول بنى شبكات وعلاقات وخبرة في التعامل مع مصادر بشرية وثقافات مختلفة، كما يمتلك الموظف الذي شارك في أزمات متعاقبة معرفة بكيفية عمل المؤسسات تحت الضغط.

"الوفورات المالية والإدارية قد تقابلها خسارة لا تظهر في جداول الموازنة"

وهذا هو أحد معاني الذاكرة المؤسسية. فعندما تقع حرب أو انقلاب أو هجوم مفاجئ، لا يمتلك المسؤول محدود الخبرة الوقت لقراءة آلاف الصفحات التي أنتجتها مؤسسته خلال العقود السابقة، ولذا يعتمد على الأشخاص الذين يعرفون تاريخ الملف، ويستطيعون تذكيره بما حدث في الأزمة السابقة، ولماذا استُبعد خيار معين، وما الذي تغيَّر منذ ذلك الحين.

الشاهد أن الوفورات المالية والإدارية قد تقابلها خسارة لا تظهر في جداول الموازنة، من قبيل تراجع قدرة الدولة على الاحتفاظ بالمعرفة، ونقل الخبرة، والوصول إلى الآراء الموجودة خارج الحكومة، ودراسة المشكلات قبل أن تتحوَّل إلى أزمات، وتقديم تقديرات لا تنسجم بالضرورة مع رؤية القيادة السياسية.

هذه العناصر مجتمعة هي ما يمكن وصفه بالعقل الإستراتيجي للدولة، الذي يتجسَّد في شبكة من الأشخاص والمكاتب والقواعد المهنية والذاكرة المتراكمة التي تسمح للدولة بأن تنظر إلى العالم في أفق أطول من دورة الأخبار، وأوسع من أجندة الرئيس، ومن ثم فالخطر الأكبر من منظور العديد من خبراء الأمن الأمريكيين، مثل مايكل هايدن، وجيمس كلابر، هو أن ترى واشنطن العالم من خلال عينيْ الإدارة الحالية فقط، ما يُبدِّد عقودا من الخبرة المُكتسَبة بشق الأنفس، ويورط الدولة الأمريكية في أزمات كان من الممكن تجنُّبها.

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة


الأكثر تداولا أمريكا إيران دونالد ترامب

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا