تشهد الساحة القانونية والقضائية المتعلقة بالملف الليبي خلال فترة حكم القذافي تطورات متسارعة إذ بدأت المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي جلسة إثبات التهم بحق المتهم الليبي أسامة المصري الهيشري، في الوقت الذي أسدلت فيه محكمة استئناف طرابلس الستار عن واحدة من أشهر القضايا بمحو تهم قمع متظاهري ثورة فبراير عن رموز النظام السابق.
وفي خطوة هي الأولى من نوعها منذ فتح التحقيق في الملف الليبي عام 2011، انطلقت الجلسة الخاصة بالهيشري الملقب بـ"البوطي"، إذ تكتسب أهمية استثنائية لكونها القضية الأولى التي تنجح فيها المحكمة الدولية في توقيف مشتبه به ليبي وإحالته للمحاكمة رسميًا.
ويواجه الهيشري حزمة من الاتهامات المتعلقة بارتكاب انتهاكات وجرائم ضد مهاجرين داخل مراكز احتجاز في ليبيا، وهي الجرائم التي تقع ضمن تحقيقات تجريها المحكمة وتدخل في اختصاصها المباشر.
وبرز الهيشري (البوطي) منذ عام 2015 كقائد ميداني بارز في "جهاز الردع"، وتحديداً داخل سجن معيتيقة إذ أشرف مباشرة على قسم النساء، وارتبط اسمه في تقرير خبراء الأمم المتحدة لعام 2021 بانتهاكات وحشية شملت التعذيب المنهجي والاحتجاز التعسفي والإذلال الجنسي للمحتجزات، وفي عام 2022، انتقل للعمل ضمن جهاز الشرطة القضائية، ليتولى إدارة سجن "الجديدة" ثاني أكبر سجون العاصمة طرابلس.
وفي مقابل التحركات الدولية في لاهاي قضت الدائرة الجنائية الثالثة بمحكمة استئناف طرابلس ببراءة 31 من قيادات النظام الليبي السابق، من تهمة قمع المتظاهرين إبان الثورة الليبية التي اندلعت عام 2011، وتعرضت لقمع دموي من نظام العقيد معمر القذافي.
وجاء الحكم بعد نحو 15 عاما على اندلاع الثورة الليبية، وبعد نحو 12 عاما من التقاضي في القضية المقيدة منذ عام 2014، وذلك بعد اطلاع المحكمة على الأوراق وسماع المرافعة الشفوية والمداولة قانونا، وفق ما نشرته المحكمة عبر صفحتها الرسمية.
وشمل حكم البراءة حضوريا أسماء بارزة في نظام معمر القذافي، من بينهم رئيس المخابرات الأسبق عبد الله السنوسي، وآخر رئيس وزراء في ذلك العهد البغدادي المحمودي، بالإضافة إلى منصور ضوء، ومحمد أبو القاسم الزوي، ومحمد أحمد الشريف، كما تضمن الحكم أحكاما أخرى بالبراءة صدرت غيابيا بحق متهمين آخرين في القضية ذاتها.
وصدر الحكم عن محكمة برئاسة المستشار رمضان علي بلوط، وعضوية كل من سامية التليب ومصطفى اشنينة، وبحضور ممثل النيابة العامة وأمين سر الدائرة، وذلك استنادا إلى نصوص قانون الإجراءات الجنائية وقانون العقوبات في ليبيا.
وفي السياق ذاته، قضت المحكمة بسقوط الجريمة والدعوى الجنائية لعدد من المسؤولين السابقين في النظام، نظرا لوفاتهم قبل صدور حكم الإدانة، ومن أبرزهم رئيس جهاز الأمن الخارجي الأسبق أبو زيد دوردا، ونائب رئيس الوزراء الأسبق عبد الحفيظ الزليطني.
ويقبع معظم هؤلاء المتهمين في السجون بمدينتي طرابلس ومصراتة منذ القبض عليهم في الفترة التي تلت سقوط النظام، وما تلا ذلك من أحداث مسلحة.
وكان المسار القضائي لهذه القضية قد شهد محطات بارزة، إذ أصدرت المحكمة حكما ابتدائيا في 28 مايو/أيار 2015 قضى بإعدام عدد من المتهمين والسجن المؤبد لآخرين.
وعقب ذلك، تم الطعن في الأحكام أمام المحكمة العليا التي نقضت الحكم وأحالت الدعوى مجددا إلى محكمة استئناف طرابلس، لتتداول في القضية لأكثر من 4 سنوات أخرى قبل صدور حكم البراءة الأخير.
وأثار حكم البراءة موجة واسعة من ردود الفعل والجدل على منصات التواصل الاجتماعي، إذ أعاد ناشطون تداول مقطع فيديو يوثق السنوسي وهو يحرض علنًا على قمع المتظاهرين إبان أحداث ثورة فبراير 2011، مما أثار لغطاً كبيراً حول تباين المشاهد بين التبرئة القضائية والتوثيق التاريخي.
يُشار إلى أن القيادات البارزة المشمولة بحكم البراءة هذا، لا يزال بعضها يواجه ملاحقات وقضايا جنائية أخرى منفصلة ترتبط بحقب زمنية مختلفة، ومن أبرزها ما يواجهه رئيس جهاز الاستخبارات الأسبق، عبد الله السنوسي، من محاكمات مستمرة ومؤجلة في قضية مجزرة سجن أبو سليم التي تعود لعام 1996.
يُذكر أن الليبيين كانوا قد أطاحوا بحكم القذافي عام 2011 إثر ثورة شعبية اندلعت في 17 فبراير/شباط، وتحولت لاحقا إلى مواجهات مسلحة حُسمت بمقتل القذافي في أكتوبر/تشرين الأول من العام ذاته، لتنتهي بذلك فترة حكمه التي استمرت لأكثر من 4 عقود.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة