في عالم تدور فيه رحى الحروب وتتقاطع قعقعات السلاح مع تداعيات تغير المناخ وانكماش التمويل الإنساني، تتكشف مأساة إنسانية واسعة النطاق في أكثر الأماكن هشاشة على وجه الأرض، حيث تتحول المجاعة من خطر محتمل إلى واقع يومي يطحن ملايين البشر بصمت.
هكذا يرسم الكاتب بيتر غودمان في تحقيقه الميداني لصحيفة نيويورك تايمز من قلب الصومال لوحة قاتمة لمنظومة إغاثة تتداعى، فيما تتفاقم الأزمات بفعل الحرب في الشرق الأوسط وتراجع الدعم الدولي.
تبدأ المأساة كما رصدها الصحفي غودمان من تفاصيل رحلة مضنية لأسرة عبد الله عبدي عبد الرحمن، المكونة من 9 أفراد، وهم يقطعون مسافة 224 كيلوا مترا سيرا على الأقدام تحت هجير الشمس الحارقة عبر أراضٍ قاحلة جنوبي الصومال بحثا عن طعام يسد رمقهم.
كانوا يتناوبون على حمل طفلتهم التي لم يتجاوز عمرها 3 سنوات على الأكتاف، هربا من جفاف قضى على كل ما يملكونه من ماعز وأغنام كانت تمثل شقاء عمرهم ومدخرات حياتهم.
قطع أفراد العائلة كل تلك المسافة في 9 أيام باتجاه بلدة "دوللو" الحدودية مع إثيوبيا حيث تتمركز منظمات الإغاثة، يحدوهم الأمل الذي ساق أكثر من مئة ألف نازح قبلهم.
لكن المفاجأة التي كانت بانتظارهم عند وصولهم في أواخر يناير/كانون الثاني الماضي إلى أطراف البلدة، هي أن مخيمات الإغاثة كانت قد أُفرغت من محتواها بعد أن أقدمت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على تفكيك الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID)، مما أدى إلى قطع شريان الحياة الرئيسي والعمود الفقري للمساعدات الإنسانية في الصومال.
ولم يقتصر الأمر على واشنطن، بل امتدت حمى تقليص المساعدات من لندن إلى برلين، لتجد المنظمات الإنسانية نفسها أمام خيارات مستحيلة تفرض عليها المفاضلة بين الجياع، فكانت مخيمات النزوح في بلدة "دوللو" -لسوء الحظ- ضمن المناطق التي تأثرت بانقطاع الإغاثات، فغابت الأدوية وتلاشت المنح النقدية وأغلقت العيادات الطبية أبوابها.
وبنبرة مكسورة تمزق نياط القلوب، عبَّر عبد الله عبدي (47 عاما) عن هذا الواقع الإنساني المرير لصحيفة نيويورك تايمز قائلاً إن اللحم والحليب أصبحا حلما، وإن عائلته تقتات على وجبة يومية واحدة من عصيدة الذرة الرفيعة والحشائش البرية التي يلتقطونها من ضفاف النهر، مؤكدا أن أشد ما يؤلمه في كل ثانية هو رؤية أطفاله وهم يتضورون جوعا.
إغلاق مضيق هرمز ساهم في قطع المساعدات عن آلاف النازحين في دول مثل الصومال (غيتي إيميجز)
ولم تكد تمضي أسابيع قليلة على صدمة غياب الدعم عن المخيمات، حتى تلاحقت الكوارث باندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، لتلقي بظلالها القاتمة على هذه البيئة المتهالكة أصلا.
فقد أدى إغلاق مضيق هرمز الإستراتيجي إلى شلل تام في إمدادات النفط والأسمدة والسلع الأساسية من الخليج العربي، فقفزت تكاليف الشحن البحري لمستويات قياسية.
وفي دولة مثل الصومال، تستورد نحو 70% من احتياجاتها الغذائية، تضاعفت أسعار المواد الأساسية كالقمح والأرز في لمحة بصر، ليتحول الجوع الصامت إلى وحش كاسر يهدد بافتراس الملايين.
ولعل شهادة عبد الله عبدي تختصر واقعا أوسع تؤكده بيانات برنامج الغذاء العالمي، الذي يحذر من ارتفاع عدد الأشخاص المهددين بانعدام الأمن الغذائي الحاد إلى أكثر من 363 مليونا، بزيادة 45 مليونا عما كان عليه الوضع قبل اندلاع الحرب.
وتأتي هذه الكارثة -وفق نيويورك تايمز- في وقت يبدي فيه المجتمع الدولي برودا وتراجعا غير مسبوق؛ فقبل 4 سنوات، عندما اندلعت الحرب الروسية الأوكرانية وتأثرت إمدادات الحبوب، سارعت القوى الدولية لضخ 43 مليار دولار كحزمة مساعدات طارئة، 17 مليارا منها قدمتها واشنطن، مما أسهم في الحد من تفاقم المأساة.
في الصومال وحده، يملك برنامج الغذاء العالمي من التمويل ما يكفي 300 ألف شخص فقط في الشهرحتى يوليو/تموز المقبل، وهو رقم يقل كثيرا عن المحتاجين البالغ عددهم قرابة مليوني شخص
بواسطة الصحفي بيتر غودمان
أما اليوم، فقد انكمش التمويل العالمي الإجمالي إلى 28 مليار دولار، وتراجعت المساهمة الأمريكية إلى 4 مليارات فقط، مع استمرار قطار التقليص في مسيره.
وتلخص كيت فيليبس باراسو من منظمة "ميرسي كور" الأمريكية للمساعدات الإنسانية هذا التراجع المخزي بقولها إن المنظومة الإغاثية تم تقطيع أوصالها وتدميرها بالكامل، مؤكدة لنيويورك تايمز أن العالم يعيش حاليا "حقبة اللامبالاة الدولية الشاملة".
تتجلى هذه اللامبالاة في اضطرار المنظمات الدولية إلى ابتكار تصنيفات سريالية ومؤلمة للمعاناة؛ حيث يوضح حميد نورو، مدير برنامج الأغذية العالمي في الصومال، أنهم باتوا يفاضلون بين درجات الموت جوعا، ولا يستطيعون الوصول إلا لأولئك الذين يشرفون على الهلاك الفوري، مما يعني تقديم الدعم للأطفال وحرمانه عن الأمهات الحوامل، في معادلة قاسية تتلخص حرفيا في أن المفاضلة أصبحت تدور حول من يموت أولا ومن يموت تاليا.
وفي الصومال وحده، يملك برنامج الغذاء العالمي من التمويل ما يكفي 300 ألف شخص فقط في الشهر حتى يوليو/تموز المقبل، وهو رقم يقل كثيرا عن المحتاجين البالغ عددهم قرابة مليوني شخص الذين كانوا يحصلون على مساعدته شهريا.
وفي قلب هذه المأساة، يتتبع التحقيق الصحفي قصة الصومال، البلد الذي يعاني من سلسلة أزمات متراكبة تتراوح بين جفاف شديد، وحرب أهلية طاحنة، وهجمات حركة الشباب.
وقد أدى الجفاف الأخير إلى تدمير المحاصيل ونفوق المواشي، فيما يواجه 6.5 ملايين شخص مستويات طارئة من الجوع، بينهم 1.8 مليون طفل يعانون من سوء تغذية حاد.
لكن الحرب في الشرق الأوسط أضافت طبقة جديدة من الانهيار، فقد أدى اضطراب حركة النقل البحري بفعل إغلاق مضيق هرمز وما تبعه من ارتفاع أسعار الوقود والأسمدة إلى تعطيل سلاسل الإمداد.
وأدى ذلك إلى تأخر شحنات غذائية أساسية 40 يوما، مما حرم مئات الآلاف من النساء والأطفال من المساعدات في الوقت المناسب.
وفي السودان، تفاقمت الأزمة إلى حد المجاعة في بعض المناطق، مع توقف قوافل الإغاثة بسبب نقص الوقود والخوف من الطرق غير الآمنة.
تكاليف النقل تضاعفت، وأسعار السمك والقمح والأرز ارتفعت بشكل حاد، فيما باتت بعض العائلات في الصومال تشتري كميات أقل من الطعام رغم ارتفاع الأسعار
بواسطة نيويورك تايمز
ويعرض التحقيق تفاصيل الحياة اليومية في الصومال الذي يرزح تحت ضغط التضخم الغذائي، فتكاليف النقل تضاعفت، وأسعار السمك والقمح والأرز ارتفعت بشكل حاد، فيما باتت بعض العائلات تشتري كميات أقل من الطعام بسبب ارتفاع الأسعار.
وحتى المياه، التي تعتمد على مضخات تعمل بالديزل، أصبحت أكثر كلفة، مما دفع بعض المنظمات إلى إيقاف مشاريع الطاقة الشمسية بسبب نقص التمويل.
وفي مشهد آخر من تحقيق نيويورك تايمز، تظهر آثار الأزمة على الأطفال في المستشفيات، ففي مركز تغذية في العاصمة مقديشو، يجلس عشرات الأطفال شديدي الهزال بين أمهاتهم في انتظار الفحص، وبعضهم يتلقى علاجا غذائيا، فيما تُنقل الحالات الحرجة إلى وحدات خاصة في المستشفيات حيث يرقد الأطفال موصولين بأنابيب التغذية والأكسجين، وقد كان جسد أحد الأطفال البالغ 18 شهرا، نحيفا إلى حد بروز عظامه، في صورة تختصر عمق الكارثة.
ويشير التحقيق إلى أن أكثر من 205 عيادات صحية في الصومال أُغلقت مؤخرا، الأمر الذي يعني حرمان آلاف النساء والأطفال من الرعاية المبكرة التي قد تنقذ حياتهم، وفي مستشفى بنادر في مقديشو، تضاعف عدد حالات سوء التغذية الحادة بين الأطفال مقارنة بالعام السابق.
وسط هذا المشهد، تتجلى مأساة أكبر في نظام عالمي للإغاثة يفقد قدرته على الاستجابة في الوقت الذي تتسع فيه رقعة الكارثة، لأن الأموال تتراجع، وسلاسل الإمداد تتعطل، والسياسات الدولية تتجه نحو تقليص الالتزام الإنساني لصالح أولويات داخلية أو عسكرية.
ويخلص غودمان في تحقيقه إلى أن ما يحدث في الصومال ليس حالة منفصلة، بل هو جزء من شبكة أزمات مترابطة تمتد من القرن الأفريقي إلى الشرق الأوسط.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة