في رحلة ممتدة لعقود من طلب العلم، تحولت الباحثة المصرية آمال إسماعيل متولي عبده إلى حديث منصات التواصل الاجتماعي، بعدما حصلت على درجة الدكتوراه بمرتبة الشرف الأولى في علم الاجتماع وهي في الثالثة والثمانين من عمرها، خلال مناقشة رسالتها بجامعة المنصورة شمالي البلاد، في مشهد حظي باهتمام واسع داخل مصر وخارجها.
وأظهرت مقاطع مصورة متداولة الباحثة وهي تناقش أطروحتها أمام لجنة علمية بكلية الآداب، قبل أن تعلن اللجنة منحها درجة الدكتوراه بمرتبة الشرف الأولى، مع التوصية بنشر الرسالة وتبادلها بين الجامعات، وسط تصفيق حار من الحضور.
بحسب الصفحة الرسمية لجامعة المنصورة، حملت الرسالة عنوان "الشيخوخة النشطة وعلاقتها ببعض المتغيرات السوسيولوجية"، وتناولت مفهوم دمج كبار السن في المجتمع وعلاقته بعدد من المتغيرات الاجتماعية، في محاولة لقراءة موقع هذه الفئة في شبكة العلاقات الحديثة ودورهم في الحياة العامة.
وأوضحت الجامعة أن المناقشة جرت بحضور رئيسها الدكتور شريف خاطر، بينما ترأس لجنة الحكم والمناقشة الدكتور أحمد زايد، مدير مكتبة الإسكندرية، إلى جانب عدد من أساتذة علم الاجتماع.
وقال رئيس الجامعة إن هذا الإنجاز يعكس أهمية الاستثمار في الإنسان في مختلف المراحل العمرية، مشددا على أن قصة الباحثة تمثل نموذجا ملهما لفكرة "التعلم على مدار الحياة".
من جانبها، عبّرت الدكتورة آمال عن سعادتها بالحصول على درجة الدكتوراه، مستشهدة بالمقولة الشهيرة: "اثنان لا يشبعان: طالب علم وطالب مال"، مؤكدة أنها اختارت أن تواصل طلب العلم حتى هذه المرحلة من العمر.
قصة الباحثة لم تتوقف عند الحصول على درجة علمية متأخرة، بل حملت خلفها سنوات من التحديات الصحية والإنسانية. فقد نشر نجلها مصطفى العدوي مقطعا يوثق لحظة إعلان لجنة المناقشة منح والدته درجة الدكتوراه، وهو الفيديو الذي ساهم في انتشار القصة على نطاق واسع عبر منصات التواصل.
وفي تدوينة لاحقة، كشف العدوي جانبا من التفاصيل الإنسانية في رحلة والدته مع التعليم، إذ أشار إلى أنها أصيبت بسرطان الثدي خلال فترة استكمالها المرحلة الثانوية، ثم تعرضت لكسر مضاعف في القدم خلال عامها الجامعي الأول، لكنها واصلت مسيرتها التعليمية رغم هذه الأزمات الصحية، حتى حصلت على الماجستير في الثمانين، ثم الدكتوراه بعد ذلك بثلاث سنوات.
وأضاف أن والدته اعتادت منذ صباها ترديد عبارة: "إذا غضب الله على قوم أرسل عليهم كثرة الكلام وقلة العمل"، في إشارة إلى رؤيتها القائمة على قيمة الفعل والإنجاز مقابل الشعارات، وهي العبارة التي رأى كثير من المعلقين أنها تلخص فلسفة حياتها.
ورأى عدد من المتابعين أن حديثها يحمل قيمة مضاعفة لأنها تتحدث من واقع تجربة شخصية امتدت لعقود، بين المرض والدراسة وتحديات الحياة اليومية، قبل أن تتوج رحلة طويلة بهذه الدرجة العلمية.
قصة الباحثة آمال إسماعيل أثارت موجة واسعة من التفاعل عبر منصات التواصل؛ حيث تداول مستخدمون مقاطع المناقشة ورسائلها التحفيزية، بينما امتلأت التعليقات بالإشادة بصبرها وإصرارها على استكمال التعليم في هذا العمر.
وكتب أحد المتابعين أن حصولها على الماجستير في سن الثمانين كان دافعا شخصيا له لتجاوز حالة الإحباط التي كان يعيشها، ودفعه إلى استكمال مسيرته التعليمية بعد أن كان يفكر في التوقف، فيما رأى آخرون أن تجربتها تكرس فكرة أن "باب التعليم لا يُغلق بالعمر"، وأن الجامعات يمكن أن تكون فضاء مفتوحا لكل من يرغب في التعلم، سواء كان شابا أو كبيرا في السن.
كما لفت كثير من المعلقين إلى حضورها الهادئ خلال المناقشة وقدرتها على الدفاع عن أطروحتها، إلى جانب رسائلها الأخلاقية والإنسانية التي وجهتها للفئات الأصغر سنا.
قصة الدكتورة آمال لم تقتصر على التفاعل الشعبي، بل حظيت أيضا بإشادة رسمية؛ إذ هنأت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي الباحثة، واعتبرت أن حصولها على الدكتوراه في هذا العمر يجسد مفهوم "التعلم مدى الحياة"، ويعزز ثقافة مواصلة التعليم داخل المؤسسات الأكاديمية.
من جهته، هنأ المجلس القومي للمرأة -فرع الدقهلية- الباحثة، مشيرا إلى أنها كانت قد كرمت من السيدة انتصار السيسي، قرينة الرئيس المصري، خلال احتفالية اليوم العالمي للمرأة عام 2023، عقب حصولها على درجة الماجستير وهي في الثمانين من عمرها، في تكريم اعتبره متابعون بمثابة اعتراف رسمي برحلتها الطويلة مع التعليم.
وبين قصتها الشخصية ورسالتها البحثية حول "الشيخوخة النشطة"، تحولت آمال إسماعيل في نظر كثيرين إلى نموذج لكيف يمكن أن يتحول العلم إلى طريقة في العيش ومقاومة اليأس، لا إلى شهادة تُعلق على الجدران فقط.
المصدر:
الجزيرة