آخر الأخبار

مشروع "بلهاء ماكنمارا..هل يمكن اختزال هزيمة استراتيجية في معادلة رياضية بسيطة؟

شارك

كان روبرت ماكنمارا، وزير الدفاع الأمريكي إبان حرب فيتنام والمعروف بأنه مهندسها، يعتمد في تقييم مسار الحرب ونجاحها بشكل شبه حصري على "عدد القتلى".

كان روبرت ماكنمارا، وزير الدفاع الأمريكي إبان حرب فيتنام والمعروف بأنه مهندسها، يعتمد في تقييم مسار الحرب ونجاحها بشكل شبه حصري على "عدد القتلى".لقد نقل بذلك إلى عالم الصراع العسكري والأخلاقي المعقد، صيغة إدارية قادمة من عالم صناعة السيارات، مستمدا من خلفيته السابقة في شركة "فورد موتور" النزعة إلى اختزال الحقائق كلها في بيانات رقمية يمكن عدّها وحسابها. هكذا، بتجاهله عوامل حاسمة غير قابلة للقياس الكمي المباشر، مثل معنويات العدو المتصاعد وإرادته السياسية الصلبة والأبعاد الثقافية والوطنية للشعب الفيتنامي، واقتصاره على تطبيق منهج كمي مُنمَّق وجاف على واقع الحرب المتشعب، قدم للإدارة الأمريكية في تلك الحقبة العصيبة مقياسا مضللا بشكل فادح.

لم يكتف هذا النهج بالإخفاق في رصد الحقائق السياسية والمعنوية على الأرض، بل شجّع أيضا على تضخيم التقارير العسكرية والتفاؤل الزائف، كما جرّد الصراع الدموي من إنسانيته وحقيقته المريرة. أصبح ماكنمارا بذلك رمزا لاستراتيجية حرب آلية باردة، وتجسيدا صارخا لانفصال النخبة الحاكمة عن تعقيدات الواقع ووقائعه.

اللافت أن مهندس الحرب هذا، الذي بدا في أوج الأحداث واثقا من منهجه، مستخدما سيل البيانات الرقمية لفرض رؤيته وترسيخ سيطرته، كان يخفي في داخله، منذ مرحلة مبكرة، شكوكا عميقة في إمكانية تحقيق النصر فيما بدأ يرى أنها حرب خاسرة، بدأ يشكك في جدواها منذ عام 1966، وبحلول عام 1967 كان يضغط بالفعل من أجل خفض التصعيد. لكن المقياس المرعب الذي أرساه، ذلك الحساب الجامد لأعداد القتلى من الجانبين، كان قد خلق هوة عميقة بين التفاؤل الرسمي المُعلن والواقع الميداني المر، ما أضرّ بشكل بالغ بثقة الرأي العام الأمريكي بمؤسساته.

بنهاية المطاف، جاء اعترافه المتأخر في مذكراته "نظرة إلى الماضي" عام 1995، أي بعد 27 عاما من تركه منصبه، ليُبرز هذا التناقض الصارخ: "لقد كنا مخطئين، مخطئين للغاية". كان هذا الاعتراف كاشفا لنوع مرير من النفاق، أو على الأقل انفصاما بين المعرفة الخاصة والشجاعة العامة.

مصدر الصورة

انطلق ماكنمارا، الرجل الذي لا يعرف إلا لغة الأرقام، من قاعدة إدارية مخادعة مفادها: "إذا لم تستطع قياس ما هو مهم، فاجعل ما يمكنك قياسه مهما". بالفعل، لأنّه لم يكن متأكدا من كيفية قياس عوامل حيوية مثل الإرادة الوطنية أو شرعية النظام الحليف، ركّز كل جهده على ما يستطيع عدّه وحسابه، وهو عدد الجثث. أغفل بذلك أبعادا أكثر جوهرية، وإن كانت عصية على القياس المباشر، مثل قوة التصميم على المقاومة واستعداد الشعب الفيتنامي للتضحية من دون حدود.

تتجلى طريقة تفكير وعمل هذا "المهندس" بوضوح في حادثة دالة وقعت عام 1962، خلال محادثة هاتفية مع العميد إدوارد لانسديل، قائد القوات الجوية الأمريكية. حين أبلغ لانسديل الوزير بضرورة إضافة "عامل غير محدد" يتعلق بتوجهات وسلوك سكان الريف الفيتنامي البسطاء، قام ماكنمارا بتدوين هذا العامل في قائمة مؤشراته، ثم سأل عن ماهيته المحددة. فأجابه العميد: "إنه المشاعر". عندئذ، شطب ماكنمارا العامل فورا من القائمة، معللا ذلك بسخرية باردة بأنه لا يستطيع قياس المشاعر.

من المواقف التي تكشف الهوة بين الحسابات المجردة والواقع الإنساني والسياسي، ما جرى في مارس 1964، عندما طلب الرئيس ليندون جونسون من ماكنمارا التقاط صور مع رئيس وزراء فيتنام الجنوبية وقائد الانقلاب العسكري آنذاك، الجنرال نغوين خان، أثناء "تبسمه والتلويح بيديه"، لإظهار الدعم الأمريكي الكامل لنظامه الهش. خلال جولة مُنسقة مع الجنرال قبيل مغادرته المطار، حاول ماكنمارا إضافة لمسة على المشهد، فرفع يد الجنرال الفيتنامي وهو يردد ثلاث مرات عبارة باللغة الفيتنامية هي شعار وطني يعني حرفيا "ألف عام لفيتنام" ويقصد به "فيتنام للأبد". لكن النطق الخاطئ للوزير الأمريكي حول العبارة في أذن السامعين الفيتناميين إلى جملة أخرى ساخرة وهي: "الفرخ يريد أن يستلقي!"، ما أضحك القريبين من الحدث.

لعل من أكثر إرثه دموية وسخرية في آن معا، ذلك البرنامج الذي اشتهر لاحقا باسم "بلهاء ماكنمارا" بين عامي 1966 و1971. في إطار هذا البرنامج، الذي عُرف رسميا باسم "مشروع 100.000"، اقترح وزير الدفاع تخفيض المتطلبات الفكرية والبدنية للمجندين في الجيش الأمريكي، بهدف جذب المتطوعين من أفقر شرائح المجتمع وأقلها تعليما. على مدار خمس سنوات، تم تجنيد نحو 345.000 شاب ذوي مهارات محدودة وإرسالهم إلى جبهات القتال في فيتنام. سرعان ما أثبتت التجربة كارثيتها، فـهؤلاء الجنود كانوا يفتقرون إلى مهارات القتال الأساسية، وكانت أسلحتهم تشكل خطرا أكبر على زملائهم من الخطر الذي يشكله العدو الفيتنامي، وكانت نسبة إصاباتهم وضحاياهم أعلى بكثير من نظرائهم النظاميين.

اعتبر الضباط المحترفون هذه المبادرة كارثة عملياتية وأخلاقية، وبدأ إنهاؤها تدريجيا عام 1971. لكن الخسائر كانت قد وقعت، وذهبت ضحيتها حياة عشرات الآلاف من الأمريكيين، وملايين الفيتناميين، في حرب أدارها مسؤولون، على رأسهم ذلك الوزير القاسي، كان كل هَمّهم أن يناموا ليلتهم وهم يحسبون أن النجاح العسكري يُقاس بمجرد حصيلة أرقام قتلى باردة.

المصدر: RT

شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا