آخر الأخبار

هرمز على حافة الهاوية.. ما الذي يتغير في الحرب على إيران؟

شارك

بعد الأحداث المتصاعدة في المياه المحيطة بمضيق هرمز أمس الاثنين، ثمة نتيجة يمكن أن تؤطر الأزمة في المنطقة، وهي أن ما يجري ليس حربا بالمعنى الكلاسيكي الذي يسعى فيها أحد الطرفين إلى حسم سريع وانتصار معلن، بل رغبة في إعادة صياغة جذرية لقواعد اللعبة الإقليمية برمتها.

وفي تصريحات مختلفة للجزيرة نت، أجمع باحثون وخبراء على أن الحرب على إيران باتت تُخاض بالأعصاب والوقت والضغط التراكمي أكثر مما تُخاض بالصواريخ والمدافع؛ فلا الولايات المتحدة تسعى إلى مغامرة عسكرية تكلفها ما لا تحتمله سياسيا واقتصاديا، ولا إيران تغامر بمواجهة مكشوفة مع القوة الأولى في العالم.

وفي قلب هذه المعادلة الدقيقة يقع مضيق هرمز؛ ليس بوصفه سيفا مسلولا مشهرا في وجه الأطراف المقابلة، بل كإصبع موضوع على الزناد يكفي وجوده وحده لتغيير حسابات الجميع، وإرباك أسواق الطاقة، وفرض واقع إقليمي جديد لم تكتمل ملامحه بعد.

وما يتقاطع فيه المحللون المتخصصون الذين رصدوا هذه الأزمة هو أن إيران اكتشفت في لحظة الحرب حقيقة مغايرة لما جرت عليه العادة: أن قيمة المضيق لا تكمن في إغلاقه فعليا، فالإغلاق الكامل سيُلحق بطهران أذى موجعا قبل غيرها، بل في تحويله إلى مصدر خوف عالمي دائم وأداة ضغط لا تنقطع تأثيراتها.

كما يتفقون أيضا على أن منطق هذه الحرب يُنبئ بأن الحسم العسكري السريع وهمٌ أثبتته الهجمات المتبادلة في ميادين الاشتباك؛ فكلا الطرفين يعرف أن ثمن الضربة القاضية يتجاوز ما يمكن احتماله، وكلاهما يُدرك أن المواجهة ستطول، وأن الأكثر قدرة على استيعاب الكلفة هو من سيُملي شروط ما بعد الصراع. والأخطر من ذلك أن مفهوم الأمن في الخليج بات يُكتب من جديد كل يوم تحت ضغط الوقائع، لا وفق المعادلات الراسخة التي اطمأنت إليها المنطقة عقودا.

وأمس الاثنين، بلغ التصعيد في مياه الخليج العربي منعطفا حرجا جديدا أربك حسابات كثيرين كانوا يراهنون على تجمّد الأوضاع دون انفجارها. وحسب التقارير المنشورة أمس، فقد أطلقت القوات الإيرانية صواريخ ونشرت طائرات مسيّرة باتجاه مواقع بحرية أمريكية وناقلة نفط مرتبطة بالإمارات، وتعرّضت زوارق سريعة للتطويق والتدمير.

إعلان

وجاء ذلك ردا على ما أسمته واشنطن "مشروع الحرية"، وهو عملية لتأمين عبور السفن التجارية المحاصرة بالخليج وخارجه، محذرة من أن أي تحرك إيراني غير منسق سيُعد انتهاكا صريحا. وسرعان ما حذّر رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف من أن "معادلة جديدة تتشكّل في هرمز"، في حين وصف الرئيس الأمريكي دونالد ترمب ما يجري بأنه "حرب مصغرة"، مفضلا الصبر الإستراتيجي على الاندفاع.

مصدر الصورة

هرمز.. ممر يتحول إلى سلاح

كشفت الحرب الراهنة عن تحوّل نوعي في علاقة طهران بمضيق هرمز، ولم يعد مجرد تهديد يُلوح به في لحظة الغضب، بل يتم توظيفه توظيفا إستراتيجيا ممنهجا لممر يتحكم في خُمس إمدادات النفط والغاز العالمية يوميا، وهكذا تحوّل هرمز من نقطة جغرافية محدودة المساحة والامتداد إلى رهان وجودي في قلب مواجهة كبرى.

ولعل أبرز من تحدث عن هذا التحول الجذري كان الإعلامي الكويتي الدكتور صالح المطيري، في مقال له بموقع الجزيرة نت، إذ يرصد كيف اكتشفت إيران في هذه الأزمة ما لم تُدركه بالقدر ذاته في المواجهات السابقة؛ فقيمة المضيق لا تكمن في القدرة على إغلاقه، وإنما في تحويله إلى "مصدر خوف عالمي دائم"، وهو ما يكفي إحداث اضطراب متعدد الموجات والأبعاد؛ ليرتفع التأمين البحري، وتتغيّر مسارات الناقلات، وتتوتر الأسواق العالمية، حتى قبل أن تُطلق رصاصة واحدة.

ويعمق خبير الأمن البحري والعلاقات الدولية اللواء محمد عبد الواحد هذه الصورة بأبعاد جيوسياسية دقيقة، مُشيرا إلى أن إيران تعلم أن هرمز ليس مجرد حوض مياه في منطقة جغرافية، بل نقطة بالغة الأهمية تستطيع من خلالها التحكم في التجارة الدولية، وتدرك كذلك حجم حرص الولايات المتحدة على هذا الممر، حيث تمتلك في المنطقة العديد من القواعد العسكرية.

وأضاف عبد الواحد -في تصريحات للجزيرة نت- أن إيران أحكمت قبضتها على هذا الممر باستثمار طبيعة جغرافية لا مثيل لها؛ حيث يمتد مدى نيرانها ليغطي طول الخليج العربي ومضيق هرمز وخليج عمان بالكامل، مما يجعل أي اختراق لمنظومتها الدفاعية مكلفا للغاية من دون استخدام قوة غاشمة تنبئ بتداعيات لا حدود لها.

أما الرئيس التنفيذي لمجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية الدكتور خالد الجابر فيلخص معادلة التوازن الخطير في صورة بليغة: إيران لا تُطلق الرصاصة، لكنها تضع الإصبع على الزناد، وهذا وحده يكفي لزعزعة أسواق الطاقة وإرباك الاقتصاد الدولي.

وعلى الناحية المقابلة، تدرك واشنطن أن أي رد متهور قد يشعل سلسلة تفاعلات لا يمكن السيطرة عليها؛ والنتيجة ليست توازنا هادئا، بل التوتر الدائم المتحكم فيه بدقة بالغة، حيث يراقب كلا الطرفين بعضهما البعض بعيون مفتوحة وإصبع يلامس الزناد، حسب ما قاله الجابر في تصريحات للجزيرة نت.

وتتكامل هذه الرؤية مع ما يسجله الباحث الأول في معهد الشرق الأوسط بواشنطن والمتخصص في الشؤون الإيرانية أليكس فاتانكا -في مقال سينشر لاحقا في موقع الجزيرة نت- حين يشير إلى أن ما كان سابقا مجرد تهديد يُحفظ لأوقات الأزمات القصوى، أصبح الآن "أداة نشطة متعددة الأوجه": عسكريا من خلال الاحتكاك الخشن وتوجيه الرسائل في مياه الخليج، واقتصاديا عبر تعطيل تدفقات الإمداد ورفع تكاليف التأمين البحري إلى مستويات غير مسبوقة، وسياسيا عبر إجبار الفاعلين العالميين على التركيز والانخراط في أزمة لم تعد شأنا إقليميا ضيقا.

مصدر الصورة ترمب وصف ما يجري بأنه "حرب مصغرة" مفضلا الصبر الإستراتيجي على الاندفاع (الفرنسية)

من لغة التهديد إلى انتزاع المكاسب

لقد تراجعت في الأسابيع الأخيرة حدّة التهديدات الإيرانية الصريحة المتعلقة بإغلاق هرمز، ولم يكن هذا التراجع انكفاء إستراتيجيا أو تراجعا؛ فالخطاب انكسر في شكله الظاهري لكنه ازداد صلابة ودهاء في مضمونه، وتحوّل بدقة من إثارة الخوف الآني إلى انتزاع المكاسب وفرض الواقع الجديد بأدوات أكثر تعقيدا وأبعد أثرا.

إعلان

ويتبنى الدكتور الجابر وصفا جامعا لهذا التحول حين يشير إلى أن اللغة أصبحت "أكثر برودة لكنها أشد قسوة في مضمونها"، إذ لم يعد الهدف إثارة الخوف الآني، بل فرض واقع جديد وتحقيق أقصى قدر من المكاسب تحت سقف التصعيد المحسوب. مضيفا أنها لغة من يعرف حدود قوته ويضغط عليها حتى آخر مدى دون أن يكسرها، ساعيا إلى انتزاع التنازلات عبر إدارة الغموض لا عبر الاندفاع الأعمى.

ويوثق الدكتور المطيري هذا التدرج الخطابي الإيراني؛ إذ يرصد كيف أن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أكد في الساعات الأولى أن إيران لا تنوي إغلاق المضيق، في رسالة تهدئة موجهة للمخاوف الدولية. ثم سرعان ما بدأت تظهر لغة مختلفة تتحدث عن "حقوق الشعب الإيراني في المضيق"، وهو تعبير ينقل النقاش برمّته من أمن الملاحة إلى ملكية النفوذ.

ويلفت اللواء محمد عبد الواحد إلى بُعد جوهري في معركة الخطاب يتجاوز الشكل إلى الجوهر: إنه الصراع على امتلاك السردية، فكلا الطرفين يسعى لاحتلال موقع "الجهة الشرعية" في أذهان الرأي العام العالمي والإقليمي. وتتصرف إيران "كأنها منتصرة تماما"، مستمدة ثقتها الزائدة من امتلاك ورقة إستراتيجية نادرة يعرف العالم كله ثمنها.

وهذه الثقة بالنفس تنعكس على أسلوب الخطاب الذي لم يعد يصدر من موقع الضعيف المُهدَّد، بل من موقع من يملك أوراقا ثمينة ويحسن توظيفها، حسب وصف المتحدث نفسه.

أما فاتانكا فيميز بحكم معرفته الوثيقة بالداخل الإيراني بين خطاب رسمي موحّد وجدل داخلي حقيقي لا يُفصح عنه علنا؛ فبينما يصور المسؤولون المتشددون المفاوضات على أنها خيانة للثوابت، يرى البراغماتيون أن الدبلوماسية ليست انحرافا عن الإستراتيجية الحالية بل تعد امتدادا لها، والطريقة الوحيدة لتحويل المكاسب الميدانية إلى نتائج سياسية راسخة. وهذا الانقسام الداخلي هو في حد ذاته عامل مؤثر في رسم ملامح الخطاب الإيراني الخارجي وتذبذباته، حسب المتحدث نفسه.

مصدر الصورة استمرار الأزمة حوّل المنطقة إلى "بيئة مشبعة بالخسائر المتبادلة" (الجزيرة)

منطق رفع الكلفة والجميع يدفعها

وحسب الخبراء الذين تحدثوا للجزيرة نت، فليس في هذه المواجهة طرف يخرج منها بنصر مطلق وكلفة صفرية؛ فإيران تنزف اقتصاديا ويئن شعبها تحت وطأة العقوبات والحرب، والولايات المتحدة تدفع ثمنا سياسيا وعسكريا واجتماعيا متصاعدا، والمنطقة بأسرها تتحمل فاتورة الاضطراب في الطاقة والملاحة والأمن. هذا هو منطق "رفع الكلفة على الجميع" الذي يتعمد كل طرف تأجيجه لجعل الاستمرار في المواجهة أمرا لا يُتحمل على خصمه.

ويلفت فاتانكا النظر إلى الأرقام التي لا تكذب؛ فقد ارتفعت أسعار النفط، وتباطأت حركة الشحن، وزادت تكاليف التأمين البحري إلى مستويات غير مسبوقة، وتشعر دول المنطقة بقلق متزايد بشأن القادم، ولم تعد تكاليف المواجهة محصورة في إيران والولايات المتحدة، بل أصبحت عالمية بامتياز.

ويؤطر الجابر هذه الأزمة في عبارة "بيئة مشبعة بالخسائر المتبادلة"، والرسالة الضمنية التي يرسلها كل طرف للآخر لا تحتاج إلى ترجمة: "إذا خسرنا ستخسرون معنا". وهذا المنطق في حد ذاته يجعل كل تصعيد رسالة مزدوجة: تحذير للخصم وتثبيت للموقف أمام الرأي العام الداخلي في الوقت ذاته.

ومن زاوية عسكرية، يحدد عبد الواحد الطبيعة غير المتماثلة لهذه الحرب؛ فإيران تعظم قدرتها المحدودة بتوظيف الجغرافيا ودمج العناصر الاقتصادية والعسكرية في بنية هجومية متكاملة، هدفها الأساسي إيصال رسالة واحدة: الانتصار على إيران لن يكون إلا بتكلفة عالية جدا يصعب على أي طرف تحمّلها سياسيا وشعبيا.

ويضيف المطيري فكرة "مشاركة المنطقة في الألم"، فحين تتعرض إيران للضغط يُصبح المطلوب في الحساب الإيراني أن يشعر الآخرون (دول الخليج والأسواق العالمية وشركات الشحن والاقتصادات الكبرى) بالكلفة أيضا. أي أن رفع كلفة الحرب إقليميا ودوليا إلى حد لا يُحتمل قد يدفع القوى الكبرى ذاتها إلى التدخل لوقفها أو الحد منها، مما يمنح إيران حليفا غير مباشر هو "الألم الاقتصادي المشترك".

مفهوم الأمن الخليجي يتغير

كانت معادلة الأمن الخليجي تقوم على ركائز ظلّت صامدة لعقود: حضور عسكري أمريكي مكثف يشكل مظلة رادعة، وترتيبات ثنائية مستقرة، وخطوط حمراء واضحة تدرك جميع الأطراف كيفية التعامل معها. واليوم لم تعد تلك الركائز تعمل بالكفاءة ذاتها؛ إذ تجد دول الخليج نفسها في مواجهة ملحة لإعادة تعريف ما يعنيه الأمن في منطقة لم تعد قواعدها ثابتة ولا مرجعياتها راسخة.

إعلان

فالرئيس التنفيذي لمجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية يقول إن مفهوم الأمن في الخليج "انكسر شكله القديم"، ولم يعد الأمر مسألة حماية حدود أو ممرات فحسب، بل إدارة فوضى محتملة في أي لحظة، والأمن لم يعد ضمانة مُمنوحة، بل "معادلة متغيرة تُكتب كل يوم تحت ضغط الواقع".

ويقدم خبير الأمن البحري بُعدا قانونيا في هذا التحول؛ إذ يشير إلى أن إيران رسمت خرائط جديدة لمضيق هرمز وأعلنت أن مناطق بعينها تخضع لسيطرة الحرس الثوري، موجهة تحذيرا صريحا بأن أي سفينة تحاول العبور من دون تنسيق مسبق تعرض نفسها للخطر.

وأضاف اللواء عبد الواحد أن إيران ترفض بذلك مبدأ "حق المرور العابر" المكفول بالقانون الدولي، متمسّكة بمصطلح "حق المرور البريء" الذي يتيح لها صلاحيات أوسع في تفتيش السفن ومراقبتها، مما يضع جزءا من المضيق ضمن نطاق مياهها الإقليمية.

ويشير الإعلام الكويتي الدكتور المطيري إلى أن القلق الخليجي الحقيقي لا يتمحور فقط حول احتمال إغلاق هرمز، بل حول "التصور الذي بدأ يتكشف خلف الخطاب الإيراني"، فحين يجري الحديث عن ترتيبات أمنية خاصة ومشاركة إيرانية في إدارة الأمن البحري وحقوق تاريخية وسيادية في المضيق، يصبح السؤال الجوهري: هل ينظر الإيرانيون إلى الخليج بوصفه فضاء متكافئ السيادة بين دول مستقلة، أم مساحة للنفوذ تحتاج إلى "إدارة خاصة" يعينون هم قواعدها وحدودها؟

ويختم الباحث في معهد الشرق الأوسط بواشنطن هذا المحور بتحذير مستقبلي بالغ الأهمية: التعطيل المطول لمضيق هرمز يهدد بإثارة ما حاولت إيران تجنبه طويلا، وهو الاصطفاف التدريجي للجهات الفاعلة الخارجية ضدها، مدفوعة بالضرورة الاقتصادية أكثر من الحسابات السياسية، وحين يجد المستهلكون الكبار في آسيا وأوروبا أن مصالحهم الحيوية باتت مهددة فقد يؤثر ذلك على مواقفهم ودبلوماسيتهم بطرق تخدم أهداف واشنطن وليس طهران.

وفي نهاية المشهد بكل تعقيداته المتشابكة وتناقضاته المُربكة، يتقاطع المحللون الأربعة على خلاصة واحدة: هذا الصراع لا يمكن حلّه بالقوة وحدها، ولا يمكن لأي طرف فرض نتيجة حاسمة بكلفة مقبولة، وما أفرزته الحرب والهدنة الهشة التي أعقبتها هو في حقيقته "فرصة" نادرة وثمينة، ليس للنصر الكامل بل لاختراق سياسي حقيقي، إذا سُمح لأدواته بالبدء جديا وواقعيا.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا