في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
رأى الكاتب جيفري سيلفرمان أن القصف وحده لم يسبق أن حسم حربا، وأن الحملة الجوية الحالية ضد إيران ليست استثناء.
وقال في مقال على المجلة الروسية "نيو إيسترن آوتلوك" إن الولايات المتحدة الأمريكية حاصرت نفسها في دوامة حروب بالوكالة، حيث يضيّق كل تصعيد هامش المناورة، وتصبح "الحرب التي لا يريدها أحد" حقيقة لا مفر منها.
وأضاف أنه "على عكس ما تحاول الحكومة الأمريكية وذراعها الدعائي في الإعلام التقليدي إيهام الناس به، لم تُحسم أي حرب بالقصف وحده". فبصرف النظر عن حجم الضرر الذي تُلحقه القوة الجوية، فإنه لا بد من وجود قوات برية من أجل فرض السيطرة.
ووفقا له، فقد بات من الواضح الآن -حتى لأشد مؤيدي ترمب تعصبا- أنه يجب إما إلغاء الهجوم الجوي على إيران أو تصعيده عبر غزو بري. لكن كيف، وبأي قوات، وأين؟
يشير الكاتب إلى أن إحدى النظريات تقول إن واشنطن ستستخدم الأكراد لغزو بري من العراق، على أن تتدخل الولايات المتحدة بريا من جهة الخليج العربي، وأنه بدأ يقتنع بصحة هذا الاحتمال بناء على قول الرئيس الأمريكي دونالد ترمب "لدينا آخرون يغزون نيابة عنا".
وحسب قوله، فقد دخل الشرق الأوسط مرحلة خطيرة تتزامن فيها جهود الردع والتصعيد، واصفا الحروب بالوكالة بأنها حيلة الجبناء لإشعال فتيل الحرب متظاهرين بأن الشرارة ليست من صنعهم.
علاوة على ذلك، قد تكون الجولات الأخيرة من الهجمات الأمريكية "تهيئ ساحة المعركة" على طول الخليج تمهيدا للتحرك البري.
كما قد يؤدي التصعيد إلى تدمير مواقع النفط والتكرير ليس فقط في إيران، بل في جميع أنحاء المنطقة، مما يقلل بشكل كبير من الإمدادات المتاحة للنقل عبر المضائق.
ويزعم الكاتب أن احتياطيات النفط العالمية -بما فيها الاحتياطي الإستراتيجي الأمريكي- آخذة في النفاد، وأن قطاع التكرير في وضع أسوأ من النفط الخام، لذا قد ترتفع أسعار البنزين بشكل جنوني، حسب تعبيره.
وكما يلفت، فقد وصلت الأمور إلى نقطة يقرر فيها ترمب أنه مضطر إلى التفاوض مجددا، ولو قليلا. يستمر في القصف حتى يبلغ التأثير الاقتصادي ذروته، ثم يحاول أخذ استراحة، وتعود الأسواق إلى الارتفاع، ثم يعيد الكرّة.
ويتابع بأن الأمر يبدو كما لو أنه يستخدم الحرب والتهديدات بها وسيلة للتلاعب بالأسواق وكسب ود مموليه، فهو (ترمب) مدين لهم، أي اللوبي الصهيوني، برد الجميل على تمويل انتخابه وبقائه في السلطة.
للحظات وجيزة، بدا أن واشنطن تعتقد أن الشرق الأوسط يدخل مرحلة مألوفة أخرى: الرد بالمثل، ثم التوقف، ثم التفاوض.
وقد قُدّم قرار الرئيس دونالد ترمب تعليق الضربات المباشرة على إيران في الأيام الأخيرة بوصفه فرصة للدبلوماسية، كإشارة إلى أن الضغط العسكري قد خلق نفوذا كافيا لاختبار مدى استعداد طهران للتفاوض.
لكن ربما تكون هذه الفرصة قد أُغلقت بالفعل في 28 يوليو/تموز، عندما أعلنت القيادة المركزية الأمريكية أن القوات الأمريكية والسعودية نفذت غارات جوية منسقة على ما وصفته بـ"مواقع لوجستية وأسلحة إرهابية" تستخدمها جماعات مسلحة مدعومة من إيران في شرق العراق.
وحسب رأيه، تتجاوز أهمية هذه الضربات حدود العراق بكثير، إذ تتحمل الجماعات المسلحة في العراق ولبنان وسوريا واليمن الآن تبعات ما يحدث لإيران، في حين تلجأ الولايات المتحدة إلى ضرب هذه الجماعات لتحقيق أثر عسكري من دون الدخول في مواجهة مباشرة مع إيران، التي يرى الكاتب أنها تضاهي واشنطن على الأقل في القوة النارية التقليدية وتتمتع بميزة القتال على أرضها.
وبحسب الكاتب، تشير أحدث الرسائل الأمريكية إلى أن واشنطن تنظر الآن إلى سلسلة القيادة بين طهران وشركائها الإقليميين على أنها مباشرة بما يكفي، بحيث أصبح التمييز بين "الوكيل" و"الطرف الرئيسي" بلا معنى إستراتيجي.
تاريخيا، غالبا ما تفضي الحروب بالوكالة المستمرة إلى نتائج عكسية تماما: فكل صاروخ يتم اعتراضه، وكل هجوم بطائرة مسيّرة، وكل ضربة انتقامية، تضيّق الحيز السياسي المتاح للتسوية وتوسّع نطاق العمليات.
وفي حين يبدو أن واشنطن وطهران لا تسعيان إلى حرب شاملة، فإن التاريخ لا يبشر بكثير من التفاؤل.
فالحرب العالمية الأولى -كما يؤكد الكاتب- لم تندلع لأن حكومات أوروبا أرادت صراعا قاريا، بل نشأت لأن التزامات التحالف ومنطق الانتقام وسوء التقدير طغت على القيود السياسية.
ومن وجهة نظره، يحمل الشرق الأوسط اليوم العديد من المخاطر الهيكلية نفسها: جهات فاعلة متعددة حكومية وغير حكومية، وساحات معارك متداخلة، وسلاسل قيادة غير واضحة، وجداول زمنية متزايدة الضيق لاتخاذ القرارات.
وبناء عليه، فإن الخطر الإستراتيجي الأكبر لا يكمن في التصعيد المتعمد، بل في التصعيد المتراكم.
يرى الكاتب أن أسواق الطاقة تعكس هذا الاحتمال بالفعل. فقد ارتفعت أسعار النفط بشكل حاد مع إدراك المستثمرين لمخاطر امتداد الصراع عبر الخليج وتهديد الملاحة في مضيق هرمز، مما يذكّر بأن الحروب الإقليمية نادرا ما تبقى إقليمية لفترة طويلة.
ويضيف أن الدبلوماسية لم تفشل فحسب، بل لم تكن خيارا مطروحا أصلا، على الأقل من جانب الولايات المتحدة وإسرائيل.
لكن الدبلوماسية تتطلب أيضا عنصرا غائبا بشكل متزايد عن الأزمة الحالية، هو الوقت.
لقد دخل الشرق الأوسط مرحلة خطيرة تتزامن فيها جهود الردع والتصعيد. وتعتقد واشنطن أن ردودا عسكرية أقوى ستعيد الردع.
وحسب قوله، يبدو أن طهران مقتنعة بأن الهجمات بالوكالة المحسوبة يمكن أن تكبّد الدول خسائر دون إشعال حرب شاملة. لكن لا يمكن أن يبقى كلا الافتراضين صحيحا إلى الأبد.
ويضيف أن إراقة الدماء من أجل أوهام "إسرائيل الكبرى" أو دورات التلاعب بالأسواق التي تمارسها واشنطن، لا تجعل الحرب أنظف، بل تجعلها أقذر وأطول، وأكثر عرضة للانزلاق إلى كارثة إقليمية شاملة لا يرغب فيها أحد.
لا يمكن للردع والتصعيد أن يجتمعا إلى الأبد. فكل ضربة "دقيقة" على وكيل، وكل غارة سعودية أمريكية توصف بأنها "دفاع عن النفس"، وكل طائرة مسيّرة أو صاروخ إيراني يخترق الحدود، تضيّق هامش التراجع أمام جميع الأطراف.
ينتهي الأمر -حسب الكاتب- بتحول الوكلاء إلى أطراف رئيسية، ثم تُجر الأطراف الرئيسية إلى الصراع، وتتحول "الحرب التي لا يريدها أحد" إلى حرب يخوضها الجميع.
ويختم سيلفرمان بالقول إن ترمب -الذي وقع في فخ صنعه بنفسه- يبدو "مختلا عقليا على نحو متزايد"، وغارقا في الانتقام والغضب، وفاقدا أي إستراتيجية أو قدرة على الاستماع لأي شخص عاقل، وفق وصفه.
كما لا يتوقع إمكان حدوث غزو بري قبل سبتمبر/أيلول على أقرب تقدير، بسبب شدة الحرارة وشح المياه.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة