في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
تداولت حسابات إسرائيلية مقاطع فيديو تحاول تصدير صورة مغايرة للواقع الإنساني في قطاع غزة، ضمن حملة رقمية مضللة تحمل وسم "غزة التي لا نراها" (TheGazaYouDontSee) على منصة إكس، تزعم عودة الحياة إلى طبيعتها في القطاع.
وتهدف الحملة إلى تصدير رواية مضادة لتغطيات الإعلام الدولي، وتصوير القطاع وكأنه يتعافى وتسوده "حياة مرفهة"، عبر نشر مقاطع فيديو انتقائية تظهر إقبالا كثيفا على مطاعم ومقاه وأفراح وأطفال يلهون، للإيحاء باختفاء المعاناة الإنسانية، رغم الحاجة الملحة والتحذيرات الأممية المتكررة.
في أحدث حلقات هذه الحملة، تداول حساب "Imshin" الإسرائيلي -المعروف بقيادة هذا النمط من المحتوى- مشاهد تظهر افتتاح ما وصفها بـ"أكبر مدينة ألعاب في قطاع غزة"، وهي صالة للأطفال باسم "جامب سيتي" (Jump City) قرب منطقة "مفترق الصاروخ" بمدينة غزة.
ورغم نشر المقاطع دون تعليق مباشر لترك التفسير للمشاهد، فإن إرفاقها بالوسم المضلل حاول إظهار المكان كرفاهية مطلقة، مع تجاهل حقيقة أنه مجرد "متنفس يتيم" للأطفال المحرومين من أدنى مقومات الحياة.
ومع إعادة مشاركة الفيديو عبر حسابات غير رسمية بلغات متعددة للترويج لـ"تعافي غزة من الجوع"، كشف تتبع وحدة المصادر المفتوحة في شبكة الجزيرة لحقيقة الصالة واقعا مغايرا.
وعند البحث وتحليل المقاطع المنشورة على الحساب، يتبين أن الصالة أقيمت داخل مكان استثنائي أشبه بـ"خيمة كبيرة" على مساحة لا تتعدى بضعة أمتار، وتحيط بها مبان سكنية إما مدمّرة كليا أو متضررة جزئيا وخيام للنازحين.
وأظهرت المراجعة للتحضيرات ومقاطع الافتتاح أن الصالة أنشئت بإمكانيات بسيطة، وأن مشاهد الدمار وخيام اللجوء كانت حاضرة بوضوح في خلفية تصوير الأطفال، مما يدحض مزاعم الاستقرار ويؤكد أنها مجرد محاولة لترميم جزء يسير من آثار الحرب.
ولتفكيك هذه السردية، تتبعت وحدة المصادر المفتوحة مصير مدن الألعاب الترفيهية والملاهي الرئيسة في القطاع قبل الحرب وبعدها، لتظهر المفارقة الصارخة بين "الواقع المزيف" و"الواقع الفعلي".
على سبيل المثال، توثق الصور التي نشرت في 5 أكتوبر/تشرين الأول 2023، أي قبل أيام قليلة من اندلاع الحرب، أجواء مرح الفلسطينيين داخل "مدينة أصداء"، أكبر مدينة ترفيهية في قطاع غزة، الواقعة شمال غربي مدينة خان يونس.
وكانت المدينة المائية تضم حديقة حيوانات ومدينة ألعاب ومسابح على مساحة واسعة، قبل أن يحوّلها الاحتلال الإسرائيلي إلى مأوى كبير للنازحين، بعد أن تعرضت لقصف مباشر وتمركزت الدبابات الإسرائيلية داخلها خلال الحرب.
وتظهر المقاطع المصورة التي وثقت المدينة في ذروة نشاطها قبل الحرب، حين كانت مقصدا رئيسيا للزوار ومتنفسا للعائلات الغزية، تباينا كبيرا مع المشاهد الحديثة التي تظهرها اليوم مدمرة كليا، ومحاصرة بخيام النازحين الذين فقدوا منازلهم جراء العدوان.
ولم تكن "مدينة أصداء" الاستثناء الوحيد في هذا السياق؛ إذ يوثق مقطع مصور آخر، يعود إلى أغسطس/آب 2023 -أي قبل الحرب أيضا- جانبا من أجواء الفرح والمرح التي عاشها أطفال غزيون داخل واحدة من أبرز صالات ألعاب "الترامبولين" في القطاع.
وكانت صالة "جامب سكاي" (Jump Sky)، الواقعة في شارع اليرموك بمدينة غزة، تمثل المكان الوحيد من نوعه في قطاع غزة المخصص لألعاب القفز، التي تساعد الأطفال والكبار على التخلص من الطاقة السلبية المتراكمة.
إلا أن هذا الوضع لم يدم طويلا، ففي أواخر يناير/كانون الثاني 2024، نشر الحساب الرسمي للصالة مقاطع مصورة توثق تحوّله بالكامل إلى رماد، بعد أن أقدم الاحتلال الإسرائيلي على حرقه وتدميره.
وأرفق الحساب هذه المقاطع، التي أظهرت الألعاب وقد التهمتها النيران وتفحمت بالكامل، بعبارة مؤثرة قال فيها: "ضحكات الأطفال أصبحت رمادا".
وتكشف المقارنة قبل وبعد الحرب حجم المفارقة التي تحاول الحملات الرقمية الإسرائيلية تجاوزها وإخفاءها عمدا.
فبينما تحولت أبرز مساحات الترفيه في القطاع إلى ركام وخيام إيواء خلال أشهر الحرب الأولى، تُستثمر اليوم محاولات محدودة لترميم جزء يسير من هذا الفقد، لتُقدم إعلاميا كدليل على "عودة الحياة الطبيعية"، في تعميم إسرائيلي مضلل، يتجاهل حجم الدمار الذي طال معظم مقومات الحياة اليومية في القطاع.
وتندرج هذه الممارسة ضمن نمط متكرر تعتمده حسابات وشبكات مرتبطة بإسرائيل يقوم على انتقاء مشاهد محدودة وإخراجها من سياقها الأوسع، لتصوير واقع استثنائي كأنه هو القاعدة.
كما تتبعت وحدة المصادر المفتوحة سجل منصة "إكس" لتكتشف أن العبارة التي بني عليها وسم (TheGazaYouDontSee) سبقت ظهور الوسم المركب بعدة أشهر.
كما أن أقدم استخدام عثر عليه للعبارة يعود إلى 27 سبتمبر/أيلول 2018، عندما نشر حساب (imshin) صورة مرتبطة بمستشفى الشفاء في غزة، وأرفقها بعبارة: "غزة التي لا تراها في الأخبار" من دون صياغة الوسم المركب المتداول لاحقا.
أما أقدم استخدام متاح للوسم بصيغته الكاملة (TheGazaYouDontSee) فعُثر عليه في منشور للحساب نفسه بتاريخ 18 يونيو/حزيران 2019، إذ أعاد فيه نشر مقطع لفتاة تتسوق ملابس عيد الفطر في متاجر أطفال داخل غزة، ما يشير إلى أن العبارة سبقت تحولها إلى وسم مستقل بنحو 9 أشهر.
ويرتبط الوسم بصورة أساسية بحساب (imshin) الذي تعرّف صاحبته نفسها باسم " جاكي بيليغ" إذ يعرض موقع الحساب في "تل أبيب، إسرائيل"، كما يظهر أن تاريخ إنشائه يعود إلى يناير/كانون الثاني 2008.
وفي مرحلة لاحقة، انتقل الوسم من نطاق الحسابات الفردية والمتعاطفة مع الرواية الإسرائيلية إلى الاستخدام الرسمي.
واستخدم حساب (COGAT) وهو الحساب الرسمي لوحدة تنسيق أعمال الحكومة الإسرائيلية، الوسم مباشرة في منشور بتاريخ 10 سبتمبر/أيلول 2025، قال فيه إن الأسواق مزدحمة والمساعدات توزع والمتاجر تعيد فتح أبوابها، مضيفا: "هذه هي غزة التي لا تراها" وحقق المنشور آنذاك نحو 90 ألف مشاهدة.
وخلال الحملة، تجاهلت الحسابات الإسرائيلية عمدا معاناة أطفال غزة في ظل أكثر من عامين من القصف المتواصل والنزوح ومرارة الفقد، التي كشفت ملامح أزمة نفسية غير مسبوقة.
وتشير الأمم المتحدة إلى أن أكثر من مليون طفل في غزة يحتاجون إلى الدعم النفسي والاجتماعي، في حين يشعر 96% منهم بأن الموت وشيك، ما يعكس حجم الصدمة التي يعيشونها يوميا.
كما تؤكد تقارير أممية أن أكثر من 90% من أطفال غزة تظهر عليهم علامات واضحة على التوتر الشديد والسلوك العدواني، نتيجة فقدانهم الشعور بالأمان والاستقرار، في حين يحذّر العاملون في المجال الإنساني من أن طريق التعافي سيتطلب دعما طويل الأمد لمساعدة الأطفال على تجاوز الآثار النفسية العميقة للحرب.
وعلى صعيد الوضع الإنساني، يحذر برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة من أن ثلثي سكان غزة قد يواجهون مستويات حادة من الجوع بحلول نهاية العام، مع تقليص المنظمات الإنسانية تدفقات المساعدات بسبب نقص التمويل.
ويعتمد أغلبية السكان على المساعدات الإنسانية بعد أكثر من عامين من الحرب والنزوح المتكرر والقيود المشددة التي تفرضها إسرائيل على إيصال المساعدات.
ويعيش حاليا جميع سكان غزة البالغ عددهم أكثر من مليوني نسمة تقريبا على شريط ضيق من الأرض، في خيام مؤقتة أو مبان متضررة ويواجهون ظروفا صعبة.
المصدر:
الجزيرة