آخر الأخبار

هل تصدعت عقيدة الأمن الإسرائيلي بعد 7 أكتوبر؟.. أبحاث عبرية تجيب

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

لم يكن طوفان 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 مجرد إخفاق استخباري أو عملياتي، ولكن لحظة كاشفة لأزمة أعمق في مفهوم الأمن القومي الإسرائيلي.

فالدولة التي بنت أمنها لعقود على الردع، والإنذار، والحسم السريع، ثم أضافت إليها طبقة دفاع تكنولوجية متطورة، وجدت نفسها أمام سؤال لم يعد قابلا للتأجيل، وهو ماذا يحدث حين يرى الخصم الكلفة ولا يرتدع، وحين تتراكم المؤشرات ولا تتحول إلى إنذار، وحين تسقط الحدود الذكية أمام هجوم بري واسع؟

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 "استسلام مخز" و"صدمة إستراتيجية".. هكذا هز اتفاق ترمب وإيران إسرائيل
* list 2 of 2 هذا بديهي.. جدعون ليفي: "الإرهاب اليهودي" هو الوجه الآخر للاحتلال end of list

وتنبع أهمية مركز دادو، التابع لشعبة العمليات في الجيش الإسرائيلي، من أنه يعكس نقاشا يجري داخل المؤسسة العسكرية نفسها.

أسس الأمن القومي

وفي دراسة للرائد كيم بار، المنشورة في أغسطس/آب 2024 بعنوان "تطور المركبات العسكرية في مفهوم الأمن القومي الإسرائيلي"، تأكيد أن الحرب الحالية تفرض نقاشا في أسس الأمن القومي، وأن المركبات العسكرية المتداولة هي الردع، والإنذار، والحسم، والدفاع.

هذه الإحالة تضع "7 أكتوبر" داخل أزمة مفهوم لا داخل حادثة منفصلة، فالمشكلة لم تكن في انهيار جدار أو فشل وحدة استخبارات فقط، بل في اهتزاز منظومة كاملة كانت تفترض أن القوة تردع، وأن المعلومة تنذر، وأن الجيش يستطيع نقل الحرب بسرعة إلى أرض الخصم.

وقد ظهر بعد الهجوم، أن الحلقات الثلاث يمكن أن تتعطل معا فالخصم لم يرتدع، والإنذار لم يتحول إلى فعل، والحسم السريع استُبدل بحرب طويلة.

وفي مذكرة معهد دراسات الأمن القومي لعام 2017، كتب عودي ديكل وعومر عيناف أن مفهوم الأمن الإسرائيلي بقي إلى حد كبير "تورا شفوية" (كتاب قواعد شفوية) أي منظومة مبادئ غير مكتوبة بالكامل، وأن التحولات الإقليمية تفرض تحديثها.

و بهذا المعنى، لم يخلق "7 أكتوبر" النقاش من فراغ، لكنه حوّله من نقاش نظري إلى سؤال بقاء واستدامة.

مفهوم الأمن الإسرائيلي بقي إلى حد كبير "تورا شفوية" (كتاب قواعد شفوية) أي منظومة مبادئ غير مكتوبة بالكامل، وأن التحولات الإقليمية تفرض تحديثها

ردع متآكل

وفي دراسة نشرها معهد دراسات الأمن القومي في مارس/آذار 2024، يرى أمير لوبوفيتشي، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة تل أبيب والباحث في نظريات الردع، أن الهجوم فتح أسئلة حول “استراتيجية الردع والاعتماد الإسرائيلي عليها”. ويذهب إلى أن إسرائيل راهنت على الردع تجاه حركة حماس رغم أن فعاليته أمام هذا النوع من التهديدات لم تكن واضحة بما يكفي.

إعلان

هنا تكمن نقطة الضعف فتل أبيب فسرت انشغال حماس بالحكم والاقتصاد بوصفه قيدا يمنعها من المبادرة، وتعاملت مع جولات القتال السابقة كدليل على أن الخصم يستوعب الثمن.

مصدر الصورة عناصر من كتائب الشهيد عز الدين القسام (الجزيرة)

و في الواقع، كان الهدوء يتحول إلى مساحة تراكم قوة، وهذا ما يدفع النقاش الإسرائيلي بعد 7 أكتوبر إلى تجاوز سؤال "كيف نردع؟" نحو سؤال “كيف نمنع إعادة بناء القدرة؟”.

ويضيف نيفو شبيغل، في مقال مركز دادو "إخراج الردع من المعادلة" المنشور في مايو/أيار 2025، نقدا أعمق لمفهوم الردع الإسرائيلي، معتبرا أنه يعاني الغموض وصعوبات القياس وإخفاقات معرفية، وأنه “أداة سياسة غير فعالة” تشوه تقديرات الموقف وتقود إلى تفكير دائري.

منع مكلف

من رحم هذا الفشل برز منطق المنع، و أوضح تعبير عنه يرد في مقال مائير بن شبات، رئيس مجلس الأمن القومي الإسرائيلي السابق ورئيس معهد مسغاف للأمن القومي والاستراتيجية الصهيونية، المنشور في ديسمبر/كانون الأول 2025 بعنوان "التجريد ومنع التسلح أهم من تثبيت وقف إطلاق النار".

المنع ليس إجراء عسكريا محدودا ولكنه يحتاج إلى سيطرة أمنية أطول، وانتشار ميداني أوسع، واستخبارات دائمة، ومخزون ذخائر متجدد، واستعداد لجبهات متعددة

ويضع بن شبات الهدف الأساسي في غزة ولبنان في التجريد والتفكيك من السلاح، لا في تثبيت الهدنة، ويرى أن على إسرائيل إحباط محاولة حماس وحزب الله شراء الوقت، حتى لو قاد ذلك إلى تجدد القتال.

بهذه الصياغة ينتقل مركز الثقل من ردع الخصم عن استخدام القوة إلى منعه من إعادة إنتاجها، لكن المنع ليس إجراء عسكريا محدودا ولكنه يحتاج إلى سيطرة أمنية أطول، وانتشار ميداني أوسع، واستخبارات دائمة، ومخزون ذخائر متجدد، واستعداد لجبهات متعددة.

وهنا يحذر العميد احتياط مائير فينكل، رئيس مجال البحث في مركز دادو، من أن الجيوش الخارجة من فشل أو صدمة تميل إلى التوسع الكمي في القدرات الناقصة، لكن الإفراط في هذا المسار قد يستنزف الموارد والانتباه الإداري اللازمين لبناء استجابة جديدة.

وهذه الملاحظة تصيب جوهر المأزق الإسرائيلي فقد توسع إسرائيل الجيش والتحصينات والقدرات، لكن من دون أن تحل معضلة الاستراتيجية.

المنع الواقعي يعني إضعاف الخصوم، وتقليص قدرتهم على الإضرار، وإطالة فترات الهدوء، والحفاظ على حرية العمل العسكري

واقعية المنع

تضيف دراسة البروفيسور إفرايم عنبار، الباحث البارز في معهد القدس للاستراتيجية والأمن (JISS)، المنشورة في يونيو/حزيران 2026 بعنوان "تصميم استراتيجية قومية واقعية لدولة إسرائيل"، قيدا ضروريا على خطاب المنع.

فهو يحذر من تحويل الإنجازات العسكرية بعد "7 أكتوبر" إلى وهم استراتيجي واسع، ويكتب: "كدولة صغيرة تعمل في منطقة تتسم بالراديكالية، والطموحات النووية، وهامش مناورة استراتيجي محدود، على إسرائيل أن تلائم طموحاتها مع مواردها وأن تعمل بحذر استراتيجي".

مصدر الصورة حريق في منزل اسرائيلي جراء القصف الإيراني على إسرائيل خلال الحرب (رويترز)

يمنح هذا الاقتباس التقرير مفتاحه التحليلي بأن إسرائيل تستطيع تحسين موقعها الأمني، لكنها لا تملك بالضرورة القدرة على إعادة تشكيل الشرق الأوسط.

إعلان

فالمنع الواقعي يعني إضعاف الخصوم، وتقليص قدرتهم على الإضرار، وإطالة فترات الهدوء، والحفاظ على حرية العمل العسكري.

أما المنع حين يتحول إلى مشروع مفتوح لتغيير المنطقة، فيصبح أكبر من قدرة دولة صغيرة تعتمد جزئيًا على الولايات المتحدة، والسلاح الغربي، والتجارة العالمية، وشرعية خارجية قابلة للتآكل.

ويذهب عنبار أبعد حين يعتبر أن عبارات مثل تفكيك حماس أو حزب الله تعبر عن أهداف مرغوبة، لكنها "ليست أهدافًا قابلة للتحقيق الآن".

لذلك يعيد الاعتبار، بصيغة واقعية، لمنطق جز العشب: استخدام متكرر للقوة لتآكل قدرات الخصم، لا وعد بحسم نهائي للصراع.

إسرائيل تستطيع تحسين موقعها الأمني، لكنها لا تملك بالضرورة القدرة على إعادة تشكيل الشرق الأوسط

كوابح الاستدامة

لا يقف أمام "المنع" نقص الجنود وحده، وإن كان أكثر الكوابح وضوحا. فقد نقلت يديعوت أحرونوت الشهرا لماضي عن معطيات عُرضت في لجنة الخارجية والأمن أن الجيش ينقصه ما لا يقل عن 12 ألف جندي، بينهم نحو 7500 في وظائف قتالية.

وهذا يعني أن المنع لا يصطدم فقط بخصوم خارجيين، بل بحدود الطاقة البشرية لدولة صغيرة تخوض حربًا متعددة الجبهات.

أما الكابح الثاني هو الإرادة الاجتماعية: فالنقاش حول تجنيد الحريديم لم يعد ملفا داخليا منفصلا عن الأمن القومي، بل صار اختبارا لتوزيع العبء.

إذا كان الأمن الجديد يتطلب خدمة أطول واحتياطا أكثر، فإن استمرار إعفاء كتلة اجتماعية واسعة يحول "المنع" إلى عبء غير متوازن على النظاميين والاحتياط والطبقة الوسطى.

والكابح الثالث اقتصادي: فتقديرات بنك إسرائيل المنشورة في صحيفة كلاكيست الاقتصادية في 20 مارس/آذار 2026 تحدثت عن أن كلفة الحرب بلغت منذ "7 أكتوبر" نحو 352 مليار شيكل (نحو 120 مليار دولار)، قبل موجات تصعيد لاحقة، وهذا يحول الأمن من كلفة طارئة إلى بنية إنفاق دائمة.

أما الكابح الرابع فهو الحليف الخارجي: لا يعني ذلك أن إسرائيل فقدت دعم واشنطن، لكنها لم تعد تستطيع افتراض أن الذخائر، وقطع الغيار، والتمويل، والغطاء الدبلوماسي ستكون بلا حدود أو بلا شروط.

لذلك لا تكمن أزمة إسرائيل في أنها لا تعرف ما تريد عسكريا، بل في أنها لا تملك بالضرورة المجتمع والاقتصاد والزمن والحليف القادرين على تمويل ما تريد.

في الخلاصة لم ينته مفهوم "الردع" في التفكير الإسرائيلي، لكنه فقد مكانته كضمانة كافية، ورغم المنع يمنح إسرائيل قدرة تعطيل مؤقتة، لكنه يحتاج جيشا أكبر واقتصادا أوسع وحليفا ثابتا.

لذلك يبدو مفهوم الأمن الإسرائيلي بعد "7 أكتوبر" أقرب إلى استنزاف مفتوح منه إلى عقيدة استقرار أمنية جديدة.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة


الأكثر تداولا اسرائيل حزب الله أمريكا

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا