في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
الخرطوم- في شوارع الخرطوم التي ما زالت تحمل بعضاً من ندوب الحرب، يتسلل العيد كنسمة خجولة تحاول أن تزيح غبار الخراب عن الأرواح قبل الجدران. يطل عيد الأضحى كرسالة صمود، يذكّر الناس بأن الفرح ليس ترفاً بل حقا إنسانيا لا يُسلب.
ومع ساعات الصباح الأولى في جزيرة توتي عند ملتقى النيلين وسط العاصمة السودانية، اكتظ الميدان المخصص لصلاة العيد بالجزيرة بعشرات الصفوف المتراصة، في مشهد أعاد إلى الخرطوم شيئاً من روحها الغائبة. رجال ونساء، شيوخ وأطفال، اصطفوا كتفاً إلى كتف، يرددون التكبيرات في انسجام بدا وكأنه إعلان جماعي عن عودة الحياة إلى مدينة أنهكتها الحرب.
ورغم آثار الدمار التي ما زالت تحيط بالمكان، منح حضور الأهالي للمناسبة طابعا استثنائيا، حيث امتزجت دموع الفقد بابتسامات اللقاء، وتجسدت في تماسك الصفوف صورة لصمود المجتمع السوداني. بدا الميدان أشبه بساحة أمل، يختزل إرادة الناس في الحفاظ على طقوسهم الدينية والاجتماعية، وإصرارهم على أن العيد يظل رمزا للتماسك والعودة مهما طال زمن النزوح.
تقول نفيسة عبد الرحيم وهي سيدة سبعينية من أهالي جزيرة توتي في حديثها للجزيرة نت، إنها لم تذق طعما للعيد طوال سنوات الحرب. نزحت بسبب المرض إلى ولاية نهر النيل، لكنها عادت قبل يومين إلى مسقط رأسها، لتجد نفسها وسط جيرانها في الميدان المخصص لصلاة العيد. هناك استشعرت نفيسة لأول مرة منذ زمن طويل فرحة العيد، وكأن اللقاء أعاد إليها شيئاً من دفء الحياة الذي غاب عنها في سنوات النزوح والخراب.
ومن جهته قال النوراني أحمد إبراهيم أحد سكان جزيرة توتي الذين لم يغادروا منذ اندلاع الحرب بين الجيش و قوات الدعم السريع في أبريل/نيسان 2023، إنهم شهدوا أعياداً قبل الحرب وأثناءها، لكن عيد الأضحى بعد توقف القتال جاء مختلفاً. ويصف أن عودة الأهالي إلى المنطقة جعلت العيد "عيدين"، بعد أن عاشوا امتحانا صعبا خلال سنوات الحرب.
وأضاف النوراني في حديثه للجزيرة نت أن الحرب خلّفت آثارا نفسية عميقة، غير أن الأهالي تمكنوا من التعافي تدريجياً، وأن الأمل المتجدد منحهم قوة للاستمرار. بالنسبة له، كان مشهد صلاة العيد وعودة الجيران إلى الميدان المخصص للصلاة دليلا على أن الخرطوم بدأت تستعيد شيئاً من روحها، وأن العيد أصبح رمزا للصمود والعودة إلى الحياة.
وفي السياق ذاته، يرى المواطن عمر كباشي عمر أن مشهد صلاة العيد هذا العام كان غير مسبوق منذ ثلاث سنوات. ويقول في حديثه للجزيرة نت إن هذا العيد هو الأول الذي ينعمون فيه بفرحة كاملة، بعدما كانت أعداد المصلين في العام الماضي محدودة، مضيفاً أن جزيرة توتي شهدت عودة آلاف الأسر من النازحين داخلياً واللاجئين في دول الجوار.
وكانت لجان الأحياء قد ذكرت للجزيرة نت أن أعداد المصلين تجاوزت 3 آلاف شخص، وهو ما اعتُبر أكبر تجمع لصلاة العيد في العاصمة السودانية منذ استعادة السيطرة عليها.
وفي بقية أحياء مدينة الخرطوم، بدت الساحات العامة أكثر حيوية مقارنة بالأعوام الماضية، حيث شهدت الميادين والمساجد تجمعات واسعة لأداء صلاة العيد، تبعتها زيارات عائلية أعادت شيئاً من دفء الحياة الاجتماعية. ورغم أن آثار الحرب ما زالت واضحة في بعض الأحياء، فإن عودة عدد كبير من الأسر النازحة ساهمت في إحياء الطقوس التقليدية للعيد.
أما في بحري و أم درمان، فقد تكررت المشاهد ذاتها، حيث امتلأت الميادين بالمصلين، وتحوّلت الأحياء إلى فضاءات اجتماعية تجمع بين الجيران والأقارب. وسط إجماع من قبل الأهالي بأن هذا العيد يختلف عن سابقيه.
ومع انتهاء الصلاة اتجهت الأنظار إلى طقوس الأضاحي التي تمنح عيد الأضحى خصوصيته. ورغم الأوضاع الاقتصادية الصعبة وارتفاع أسعار الماشية، حرصت كثير من الأسر على إحياء هذه الشعيرة، سواء عبر شراء الأضاحي بشكل فردي أو من خلال المشاركة الجماعية بين الجيران لتقاسم التكاليف.
وألقت الأوضاع الاقتصادية الناتجة عن الحرب الداخلية في السودان بظلالها على أسواق الأضاحي، وسط تراجعٍ في الشراء رغم توفر الأضاحي. وشهدت أسواق الماشية تفاوتاً في الأسعار حيث تراوحت قيمة الأضحية بين 600 ألف جنيه سوداني ومليون و400 ألف جنيه.
ومن جهته أوضح الحاج محمد أحمد تاجر مواشي، في حديثه للجزيرة نت، أن الارتفاع الجنوني لأسعار الأعلاف وتصاعد تكاليف النقل بين الولايات إلى جانب الضرائب الباهظة التي تفرضها الحكومة تمثل أبرز أسباب ارتفاع سعر الأضحية.
وبدت ردود فعل المواطنين انعكاساً لعمق أزمة ارتفاع أسعار الأضاحي، ففي حين أبدى أبو القاسم موسى امتنانه لتمكنه من شراء أضحية العيد بمبلغ مليون و100 ألف جنيه سوداني، عبرت سمر الفاتح عن استيائها البالغ من وصول الأسعار عتبة مليون و400 ألف جنيه وأكدت في حديثها للجزيرة نت أن هذه الأرقام تفوق القدرة المالية للسواد الأعظم من المواطنين.
وفي موازاة ارتفاع الأسعار برزت مجموعة من المبادرات المجتمعية المحلية لتوزيع لحوم أضاحي العيد على الأسر المتعففة والنازحين بهدف التخفيف من وطأة المعاناة عن كاهلهم، وإحياء قيم التضامن الاجتماعي في ظل ما تمر به البلاد من أزمات.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة