آخر الأخبار

سلعة نادرة.. 3 سنوات على منع إدخال النظارات الطبية إلى غزة

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

غزة- عندما حزم الستيني تيسير المشهراوي أمتعته على عجل لمغادرة منزله تحت وطأة القصف الإسرائيلي، قبل 3 سنوات، لم يحمل معه سوى نظارته الطبية التي يرتديها.

وكعادة الكثير من أصحاب مشكلات البصر، كان المشهراوي يحتفظ في بيته بعدة نظارات بديلة، للاستخدامات المختلفة، بعضها للمسافات القريبة وأخرى للبعيدة.

وبخوف كبير وعلى عجل، مثل كثيرين، غادر المنزل ظانا أن غيابه لن يتعدى أياما أو أسابيع، لكن رحلة النزوح الطويلة والظروف القاسية أدت في نهاية المطاف إلى كسر نظارته الوحيدة وضياعها.

مصدر الصورة تيسير المشهراوي يبحث منذ أكثر من 10 أشهر عن نظارة مناسبة دون جدوى (الجزيرة)

من واقع المعاناة

عقب اتفاق وقف إطلاق النار، عاد المشهراوي إلى غزة ليجد منزله مدمرا ومعه فقد جميع نظاراته الطبية. وخلال محاولته شراء نظارة بديلة، وجد أن غالبية مراكز البصريات قد تعرضت إما للدمار أو خلت من البضائع، في حين ارتفعت أسعار الإطارات والعدسات المتوفرة بشكل حاد، لتتجاوز قدرته المالية.

يقول المواطن المشهراوي بنبرة تلخص واقع آلاف الغزيين "أبحث عن نظارة منذ أكثر من 10 أشهر بلا جدوى، غياب النظارة جعل حياتنا اليومية معطلة؛ كنا نعتمد عليها كليا في القراءة والنظر العادي، والآن نعيش في معاناة دائمة ".

وبحسبه، فإن تداعيات فقدان النظارات الطبية انعكست على تعليم طفله البالغ من العمر 10 سنوات؛ إذ لم تعد زوجته قادرة على مساعدته في الدراسة نتيجة ضعف نظرها، وتلف النظارة المشتركة بينهما دون القدرة على استبدالها في ظل شح البدائل.

وقصة المشهراوي ليست حالة فردية، بل هي واجهة لأزمة صامتة تعصف بقطاع غزة منذ بداية حرب الإبادة الإسرائيلية، قبل نحو 3 سنوات، حيث تسبب الإغلاق التام للمعابر في منع دخول النظارات والعدسات الطبية، ليتحول فقدان النظارة الطبية في القصف أو تلفها مع الوقت إلى حصار إضافي، يعاني منه المواطن الغزي.

مصدر الصورة مركز بصريات مؤقت أُقيم داخل خيمة إيواء بقطاع غزة عقب تدمير المقرات والمراكز البصرية خلال الحرب (الجزيرة)

الشادر يتحول إلى مركز

وليس ببعيد، يقف الأخصائي محمد جمال المصري داخل مركز بصريات يفتقر إلى أبسط المقومات التي اعتادت المراكز المتخصصة توفيرها، فالمكان ليس سوى خيمة متواضعة شُيّدت من أقمشة بلاستيكية "شوادر "، أقامها بعد أن دمّرت الحرب المركز الذي كان يعمل فيه سابقا.

إعلان

ومع مغادرة مالك المركز قطاع غزة إثر فقدانه منشأته ومخازنه بالكامل، وجد المصري نفسه أمام خيار وحيد: إنشاء هذا البديل المؤقت داخل خيمة، لضمان استمرار تقديم خدمات البصريات لمن يحتاجونها رغم الظروف الاستثنائية.

يصف المصري واقع الحال قائلا "لم يدخل البلد منذ 3 سنوات أي عدسات أو إطارات جديدة. نعيش في شح كامل، وهناك نقص هائل يعصف بجميع مراكز البصريات، والناس تعاني بصمت، ونحن أصحاب المراكز نعاني معهم لتلبية هذه الاحتياجات الأساسية ".

وعند سؤاله عن كيفية تدبير النظارات والعدسات في ظل هذا الجفاف الطبي، يشير المصري إلى شبكة تكافلية معقدة بين من تبقى من أصحاب المهنة، مضيفا أن المراكز تتبادل المواد المتوفرة فيما بينها، وهناك تعاون كبير يجمعهم، "وفي كثير من الأحيان نضطر إلى إرسال الزبائن إلى مراكز أخرى زميلة، بناء على علمنا بالعدسات التي قد تكون متوفرة لديهم ولم تعد موجودة عندنا ".

ويؤكد أن أغلب الإطارات والعدسات المتاحة لديه اليوم هي قطع قديمة نجت من الحرب، ومما تبقى من مخزون ما قبل الشح الحاد الذي يشهده القطاع.

مقاسات حسب المتوفر

لا تتوقف أزمة البصريات في غزة عند حدود الدمار المادي للمراكز، بل تمتد لتضرب عمق المخزون الإستراتيجي للمواد الطبية والصناعية التي جفّت تماما على مدار سنوات الحرب الثلاث.

داخل مركزه الذي نجا من الحرب، يروي أخصائي البصريات، أحمد عبد المنعم، تفاصيل المأزق الذي تعيشه شركات البصريات قائلا إن "أكثر من 95% مما نشتغل عليه اليوم في القطاع هو مجرد مخزون متبق من فترة ما قبل الحرب، والاستثناء الوحيد حدث (في يناير/كانون الثاني 2026) حينما دخلت كمية محدودة للغاية لا تكفي مركزين، لكنها وُزعت على كافة المراكز المنتشرة في غزة ".

أما على صعيد العدسات الطبية الزجاجية أو البلاستيكية، فيؤكد عبد المنعم بنبرة حازمة أنها لم تدخل القطاع مطلقا منذ بداية الحرب.

وهذا الانقطاع الشامل دفع بمراكز البصريات إلى الاعتماد على بعضها عبر شبكة شراء وتبادل تكافلية؛ حيث يشتري أصحاب المراكز من وراء بعضهم البعض، أو يستحوذون على بضائع المراكز التي تُغلق أو تلك التي يضطر أصحابها للسفر وبيع ممتلكاتهم.

ونتيجة لهذا الشح، بات نحو 60% من الزبائن يعجزون عن العثور على المقاسات والعدسات المناسبة لأبصارهم، ولا سيما أولئك الذين يبحثون عن عدسات خاصة مثل "العاكسة للأشعة " أو العدسات ذات الطبقات المتعددة، بحسب عبد المنعم.

ويضيف "أمام هذا النقص، نضطر طبيا لتقديم العدسات البديلة المتاحة، والتي توقفنا عن استخدامها منذ فترة طويلة لجودتها الأقل، وسهولة كسرها ".

وأوضح الأخصائي عبد المنعم أن العجز الحاد في العدسات الطبية أجبر مراكز البصريات على تبني حلول تقريبية وغير دقيقة، حيث يضطرون لتوفير عدسات بمقاسات وأرقام قريبة من حاجة المريض الفعلية كبديل مؤقت، تماشيا مع الواقع الصعب الذي يفرض القبول بضعف الرؤية المتاحة بدلاً من فقدان البصر الكامل.

مصدر الصورة أحمد عبد المنعم: أكثر من 95% مما نشتغل عليه اليوم في القطاع هو مخزون متبق من فترة ما قبل الحرب (الجزيرة)

تراجع الشراء وأزمة صيانة

ومع الانهيار الاقتصادي الحاد وشلل الأسواق، تضاعفت أسعار المواد الشحيحة المتبقية بنحو 3 إلى 4 مرات، فالإطار الذي كان يباع بـ 50 شيكلا (الدولار = 3 شواكل) قبل الحرب، قفز سعره اليوم ليفوق 200 شيكل، والعدسة التي كان ثمنها 50 شيكلا باتت تكلف أكثر من 120 شيكلا، بحسب عبد المنعم.

إعلان

هذا الغلاء الفاحش، في ظل انعدام الدخل والبطالة المستشرية، جعل اقتناء نظارة جديدة ترفا لا يقدر عليه الأغلبية.

وبسبب التكلفة الباهظة، يسجل عبد المنعم وزملاؤه تراجعا يوميا لعشرات الحالات التي تمتنع عن تفصيل النظارات بعد معرفة أسعارها، وهو ما دفع آلاف المواطنين إلى التمسك بنظاراتهم الطبية القديمة التالفة ومحاولة ترميمها يدويا.

ويروي عبد المنعم مشاهداته قائلا: "نرى يوميا مواطنين يرتدون نظارات بحالة سيئة ومتهالكة لعدم قدرتهم المادية على تغيير الإطار، يربطونها باللاصق أو يلفونها بالأسلاك ".

ولا تتوقف الأزمة في مهنة البصريات بغزة عند غياب المواد الأولية، بل تضرب الأجهزة التقنية الحيوية اللازمة لفحص درجة الرؤية ومشاكل العيون وتجهيز العدسات؛ حيث تعرضت عشرات المراكز للقصف التدميري الكلي أو الجزئي.

واليوم، تقف معظم الأجهزة المتبقية عاجزة عن العمل بسبب أعطال تقنية بسيطة، كما يفتقر القطاع إلى أجهزة فحص قوة العدسة، وأجهزة قص العدسات التي إن تعطلت تتوقف بعض المراكز عن العمل كليا لعدم توفر قطع الغيار أو الصيانة الدورية لها.

وإلى جانب الحصار المادي، واجه قطاع البصريات -بحسب عبد المنعم- نزيفا حادا في طواقمه البشرية وكفاءاته؛ حيث استشهد العديد من أخصائيي البصريات، وأُصيب آخرون، واضطرت كفاءات بارزة للسفر إلى الخارج بعد أن فقدوا مراكزهم ودُمرت مصادر رزقهم.

مصدر الصورة المواطنون في غزة يعانون مشكلات في الإبصار ويستعيضون بأدوات بالكاد تفي بالغرض ظل غياب البديل (الجزيرة)

حلول ليست مثالية

داخل عيادته، يجلس استشاري جراحات العيون، الدكتور عبد الله الكاشف، محاطا بقلق يومي يتجاوز تشخيص الأمراض إلى العجز عن توفير العلاج.

ووصف الكاشف المشهد قائلا إن "الناس الذين يعانون مشكلات الإبصار، سواء من لديهم قصر نظر أو يحتاجون إلى نظارات طبية، يواجهون اليوم نقصا حادا في كل شيء. لا توجد إطارات، ولا عدسات للنظارات، ولا حتى عدسات لاصقة بديلة ".

هذا النقص الحاد دفع بالأسعار إلى مستويات غير مسبوقة، وهو ما أجبر الكثيرين على "التعايش " مع نظاراتهم القديمة المكسورة أو ذات المقاسات غير المناسبة، بحسب الطبيب الكاشف.

وقال إن العديد من أصحاب مراكز البصريات يتواصلون معه يوميا، لاستشارته في تقريب المقاسات التي يفتقدونها إلى أقرب درجة ممكنة، مضيفا "هذا بالتأكيد ليس حلا مثاليا من الناحية الطبية".

ويبدو الوضع أكثر قتامة عند الحديث عن المرضى الذين لا تُصلح النظارات الطبية عيوب إبصارهم، ويعتمدون كليا على العدسات اللاصقة كضرورة طبية قصوى.

ويوضح استشاري العيون الكاشف أن العديد من الأشخاص، لا تصلح لبصرهم سوى العدسات اللاصقة، وليس النظارات، مشيرا إلى وجود أفراد مصابين بما يسمى "القرنية المخروطية " ويحتاجون إلى نوع خاص من العدسات اللاصقة الصلبة التي يتم تفصيلها بدقة وبشكل مخصص لهم، مضيفا "هؤلاء باتوا محرومين تماما من هذه العدسات منذ بداية الحرب ".

وحتى عندما تنجح بعض العدسات اللاصقة العادية في الدخول إلى القطاع بطرق غير رسمية، فإنها غالبا ما تكون من أنواع رديئة وسيئة الصنع، محذرا من أنها أصبحت "مصدر خطر حقيقي؛ حيث يسجل بسببها إصابات شديدة بالتهابات القرنية وحساسية وجفاف متكرر ".

مصدر الصورة أجهزة فحص مستخدمة يجري تشغيلها في ظروف معقدة وسط عجز حاد بتوفير قطع الغيار اللازمة للصيانة (الجزيرة)

مخاطر مترتبة

وعند سؤال الدكتور عبد الله الكاشف عن الأثر الطبي المترتب على بقاء المرضى لشهور طويلة دون نظاراتهم، حذّر من عواقب وخيمة تبدأ من العَرَض البسيط وتمتد إلى عاهات مستديمة.

وأوضح أن أولى هذه التداعيات تظهر على شكل صداع يومي دائم، وآلام مستمرة ووجع في العين. أما التداعيات الأعمق فترتبط بقلة الإبصار التي تجعل العين عرضة للالتهابات المتكررة، والحساسية، والجفاف المزمن.

إعلان

لكن الخطر الأكبر، بحسب الكاشف، يتربص بالأطفال، ويفسر ذلك بنبرة تحذيرية "بالنسبة للصغار، فإن الموضوع مضاعف وخطير جدا. عدم ارتداء النظارة أو ارتدائها بمقاس خاطئ يؤدي إلى إصابة الطفل بما يُعرف طبيا بكسل العين "، وهو قد يؤدي بمرور الوقت "إلى ضعف دائم في الرؤية لا يمكن تصحيحه بالنظارة لاحقا، وقد لا ينفعه أي تدخل جراحي مستقبلا ".

أحمد عبد المنعم يضطر لاعتماد مقاسات وحلول تقريبية لتلبية احتياجات المرضى في ظل عجز المقاسات الدقيقة (الجزيرة)أحمد عبد المنعم قال إن إن المراكز تعتمد على مخزونات قديمة تعود لما قبل الحرب (الجزيرة)أخصائي يجري فحصاً للنظر مستخدماً لوحة القياس التقليدية داخل خيمة تحولت إلى مركز بصريات (الجزيرة)نظارات وإطارات متبقية داخل مركز مؤقت الذي يعتمد تشغيله على مخزونات قديمة نَجت من قصف المستودعات (الجزيرة)تحذيرات من أن بقاء المرضى دون نظاراتهم لفترات طويلة قد يتسبب بعاهات دائمة (الجزيرة)
لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا