في الحروب السابقة بين إسرائيل وحزب الله، كان وقف إطلاق النار يحمل معنى واضحاً للعائلات الجنوبية: العودة إلى القرى مهما كان حجم الدمار.
كانت الطرق تُفتح سريعاً، وتبدأ ورش إزالة الركام، فيما يعود السكان إلى منازل متصدعة أو نصف مهدّمة بانتظار إعادة الإعمار، على وقع قناعة راسخة بأن النزوح يبقى مرحلة مؤقتة مهما طالت الحرب.
لكن المشهد هذه المرة يبدو أكثر تعقيداً.
أجزاء واسعة من جنوب لبنان تحولت إلى مناطق مدمّرة أو شبه خالية من السكان، فيما تسيطر القوات الإسرائيلية على عدد من البلدات الحدودية، ما جعل فكرة العودة نفسها موضع شك للمرة الأولى منذ عقود.
داخل مراكز الإيواء والشقق المكتظة، لم تعد أحاديث النازحين تقتصر على خسارة المنازل والأرزاق، بل باتت تدور حول هواجس أعمق تتعلق بطول أمد الغياب، واحتمال عدم العودة.
الحرب فتحت أيضاً نقاشاً يتجاوز البعد الإنساني، ليصل إلى أسئلة مرتبطة بالتوازنات السكانية والتحولات الاجتماعية في بلد ترتبط فيه الجغرافيا بالسياسة والطائفة والنفوذ، وتتحول فيه حركة السكان إلى قضية تتجاوز حدود الحرب.
في شقة مستأجرة في عاليه، تحاول سعاد، النازحة من بلدة عيترون الجنوبية، التأقلم مع حياة تبدو مؤقتة من الخارج، لكنها تطول يوماً بعد يوم.
تقول إن ما يرهق النازحين اليوم ليس الخروج من القرى فحسب، بل الغموض الذي يحيط بالمستقبل.
“في السابق كنا نغادر ونحن نعرف أننا سنعود، أما اليوم فلا أحد يعرف مصير قرانا” تقول سعاد.
وتوضح لموقع “الحرة” أن الحديث عن العودة بين أفراد عائلتها تراجع تدريجياً، بعدما بات مرتبطاً بأسئلة تتجاوز وقف النار. “الناس لم تعد تسأل فقط إن كانت المنازل مدمّرة، بل إن كانت العودة ممكنة أساساً”.
هذا القلق لم يعد محصوراً بالبلدات الحدودية، بل امتد إلى يوميات مئات آلاف النازحين المنتشرين في مناطق لبنانية مختلفة.
من جهتها، تقول منال، النازحة من بلدة الخيام، إن “مخاوف النازحين باتت فرض حلول سكنية دائمة خارج الجنوب، عبر مجمعات سكنية ومراكز إيواء ثابتة قد تتحوّل مع الوقت إلى بديل عن العودة”.
وتضيف منال لموقع “الحرة” إن ما يريده أبناء الجنوب اليوم يتجاوز المساعدات أو المأوى المؤقت. نريده أن نعود ونلمس أرض الجنوب”، واصفة كيف تحوّلت تفاصيل الحياة اليومية البسيطة إلى مصدر حنين دائم “الشرفة التي كانت تجتمع عليها العائلة مساءً، الأرض التي يعرف أصحابها كل شجرة فيها، رائحة التراب بعد المطر”.
وتؤكد أن الجنوب بالنسبة لأبنائه ليس حدوداً جغرافية أو مكاناً للسكن، بل جزءاً من الهوية والذاكرة والحياة، مشددة على أن “أجسادنا هنا، لكن قلوبنا ما زالت هناك، أمام بيوت تركناها على عجل”.
وسبق أن أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس أن الجيش الإسرائيلي يعتزم إقامة منطقة عازلة في جنوب لبنان، تمتد من الحدود حتى نهر الليطاني، محذراً من أن نحو 600 ألف من سكان الجنوب لن يتمكنوا من العودة إلى قراهم قبل ضمان أمن سكان شمال إسرائيل.
ولم تقتصر التحذيرات والإجراءات الإسرائيلية على منطقة جنوب الليطاني، بل امتدت أيضاً إلى مناطق جنوب الزهراني، حيث طالب الجيش الإسرائيلي السكان بالانتقال إلى شمال الزهراني، وإلى بلدات في البقاع، في خطوة أثارت مخاوف متزايدة من اتساع نطاق الإخلاءات.
ورغم الهدنة المعلنة منذ 16 أبريل، والتي جرى تمديدها حتى 17 مايو، لا تزال المواجهات الميدانية مستمرة بين حزب الله وإسرائيل، في مشهد يعكس هشاشة التهدئة وصعوبة تثبيت وقف إطلاق النار.
في حرب عام 2006، توزّع النازحون الجنوبيون بين مناطق لبنانية مختلفة، فيما غادر عدد منهم إلى سوريا والعراق. أما في الحرب الحالية، فتبدو خريطة النزوح مختلفة بوضوح، “مع تركز القسم الأكبر من النازحين داخل بيروت وجبل لبنان، ولا سيما في الشوف وعاليه، مقابل تراجع التوجه نحو المتن وكسروان وجبيل”، بحسب مدير شركة “إحصائيات لبنان” ربيع الهبر.
ويشير الهبر في حديث لموقع “الحرة” إلى أن الوجود الشيعي في قضاء عاليه “كان يتركز قبل الحرب في بلدتي القمطية وكيفون، إلا أن النزوح الحالي قد يدفع نحو تمدده إلى مناطق أعمق داخل القضاء”. ويرى أن المشهد نفسه قد ينسحب أيضاً على قضاء الشوف، “ولا سيما منطقة إقليم الخروب ذات الغالبية السنية”.
ويعتبر الهبر أن المعطيات الحالية لا تشير إلى نزوح قصير الأمد “عندما نتحدث عن نحو ستين ألف وحدة سكنية مدمرة، فهذا يعني عملياً أن ما بين 250 ألفاً إلى 300 ألف شخص أصبحوا من دون منازل”.
وفي بعض المناطق، انعكست الهواجس على إجراءات البلديات، التي فرضت ضوابط على عمليات التأجير وتنظيم السكن، وسط حساسية لبنانية مزمنة تجاه أي تبدلات سكانية واسعة، إلى جانب مخاوف أمنية مرتبطة بإمكانية وجود أشخاص مستهدفين بين المستأجرين الجدد.
وتجاوز عدد النازحين في لبنان عتبة المليون شخص، بحسب ما أعلنته الأمم المتحدة قبل أيام، مشيرة إلى أن نحو 126 ألفاً يقيمون داخل أكثر من 600 مركز إيواء جماعي موزعة في مختلف المناطق اللبنانية، فيما لا يزال القسم الأكبر من النازحين يعيش خارج الملاجئ الرسمية.
وبحسب وحدة إدارة مخاطر الكوارث في السرايا الحكومية، بلغ العدد الإجمالي للنازحين المقيمين داخل مراكز الإيواء حتى 12 مايو نحو 127,721 نازحاً، يتوزعون على 33,125 عائلة.
لأكثر من أربعة عقود، شكّل جنوب لبنان الامتداد الجغرافي الأساسي لنفوذ حزب الله الشعبي والسياسي، باعتباره مركز ثقله البشري والتنظيمي وبيئته الحاضنة الأوسع.
التطورات التي فرضتها الحرب الحالية تطرح تساؤلات حول ما إذا كان الحزب سيسعى إلى توسيع حضوره داخل مناطق لبنانية أخرى.
وفي هذا السياق، يرى الصحافي طوني بولس أن “ما يجري يرتبط بمحاولة الحزب إعادة التموضع داخل لبنان بعد الحرب الأخيرة، أمنياً وديموغرافياً”، لكنه يشير إلى “وجود وعي لبناني متزايد تجاه أي تغيير قد يفرض لاحقاً وقائع سياسية وأمنية جديدة، سواء داخل البيئات المسيحية أو الدرزية أو لدى شرائح واسعة من اللبنانيين”.
ويشير بولس في حديث لموقع “الحرة” إلى أن “تجارب النزوح السابقة أظهرت اعتراضات واسعة على إقامة مراكز ثابتة أو مساكن دائمة خارج بيئة الحزب التقليدية”، مشدداً على أنه “رغم حصول بعض عمليات البيع أو الاستئجار الفردية، فإن الحزب لا يزال بعيداً عن فرض تغيير جذري في التوازنات السكانية”.
كذلك لا يعتبر المحلل السياسي بديع قرحاني أن ما يجري مقدمة لتغيير دائم في الخريطة السكانية للطائفة الشيعية في لبنان.
يقول قرحاني لموقع “الحرة” إن غالبية النازحين ما زالوا ينظرون إلى وجودهم الحالي باعتباره مرحلة مؤقتة فرضتها الحرب “أهل الجنوب مرتبطون بأرضهم بشكل كبير. حتى لو دُمّرت المنازل، فإن فكرة البقاء بعيداً عن القرى ليست سهلة بالنسبة إليهم”.
ويؤكد قرحاني على أن “أي استراتيجية للحزب لإنشاء معاقل جديدة خارج مناطقه التقليدية ستصطدم بحائط مسدود بسبب التركيبة اللبنانية”.
في المقابل، يشدد بولس على أن مسؤولية معالجة هذا الملف “تقع أولاً وأخيراً على عاتق الدولة اللبنانية، لأن استمرار غياب الدولة يفتح الباب أمام محاولات فرض وقائع ديموغرافية وأمنية جديدة بقوة الأمر الواقع”.
وفي السياق، يتمسك لبنان، خلال المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، بجملة مطالب يعتبرها أساسية للوصول إلى اتفاق سلام، أبرزها “تثبيت وقف إطلاق النار، وانسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية، وإطلاق الأسرى، إلى جانب ضمان عودة النازحين إلى قراهم، وبدء مسار إعادة الإعمار في المناطق المتضررة”.
على أن الكثير من النازحين لا ينشغلون بالحسابات الكبرى بقدر انشغالهم بأسئلة الحياة اليومية: أين سيعيشون إذا طال أمد الحرب؟ وكيف سيؤمّنون معيشتهم بعدما فقد عدد كبير منهم أعماله ومصادر رزقه؟
المصدر:
الحرة