أقرّ بولتون، اليوم الجمعة، بذنبه أمام القضاء الأمريكي، بعدما كان قد أنكر في البداية جميع التهم الثماني عشرة الموجهة إليه، قبل أن يعترف في نهاية المطاف بتهمة جنائية واحدة تتعلق بالاحتفاظ المتعمد بمعلومات سرية تعود إلى فترة عمله في البيت الأبيض خلال الولاية الأولى لترامب.
وتصل العقوبة القصوى لهذه التهمة إلى السجن لمدة 10 سنوات، غير أن الاتفاق يمنح بولتون، البالغ من العمر 77 عاماً، حق سحب إقراره بالذنب والمطالبة بمحاكمة إذا قرر القاضي فرض عقوبة تتجاوز خمس سنوات. كما وافق على دفع غرامة قدرها 2.25 مليون دولار، والتنازل عن معاشه التقاعدي.
قال المدعي العام تانر كروغر إن بولتون، خلال الأشهر السبعة عشر التي تولى فيها منصب مستشار الأمن القومي في الولاية الأولى لترامب، "أساء استغلال الثقة" الممنوحة له بعدما أرسل إلى أفراد من عائلته أكثر من ألف صفحة من ملاحظاته اليومية التي توثق أنشطته في البيت الأبيض ، في ما بدا أنه استعداد لكتابة كتاب نشره لاحقاً.
وأضاف كروغر، ملخصاً الوقائع التي اتفق عليها الطرفان، أن بولتون كان يتمتع بحكم منصبه بإمكانية الوصول إلى "بعض أكثر أسرار الأمن القومي الأمريكي حساسية وسرية"، لكنه أرسل معلومات تتعلق بالدفاع الوطني إلى أشخاص غير مخولين عبر حسابات بريد إلكتروني شخصية وتطبيق مراسلة غير حكومي.
وأشارت تقارير إعلامية إلى أن الشخصين اللذين لم تكشف هويتهما في لائحة الاتهام هما زوجته وابنته.
وأوضح المدعي أن وكيل بولتون بعث، بعد يوم واحد فقط من إقالته من منصبه عام 2019، مقترحاً إلى دور النشر لكتاب مذكرات تعهد فيه بسرد أحداث البيت الأبيض خلال إدارة ترامب "بدقة شديدة، مع اقتباسات مباشرة من جميع الأطراف استناداً إلى ملاحظات دُوّنت في حينها".
وأكد كروغر أيضاً أنه بعد مغادرة بولتون البيت الأبيض، تمكنت "جهة إلكترونية يُعتقد أنها مرتبطة بالجمهورية الإسلامية الإيرانية" من اختراق حساب بريده الإلكتروني الشخصي والوصول بصورة غير مصرح بها إلى بعض المعلومات السرية الواردة في اليوميات التي كان قد أرسلها إلى أفراد عائلته. ويُعرف بولتون بأنه كان من أبرز الداعين إلى تبني سياسة أمريكية متشددة تجاه إيران.
وبعد عرض الوقائع أمام المحكمة، سأل القاضي بولتون: "هل تقر بالذنب اليوم لأنك مذنب بالفعل بهذه الجريمة؟"، فأجابه: "نعم، سيدي القاضي، وأنا آسف على ذلك".
رغم الاعتراف، برزت خلال الجلسة معطيات قد تصب في مصلحة بولتون خلال مرحلة إصدار الحكم. فقد أقر الادعاء بعدم وجود أي دليل على أن أفراد عائلة بولتون نقلوا الملخصات اليومية الخاصة بعمله في البيت الأبيض إلى أي شخص آخر، كما أكد أن الحكومة الأمريكية علمت باختراق إيران لحسابه الشخصي بعدما أبلغ محاموه السلطات بذلك.
وأشار الادعاء كذلك إلى أن كتاب بولتون "الغرفة التي حدث فيها الأمر: مذكرات من البيت الأبيض"، الذي صدر في حزيران/يونيو 2020 وانتقد فيه ترامب بشدة ووصفه بأنه "غير مؤهل" لقيادة الولايات المتحدة، لم يتضمن في نهاية المطاف أياً من المعلومات السرية الواردة في الرسائل التي شملتها لائحة الاتهام.
وحدد القاضي جلسة النطق بالحكم في القضية في 28 أكتوبر.
خارج المحكمة، وصفت المدعية الفدرالية لولاية ماريلاند كيلي هايز أفعال بولتون بأنها "جسيمة بشكل خاص" بالنظر إلى منصبه الرفيع وخبرته، مؤكدة أنه "عرّض أمننا القومي لخطر جسيم في انتهاك للقانون".
وأضافت أن المذكرة المرتبطة بالتهمة التي أقر بها بولتون تضمنت "معلومات استخباراتية عن خطط خصم لتنفيذ هجوم ضد قوات أمريكية في دولة أخرى"، إضافة إلى معلومات استخباراتية بشرية تعتمد على مصادر وأساليب حساسة، فضلاً عن تفاصيل تتعلق ببرنامج لعمليات سرية.
ورفضت هايز الإجابة عن سؤال بشأن ما إذا كان مكتبها سيطالب بعقوبة السجن بحقه.
في المقابل، امتنع كبير محامي بولتون، آبي لويل، عن التعليق أثناء مغادرته المحكمة، لكنه قال في بيان إن ملاحقة موكله تمثل جزءاً من "ازدواجية في المعايير"، مشيراً إلى أن احتفاظ ترامب المزعوم بوثائق سرية في منتجع مارالاغو لم يواجه العقاب.
وأضاف: "اليوم فعل السفير بولتون ما يفعله القادة الحقيقيون. فقد تحمل مسؤولية الخطأ الذي ارتكبه، مما وفر على الحكومة موارد متابعة قضية كان من الممكن أن تكشف مزيداً من المعلومات الحساسة".
وتابع: "في المقابل، سخر الرئيس ترامب من قوانين المعلومات السرية، واحتفظ بوثائق سرية فعلية في قصره بولاية فلوريدا، وعرقل التحقيق في ذلك السلوك، ولم يتحمل يوماً أي مسؤولية عن أفعاله".
وتأتي قضية بولتون في سياق سلسلة من الملاحقات التي استهدفت شخصيات بارزة منذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض. ففي تشرين الأول/أكتوبر 2025، أصبح بولتون ثالث شخصية تواجه اتهامات رسمية، بعد المدير السابق لمكتب التحقيقات الفدرالي جيمس كومي ، والمدعية العامة لولاية نيويورك ليتيشيا جيمس.
لكن الإجراءات المرفوعة بحق كومي وجيمس أُسقطت في تشرين الثاني/نوفمبر بسبب عدم قانونية تعيين المدعي العام الذي بادر بها، قبل أن يُتهم كومي مجدداً في نيسان/أبريل بتهديد "حياة الرئيس الأمريكي وسلامته الجسدية"، على خلفية نشره صورة لأصداف بحرية على شكل الرقمين "86" و"47"، وهو ما اعتبره ترامب تهديداً مُشفراً.
ويشير منتقدون إلى أن ترامب، الذي عيّن لاحقاً اثنين من محاميه الشخصيين السابقين، بام بوندي وتود بلانش، في مناصب قيادية داخل وزارة العدل، دأب على الدعوة علناً وبشكل متكرر إلى توجيه اتهامات رسمية ضد خصومه السياسيين.
المصدر:
يورو نيوز
مصدر الصورة
مصدر الصورة