لم يعد الدعم المالي الكبير، ولا مساندة جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل، ولا تأييد قيادة الحزب التقليدية، ضمانات كافية للفوز في الانتخابات الأمريكية.
هذا هو التحول الذي ترصده دراسة الباحث الحواس تقية، من خلال فوز الطبيب الأمريكي من أصول مصرية عبد الرحمن السيد بترشيح الحزب الديمقراطي لانتخابات مجلس الشيوخ في ولاية ميشيغان، وربطه بنتائج انتخابية أخرى، أبرزها فوز زهران ممداني بعمادة نيويورك.
فاز السيد في الانتخابات التمهيدية الديمقراطية في ميشيغان بنسبة 48.5%، مقابل 47.5% لمنافسته ستيفنز، بعد فرز نحو 99% من الأصوات، رغم أنه لم يكن مرشح قيادة الحزب الديمقراطي التقليدية، ورغم الحملة التي واجهها من الرئيس دونالد ترمب، الذي وصفه بالشيوعي والكاره لليهود وإسرائيل. وبعد انتصاره، أصبح عليه مواجهة الجمهوري مايك روجرز في انتخابات نوفمبر/تشرين الثاني 2026، في سباق شديد الأهمية للديمقراطيين، لأن الاحتفاظ بمقعد ميشيغان يمثل خط الدفاع عن رصيدهم الحالي البالغ 47 مقعدًا في مجلس الشيوخ.
لكن الدراسة لا تتوقف عند فوز مرشح في انتخابات تمهيدية، وإنما تتعامل معه باعتباره جزءًا من نمط آخذ في التشكل داخل السياسة الأمريكية، تتراجع معه مجموعة من القواعد التي استندت إليها جماعات المصالح الموالية لإسرائيل في التأثير في الانتخابات، مقابل صعود قواعد جديدة تتعلق بمصالح الناخب الأمريكي، والتمرد على المؤسسات الحزبية، والتمويل الشعبي، والتواصل المباشر عبر المنصات الرقمية.
تضع الدراسة في مقدمة هذه التحولات نجاح خطاب يربط السياسة الخارجية مباشرة بأحوال الأمريكيين المعيشية.
فقد بنى السيد جانبًا من حملته على إبراز التعارض بين إنفاق أموال دافعي الضرائب الأمريكيين في الخارج وبين احتياجاتهم الداخلية، ووضع الدعم الأمريكي لإسرائيل داخل هذه المعادلة. ووفق منطقه، فإن الأموال التي تذهب إلى دولة تمارس، بحسب خطابه، سياسة فصل عنصري في فلسطين هي أموال كان يمكن إنفاقها لتحسين حياة الأمريكيين.
وهنا حدث تحول مهم في طريقة طرح إسرائيل انتخابيًا. فبدل أن يكون دعمها التزامًا خارجيًا منفصلًا عن حياة المواطن الأمريكي، أصبحت القضية: ماذا يكلف هذا الدعم الناخب نفسه؟
وترى الدراسة أن السيد أقام بذلك حاجزًا بين "مصلحة إسرائيل" و"مصلحة الناخب الأمريكي"، فلم يعد استمرار الدعم يقدم باعتباره أمرًا يصب تلقائيًا في المصلحة الأمريكية، وإنما سياسة يمكن أن تضر المواطن ماليًا وأخلاقيًا.
وليست هذه التجربة الأولى. فقد سبق أن استخدم زهران ممداني خطابًا مشابهًا في نيويورك، رغم وجود أكبر تجمع لليهود خارج إسرائيل فيها. وكان رد الرجلين على اتهامات معاداة الصهيونية والسامية يقوم على أن توجيه الأموال إلى تحسين حياة الأمريكيين يعود بالنفع على الأمريكيين جميعًا، بمن فيهم اليهود الأمريكيون.
وترصد الدراسة دلالة تتجاوز المرشحين نفسيهما؛ إذ استطاع هذا المنطق اجتذاب قطاعات من اليهود الأمريكيين أيضًا، بما يضعف المعادلة التي تساوي بين المصلحة الإسرائيلية ومصلحة اليهود الأمريكيين.
والأهم أن هذا الخطاب لا يقتصر على الجناح التقدمي في الحزب الديمقراطي. فهناك أرضية مشابهة داخل تيار "أمريكا أولًا" الجمهوري، الذي نشأ أصلًا على الاعتراض على إنفاق الأموال وخوض الحروب في الخارج بينما تتفاقم المشكلات الداخلية.
وتشير الدراسة إلى تاكر كارلسون نموذجًا لهذا الاتجاه؛ إذ انتقد ترمب لأنه، من وجهة نظر هذا التيار، ابتعد عن التزام "أمريكا أولًا" وأعطى الأولوية للأجندة الإسرائيلية حتى عندما تضر بالمصالح الأمريكية.
وهنا ترى الدراسة مؤشرًا أكثر عمقًا: عندما تلتقي قطاعات من اليمين واليسار على أولوية المصالح الداخلية في مواجهة الالتزامات الخارجية، فقد لا يكون الأمر مجرد موقف انتخابي عابر، وإنما تحولًا بنيويًا يمكن أن يؤثر في حسابات المرشحين للكونغرس والبيت الأبيض.
ترصد الدراسة تحولًا ثانيًا يرتبط بالأول: تراجع الفصل التقليدي بين السياسة الخارجية والمشكلات الداخلية.
فالأمريكي، وفق الدراسة، لم يكن يهتم كثيرًا بالتزامات بلاده الخارجية ما دامت لا تنعكس بصورة ملموسة على حياته. لكن تراجع الأوضاع الاقتصادية جعل السؤال عن مكان إنفاق الأموال أكثر حضورًا.
وقد كان ترمب نفسه من أبرز من استثمروا هذه الفكرة، عندما أقنع قطاعات من الناخبين بأن الإدارات المتعاقبة أنفقت أموالهم على الحروب الخارجية بدل تحسين ظروفهم المعيشية، وهو خطاب ساعده، بحسب الدراسة، في الفوز بالرئاسة مرتين.
لكن هذا المنطق نفسه فتح الباب أمام سؤال آخر: إذا كانت الالتزامات الخارجية تستنزف أموال الأمريكيين، فمن يحصل على هذه الأموال، ومن يعمل داخل الولايات المتحدة لضمان استمرار تدفقها؟
وتأتي إسرائيل، وفق الدراسة، في مقدمة الدول التي يتركز عليها هذا النقاش بسبب حجم الدعم الأمريكي الذي تحصل عليه، فيما تعمل "أيباك" على مساندة المرشحين الذين يلتزمون استمرار هذا الدعم.
وبذلك أصبح النشاط المؤيد لإسرائيل قابلًا لأن يقدم انتخابيًا بصورة معاكسة تمامًا لما كان عليه: بدل أن يكون دعم "أيباك" مصدر قوة للمرشح، يستطيع خصمه أن يقدمه للناخب باعتباره دليلًا على ارتباطه بمصلحة خارجية تتقدم على مصالح ناخبيه.
القاعدة الثالثة التي ترصدها الدراسة هي تراجع قدرة المؤسسات الحزبية التقليدية على تحديد المرشح الذي يصل إلى الناخب.
لم يكن عبد الرحمن السيد مرشح قيادة الحزب الديمقراطي التقليدية، بل كان أقرب إلى الطرف الهامشي داخله، وحصل على دعم شخصيات مثل بيرني ساندرز. لكنه حول ابتعاده عن المؤسسة إلى عنصر قوة، من خلال خطاب يقوم على أن القيادة التقليدية أصبحت تدافع عن مصالحها، ولم تعد تعبر بالضرورة عن قواعد الحزب.
وبهذا المنطق، يصبح رفض المؤسسة للمرشح شهادة لمصلحته بدل أن يكون نقطة ضعف.
وتضع الدراسة هذا الاتجاه ضمن الظاهرة الشعبوية الأوسع التي تقوم على بناء تعارض بين النخبة والمؤسسة من جهة، والقواعد والجمهور من جهة أخرى.
وقد حدث شيء مشابه داخل الحزب الجمهوري مع ترمب نفسه عام 2016؛ فلم يكن المرشح الذي تفضله المؤسسة الجمهورية، لكن هجومه المستمر على نخبة واشنطن واتهامها بالكذب على الأمريكيين والتفريط في مصالحهم منحه قاعدة شعبية أجبرت الحزب في النهاية على التعامل معه باعتباره مرشحه.
وتكرر النمط، بحسب الدراسة، مع ممداني، حتى إن بعض المحللين أطلقوا عليه "ترمب الديمقراطي"، ثم مع السيد في ميشيغان.
وتخلص الدراسة إلى مفارقة محتملة: إذا استمر صعود هؤلاء المرشحين، فقد تحل النخبة الجديدة في النهاية محل القديمة، وتتحول هي نفسها بمرور الوقت إلى مؤسسة تقليدية.
يظهر التحول بصورة أكثر وضوحًا عند الانتقال إلى "أيباك".
فالدراسة تعتبر فوز السيد دليلًا جديدًا على أن الدعم المالي وشبكات التأييد والإعلام التي تمتلكها الجماعات الموالية لإسرائيل لم تعد قادرة بالضرورة على هزيمة خصومها أو ضمان فوز من تدعمهم.
وتورد رقمًا لافتًا: نحو 30 مليون دولار أنفقت لهزيمة السيد ودعم منافسته ستيفنز، وهو مبلغ تعتبره الدراسة استثنائيًا بالنسبة إلى انتخابات تمهيدية.
لكن النتيجة جاءت عكسية.
ولا ترى الدراسة أن الأموال فشلت فقط في تحقيق الهدف، وإنما تطرح احتمال أن يتحول الإنفاق الكبير نفسه إلى عبء على المرشح الذي يستفيد منه؛ لأنه يستطيع أن يثير لدى الناخب شعورًا بأن أصحاب الأموال والمصالح الخارجية يحاولون "شراء" مقاعد الكونغرس.
وهكذا تنقلب إحدى أهم أدوات جماعات الضغط على نفسها: المال الذي كان يمنح المرشح تفوقًا تنظيميًا وإعلاميًا يمكن أن يستخدمه خصمه دليلًا على أنه مرشح المصالح الكبرى لا مرشح الناخبين.
وقد ظهر الربط بين أصحاب الأموال والداعمين لإسرائيل، وفق الدراسة، في خطابات ممداني والسيد ومرشحين آخرين، واستطاعوا توظيفه لمصلحتهم انتخابيًا.
ومن هنا تطرح الدراسة احتمالًا مهمًا: أن يصبح بعض المرشحين في المستقبل أكثر حذرًا من تلقي أموال جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل أو الشركات الكبرى، إذا أصبح الارتباط بهذه الجهات قابلًا للاستخدام ضدهم في الحملات الانتخابية.
لكن تراجع قوة المال التقليدي لم يحدث في فراغ؛ فقد ظهر في المقابل مصدر جديد لبناء القوة السياسية.
ترصد الدراسة تغيرًا في الطريق الذي يسلكه المرشح للوصول إلى الجمهور. في النموذج القديم، كان السياسي يترقى داخل الحزب، ويحصل على دعم قيادته، ثم يظهر عبر وسائل الإعلام التقليدية ويحصل على تمويل المؤسسات والجماعات الداعمة، قبل أن يقدم نفسه إلى الناخبين.
كانت العملية، كما تصفها الدراسة، تتحرك من الأعلى إلى الأسفل.
أما النموذج الجديد، فيبدأ من الاتجاه المعاكس.
فقد استخدم ممداني "تيك توك" لنشر أفكاره والتواصل مع الجمهور، بينما استخدم السيد البودكاست لشرح سياساته. واستطاع الاثنان جمع مساهمات مالية من المتابعين أنفسهم، بحيث أصبحت المساهمة الصغيرة نوعًا مما تصفه الدراسة بأنه "تصويت مالي" مبكر على المرشح وبرنامجه.
وهكذا يستطيع السياسي أن يبني قاعدته قبل أن تمنحه المؤسسة الحزبية اعترافها. وإذا أصبحت هذه القاعدة كبيرة بما يكفي، لا يعود الحزب قادرًا بسهولة على تجاهله؛ لأن استبعاده قد يعني خسارة الناخبين الذين أصبحوا مرتبطين به مباشرة.
وبذلك تنقلب العملية القديمة: المرشح لا يستمد قوته من الحزب ليذهب بها إلى الجمهور؛ بل يستمدها من الجمهور ثم يدخل بها إلى الحزب.
وترى الدراسة أن هذا التحول لا يقتصر على الديمقراطيين، وإنما يعبر الحزبين، وأن وسائل التواصل الاجتماعي كانت عاملًا حاسمًا في إزالة الحواجز التي كانت تفصل القيادات السياسية الجديدة عن الناخبين.
تجمع الدراسة هذه الاتجاهات تحت عنوان "خريف الأيباك"، وترى أنها تضرب عددًا من الأسس التي قام عليها نفوذ اللوبي المؤيد لإسرائيل.
فإذا كانت قيادة الحزب لا تستطيع وحدها فرض مرشحها، وإذا لم يعد التمويل الضخم كافيًا لضمان الفوز، وإذا استطاع المرشح جمع الأموال مباشرة من مؤيديه، وإذا أصبح تأييد جماعات الضغط قابلًا لأن يتحول إلى عبء انتخابي، فإن الأدوات التقليدية التي منحت اللوبي المؤيد لإسرائيل نفوذًا واسعًا تصبح أقل فاعلية.
ولذلك لا ترى الدراسة في فوز السيد واقعة منفصلة، بل تضعه إلى جانب فوز ممداني ومرشحين آخرين باعتباره جزءًا من سلسلة نتائج تشير إلى تغير قواعد المنافسة.
والتحول الأهم ليس بالضرورة أن الناخب الأمريكي أصبح معاديًا لإسرائيل، وإنما أن دعم إسرائيل لم يعد، وفق قراءة الدراسة، قيمة انتخابية مضمونة بذاتها. فقد أصبح من الممكن وضعه في مواجهة أولويات أكثر التصاقًا بحياة الناخب: السكن والصحة والدخل والضرائب ومستوى المعيشة.
وهنا تكمن المشكلة التي تواجه جماعات الضغط الموالية لإسرائيل. فكلما نجح مرشح في إقناع الناخب بأن الأموال التي تطالب هذه الجماعات بإنفاقها في الخارج هي الأموال نفسها التي يحتاج إليها في الداخل، انتقلت إسرائيل من خانة "الحليف" المجرد إلى بند يمكن إخضاعه لحساب التكلفة والمنفعة.
وتذهب الدراسة إلى احتمال أن تدفع النتائج الأخيرة مرشحين آخرين إلى الابتعاد عن الدفاع الصريح عن إسرائيل أو عن تلقي الدعم المالي من الجماعات الموالية لها، إذا استقر لديهم أن هذه المواقف لم تعد طريقًا مضمونًا للفوز، وربما أصبحت في بعض الدوائر الانتخابية سببًا للخسارة.
وبهذا المعنى، فإن ما يتراجع ليس مجرد نفوذ منظمة بعينها، وإنما نموذج كامل للعمل السياسي كان يقوم على تأثير قيادة الحزب والتمويل الكبير والإعلام التقليدي وشبكات جماعات المصالح.
وفي مقابله يظهر نموذج آخر: مرشح يبدأ من خارج المؤسسة، ويتصل مباشرة بالجمهور، ويجمع تمويله منه، ويحول رفض النخب له إلى عنصر في حملته، ثم يفرض نفسه على الحزب بنتيجة صندوق الاقتراع.
وفوز عبد الرحمن السيد، في قراءة الدراسة، هو أحدث اختبار لهذا النموذج. أما الاختبار الأكبر فسيأتي في نوفمبر/تشرين الثاني 2026، عندما ينتقل من الفوز على منافسته داخل الحزب الديمقراطي إلى محاولة الفوز على الجمهوري مايك روجرز والاحتفاظ بمقعد ميشيغان للديمقراطيين.
وإذا استمر النمط الذي ترصده الدراسة، فلن يكون السؤال فقط عن عدد المرشحين الذين تستطيع "أيباك" مساعدتهم على الفوز، وإنما عن سؤال أكثر إزعاجًا لجماعات الضغط الموالية لإسرائيل: هل يأتي وقت يصبح فيه دعمها العلني للمرشح شيئًا يفضل المرشح نفسه الابتعاد عنه؟
للاطلاع على الدارسة (اضغط هنا)
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة