طهران – بينما يُوارَى جثمان المرشد الإيراني السابق علي خامنئي الثرى اليوم الخميس، تبدو إيران تطوي صفحة أحد أطول عهودها السياسية، وتفتح في الوقت نفسه صفحة أكثر حساسية مع انتقال موقع القيادة إلى نجله مجتبى خامنئي. انتقال لا يبدو مجرد تبدل في الاسم داخل أعلى هرم السلطة، بل اختبارا مركبا لنظام سياسي وجد نفسه أمام سؤالين متلازمين: كيف يحافظ على الاستمرارية المؤسسية؟ وكيف يُقدّم المرشد الجديد بوصفه صاحب سلطة وشرعية في آن واحد؟
لم يكن مشهد الدفن نهاية مراسم تشييع مرشد حكم البلاد لعقود فحسب، بل بدا أيضا لحظة إعلان رمزية لعهد جديد، يحضر فيه إرث الأب بثقله السياسي والديني والأمني، في حين يبدأ الابن مهمته وسط ظرف داخلي وخارجي بالغ التعقيد، من تداعيات الحرب والتوتر مع الولايات المتحدة وإسرائيل، إلى الاقتصاد المثقل بالعقوبات والتضخم، وصولا إلى مجتمع شاب يطرح أسئلة متزايدة بشأن المعيشة والحريات وأسلوب الحكم.
وكانت أمانة مجلس خبراء القيادة في إيران قد أعلنت، في التاسع من مارس/آذار الماضي، اختيار آية الله مجتبى خامنئي "ثالث مرشد للثورة الإسلامية"، في انتقال قالت المؤسسة الرسمية إنه جرى وفق آلية مجلس الخبراء، الجهة الدستورية المخولة اختيار المرشد في الجمهورية الإسلامية.
يرى أستاذ الدراسات الإيرانية في الجامعة الوطنية الأسترالية علم صالح أن صعود مجتبى خامنئي يمثل "انتقالا دستوريا يحمل إيحاءات وراثية بارزة". ويقول للجزيرة نت إن الخلافة الرسمية حافظت على الإطار المؤسسي للجمهورية الإسلامية، غير أن انتقال السلطة من الأب إلى الابن "يمثل تطورا غير مسبوق" عزز تصورات الحكم العائلي داخل نظام رفض تاريخيا فكرة التوارث الملكي.
وبحسب صالح، فإن موقع مجتبى خامنئي بوصفه ابن المرشد السابق كان له أثر مزدوج على شرعيته، فمن جهة، عزز داخل المؤسسة الحاكمة عناصر الاستمرارية وتماسك النخبة والاستقرار المؤسسي، لكنه من جهة أخرى فاقم، لدى كثير من الإيرانيين، مخاوف من أن تصبح السلطة السياسية أكثر شخصنة وعائلية، وهو ما قد يصعّب مهمة ترسيخ قبول اجتماعي أوسع للقيادة الجديدة.
ولا يفصل صالح سؤال الشرعية عن سؤال مراكز القوة، إذ يرى أن قيادة مجتبى خامنئي تبدو مستندة إلى علاقة وثيقة بالمؤسسة الأمنية، ولا سيما الحرس الثوري وأجهزة الاستخبارات. ووفق تقديره، لن تكون هذه المؤسسات مجرد داعم للمرشد الجديد، بل قد تتحول إلى ركائز أساسية في الحكم، بما يجعل التنسيق المدني العسكري إحدى السمات المحددة للمرحلة المقبلة.
ويضيف صالح أن النمط الآخذ في التشكل داخل إيران يشير إلى قيادة مركزية مدعومة بعملية صنع قرار جماعية داخل النخبة. فمع أن مجتبى خامنئي يشغل منصب المرشد الأعلى، فإن القرارات الإستراتيجية، وفق صالح، ستعكس على الأرجح تنسيقا وثيقا بين المرشد والحرس الثوري والمؤسسات الاستخبارية وكبار الشخصيات السياسية، في نموذج يجمع بين السلطة الشخصية وتقاسم القوة داخل الدائرة الصلبة للدولة.
سياسيا، يقرأ السياسي الإيراني ما شاء الله شمس الواعظين المرحلة الجديدة من زاوية مختلفة، إذ يرى أن البلاد تقف حاليا في وضع "لا حرب ولا سلم"، وأن هذا الواقع يفرض نفسه على القيادة الجديدة باعتباره أول اختبار عملي لها.
ويرى شمس الواعظين أن التحدي الأعمق أمام مجتبى خامنئي يتمثل في العلاقة بين البنية السياسية والبنية الاجتماعية. ويقول إن "الجيل الجديد يريد تغييرات جدية وإصلاحات أساسية" في البلاد، مشيرا إلى أن الاحتجاجات السابقة، حتى قبل الحرب الأخيرة، أظهرت أن إيران تحتاج إلى "إصلاحات بنيوية في أسلوب الحكم".
وبحسب تقديره، فإن بعض المؤشرات الاجتماعية، مثل تخفيف الضغط في ملف الحجاب، وقضايا النساء والرياضة والحريات العامة، قد تعكس رغبة من القيادة الجديدة في تقليل الفجوات بين المجتمع والسلطة. ويعتبر شمس الواعظين أن نجاح هذا المسار من شأنه أن يعزز موقع الجمهورية الإسلامية داخليا.
لكنه في الوقت نفسه لا يتوقع انقطاعا سريعا عن إرث علي خامنئي. ففي رأيه، ستبقى البلاد في المدى المتوسط تحت تأثير ثقل المرشد الراحل، كما حدث عند انتقال القيادة من آية الله روح الله الخميني إلى آية الله علي خامنئي. ويقول إن ثقل علي خامنئي السياسي، والوزن الذي بناه لنفسه ولطريقة حكمه، ومحاولة القيادة الجديدة الاستفادة من أسلوبه الإداري، كلها عوامل ستجعل الاستمرارية حاضرة بقوة في المرحلة الأولى.
ومع ذلك، يتوقع شمس الواعظين أن تشهد إيران تحولات جدية في المستقبل غير البعيد، ليس فقط في التعيينات أو الخطاب السياسي، بل أيضا في العلاقة بين الدولة والمجتمع. ويعتبر أن التوازن الأصعب لن يكون بين مؤسسات الدولة وحدها، بل بين "الجسد السياسي والجسد الاجتماعي"، خاصة مع طبقة وسطى حديثة وجيل جديد يبحث عن موقعه في عمليات صنع القرار.
ويكشف شمس الواعظين -وفقا لمعلوماته الخاصة- أن استطلاعات أُجريت بعد مقتل المرشد السابق أظهرت بروز فجوات اجتماعية، وأن مجتبى خامنئي، بحسب هذه المعلومات، اطلع على نتائجها وشكّل لجانا للنظر في تنفيذ بعض مطالب الناس. ولا يمكن التعامل مع هذه المعلومة بوصفها معطى رسميا معلنا، لكنها تعكس في قراءة شمس الواعظين، إدراكا داخل القيادة الجديدة لحجم التحولات الاجتماعية المطلوبة.
أما خارجيا، فيتوقع شمس الواعظين أن تظهر مؤشرات المرحلة الجديدة أولا في الداخل، ثم في السياسة الخارجية، خصوصا في علاقة إيران مع دول الجوار والخليج. ويرى أن السؤال المقبل سيكون عن شكل النظام الأمني الجديد في الخليج، وما إذا كانت طهران ستدفع نحو ترتيبات إقليمية جديدة بمشاركتها أو بمحوريتها، أم ستستمر السياسات القديمة كما هي.
وفي قراءة اجتماعية قريبة من أولويات الداخل، يرى أستاذ علم الاجتماع السياسي محمد علي صنوبري أن المجتمع الإيراني، مثل أي مجتمع حيوي، يحمل مطالب متنوعة، لكن الاقتصاد والمعيشة، إلى جانب الحفاظ على الأمن الوطني، يتصدران قائمة الهواجس الراهنة.
ويقول صنوبري للجزيرة نت إن تجربة السنوات الأخيرة أظهرت، في تقديره، أن جانبا مهما من المشكلات الاقتصادية في إيران يعود إلى "الحرب الاقتصادية والعقوبات الأمريكية الأحادية الجانب" ومحاولات ما يسميه "نظام الهيمنة" الضغط على الشعب الإيراني. لكنه يضيف أن الإيرانيين أدركوا، وفق قراءته، أن التنمية الاقتصادية المستدامة والرفاه الاجتماعي لا يمكن أن يتحققا من دون الأمن والاستقلال والاقتدار الوطني.
وفي ملف السياسة الخارجية، يربط صنوبري التوقعات العامة باستمرار ما يسميه "الدبلوماسية العزيزة" والتفاعل مع العالم على أساس الاحترام المتبادل، لا القبول بالضغط أو المطالب الغربية. ويقول إن المجتمع الإيراني يريد، بحسب تقديره، بلدا متقدما ومستقلا وقويا، يتخذ قراراته بناء على مصالحه الوطنية لا على إرادة القوى الخارجية.
ويرى صنوبري أن الرصيد الأهم للقيادة الجديدة سيكون استمرار الاستقرار والانسجام الوطني والثقة العامة. وهذه الثقة، في رأيه، لا تتشكل بالشعارات، بل من خلال قرارات حاسمة لإصلاح البنى الاقتصادية، ومكافحة الفساد، ودعم الإنتاج الوطني، والاهتمام بالشباب، وتعزيز العدالة الاجتماعية.
وفي السياسة الخارجية، يعتقد صنوبري أن القيادة الجديدة تستطيع تقليل القلق الاجتماعي عبر سياسة نشطة ومتوازنة، تحافظ على مبادئ الثورة الإسلامية، وتوسع العلاقات مع دول المنطقة وآسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، من دون السماح، وفق قوله، لضغوط أمريكا وحلفائها بالتأثير في إرادة الشعب الإيراني. ويستخلص صنوبري من تجارب سابقة أن إيران، كلما دخلت التفاعل الخارجي من موقع الاقتدار والمقاومة، حصلت على مكاسب أكبر.
أما الفئات التي تحتاج إلى رسائل طمأنة، فيرى صنوبري أن جميع الشرائح يجب أن تشعر بأن لها نصيبا في مستقبل البلاد، لكنه يخصّ الشباب والعائلات التي تحملت الضغوط الاقتصادية الكبرى بوصفهم الأكثر حاجة إلى رسائل أمل وإجراءات عملية. ويقول إن الجيل الشاب هو رأس مال المستقبل في إيران، وينتظر فرصا أكبر في العمل والابتكار والمشاركة العلمية والاجتماعية.
كما يشير صنوبري إلى أن الطبقة الوسطى والفاعلين الاقتصاديين يحتاجون إلى الاطمئنان إلى أن الاستقرار الاقتصادي، ودعم الإنتاج، ومكافحة الفساد ستستمر بجدية. أما سياسيا، فيرى أن كل تيار يعمل في إطار الدستور والمصالح الوطنية يمكن أن يؤدي دورا في تقدم البلاد، لكنه يشدد في المقابل على ضرورة الحفاظ على الاقتدار الوطني في مواجهة التيارات التي تستند إلى الدعم الخارجي أو مشاريع زعزعة الاستقرار، حسب تعبيره.
ويؤكد صنوبري أن الأشهر الأولى ستكون مهمة في تشكيل صورة القيادة الجديدة لدى الرأي العام، لأنها الفترة التي سيقيّم فيها الناس أسلوب الإدارة والأولويات والاتجاهات. ومع ذلك، يضيف أن الشرعية والفاعلية في الجمهورية الإسلامية لا تقاسان فقط بإجراءات قصيرة الأمد، بل باستمرار خدمة الناس، والحفاظ على استقلال البلاد، وصون العزة الوطنية.
وبحسب صنوبري، فإن ظهور مؤشرات واضحة إلى العدالة، ومكافحة الفساد، ودعم معيشة الناس، وتعزيز القدرة الدفاعية، واستمرار سياسة المقاومة أمام الضغوط الأمريكية والإسرائيلية، من شأنه أن يعزز الرصيد الاجتماعي للنظام السياسي.
لكن المقاربة الاقتصادية تبدو أكثر تعقيدا لدى أستاذ الاقتصاد بيمان مولوي، الذي يرى أن التحدي الأهم أمام إيران في بداية المرحلة الجديدة ليس التضخم أو سعر الصرف وحدهما، بل "أزمة الثقة الاقتصادية".
ويقول مولوي للجزيرة نت إن الاستثمار، داخليا كان أم خارجيا، لا يتشكل إلا عندما يستطيع المستثمر توقع المستقبل. ومن وجهة نظره، يواجه الاقتصاد الإيراني اليوم 4 تحديات كبرى هي: التضخم المزمن، والعجز البنيوي في الموازنة، واختلال النظامين المصرفي والطاقي، وهروب رؤوس الأموال. ويرى أنه إذا لم تُصلح هذه الملفات في وقت واحد، فإن أي نمو اقتصادي سيكون مؤقتا.
ويضيف مولوي أن الاقتصاد الإيراني يحتاج، قبل أي شيء آخر، إلى إعادة بناء الثقة، واستقرار السياسات، واحترام حقوق الملكية. ومن هذه الزاوية، يضع معيار النجاح الاقتصادي في المرحلة الجديدة خارج حدود ضبط سعر الدولار أو تسجيل انخفاض مؤقت في التضخم.
ففي رأيه، أولوية الناس واضحة وهي القدرة الشرائية. ويقول إن المواطنين لا يتابعون التضخم أو سعر الصرف بوصفهما أرقاما مجردة، بل من خلال أثرهما المباشر على حياتهم اليومية، فإذا انخفض التضخم من دون ارتفاع الدخل الحقيقي، فلن يشعر الناس بتحسن. كما أن إيجاد فرص عمل مستدامة، وفق مولوي، لا يمكن أن يحدث من دون استثمار.
ومن ثم، يرى مولوي أن أهم مؤشر لنجاح أي إدارة اقتصادية هو زيادة الدخل الحقيقي للأسر وتحسين قدرتها الشرائية، لا الاكتفاء بالسيطرة المؤقتة على سعر الصرف.
وفيما يتعلق بالعقوبات والسياسة الخارجية، لا ينفي مولوي أهميتهما، لكنه يعتبرهما "شرطا لازما لا كافيا". ويوضح أن رفع القيود الخارجية يقلل كلفة المبادلات، ويسهّل الصادرات ودخول رأس المال، ويزيد إمكان الوصول إلى الموارد المالية الدولية. لكنه يضيف أن الاقتصاد لن يبلغ نموا مستداما حتى مع تراجع العقوبات إذا لم تُنفذ إصلاحات مؤسسية داخلية، تشمل استقرار القوانين، واستقلالية السياسة النقدية، وتحسين بيئة الأعمال.
ويشير مولوي إلى أن تجارب دول كثيرة تظهر أن جودة الحوكمة الاقتصادية أكثر حسما من رفع مؤقت للقيود الخارجية. وفي هذا السياق، يلفت إلى أن موقع إيران في مؤشرات الحرية الاقتصادية متأخر للغاية، وهو ما يعكس، في تقديره، طابعا شديد الانحياز للمصالح المتجذرة داخل الاقتصاد.
وعن المطلوب في المرحلة المقبلة، يرى مولوي أن تغيير الفضاء الاقتصادي يحتاج أولا إلى تغيير في العقلية. فإيران، كما يقول، تحتاج إلى قرارات عاجلة وإصلاحات بنيوية في آن واحد، فالقرارات الفورية، مثل إدارة سوق العملة، وضبط عجز الموازنة، وتنظيم السيولة، قد تمنع تفاقم الأزمة، لكنها لا تكفي لصناعة نمو مستدام.
وبحسب مولوي، لا يتحقق النمو المستدام إلا بتحسين بيئة الاستثمار عبر ضمان أمن رأس المال، وتوسيع حرية التجارة، وتقليل التدخلات غير الضرورية للدولة، وإصلاح النظام الضريبي، وتطوير سوق رأس المال، وإعادة ربط الاقتصاد الإيراني بسلاسل القيمة العالمية. ومن دون هذه الإصلاحات، كما يقول، فإن السياسات القصيرة الأمد لا تفعل سوى شراء الوقت من دون حل المشكلة.
ويخلص مولوي إلى أن أي تحول اقتصادي سيبقى متعذرا ما لم تنخفض الأخطار، وتتجه مقاربة إدارة الاقتصاد نحو مزيد من العقلانية.
تكشف المداخلات الأربع أن مستقبل إيران في عهد مجتبى خامنئي لا يمكن اختزاله في سؤال واحد، حيث يضع علم صالح الانتقال في إطار دستوري يحمل ملامح وراثية، ويربط شرعية المرشد الجديد بعلاقته بمراكز القوة، خصوصا المؤسسة الأمنية. أما شمس الواعظين، فيقرأ المرحلة من داخل إيران بوصفها لحظة "لا حرب ولا سلم"، حيث تتداخل إدارة التهديدات الخارجية مع الحاجة إلى إصلاح العلاقة بين الدولة والمجتمع.
ومن جهته، يرى صنوبري أن الأولوية الاجتماعية هي المعيشة والأمن والاستقرار والثقة العامة، مع استمرار سياسة خارجية تقوم على الاقتدار. أما مولوي فيضع الاقتصاد أمام اختبار أكثر صرامة: الثقة، والاستثمار، والقدرة الشرائية، والإصلاحات البنيوية.
وهكذا، يدخل المرشد الجديد موقع القيادة وهو يستند إلى مؤسسة حافظت على آلية انتقالها، لكنه يواجه في الوقت نفسه أسئلة أثقل من مجرد وراثة المنصب. فداخليا، هناك جيل جديد وطبقة وسطى ومجتمع متغير ينتظر إشارات عملية. واقتصاديا، هناك أزمة ثقة لا تعالجها القرارات المؤقتة. وسياسيا، هناك حاجة إلى ضبط العلاقة بين المرشد والحرس والحكومة والنخب. وخارجيا، هناك إقليم يعاد تشكيل معادلاته تحت ضغط الحرب والتهدئة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة