في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
يزداد المشهد ضبابية ويتواصل الغموض بشأن مصير المفاوضات، غداة إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترمب تمديد وقف إطلاق النار مع إيران إلى أجل غير مسمى، قبيل انتهاء مدة الأسبوعين التي جرى تحديدها، لتكون مهلة لإرساء اتفاق تتوقف معه الحرب التي استمرت لنحو 40 يوما.
وقبل ساعات قليلة من إعلانه الأخير، كان ترمب أكد -لشبكة "سي إن بي سي" الأمريكية- أنه لا يميل إلى تمديد الهدنة، وأن جيش بلاده "متحمس للانطلاق"، وسط حالة من التردّد وعدم اليقين بشأن ذهاب وفدي واشنطن وطهران إلى باكستان لاستئناف المفاوضات.
وفي حين ترى الولايات المتحدة أن التمديد فرصة للإيرانيين للحل عبر الدبلوماسية، ملوحة بالعودة إلى الخيار العسكري، تشدّد طهران على اشتراطها رفع الحصار البحري قبل الجلوس إلى طاولة المفاوضات، وسط تأكيدها الجاهزية العسكرية التامة لسيناريو عودة الحرب.
وفي هذه الأثناء، تواصل باكستان مساعيها في تقليص الفجوات بين البلدين، أملا في جولة أخرى من المباحثات، وسط استمرار الاستنفار الأمني والإغلاق في العاصمة إسلام آباد.
وتاليا، عرض مبسّط لتطورات الهدنة التي توصف بالهشة عقب إعلان التمديد بشكل أحادي من طرف واشنطن:
مساء أمس الثلاثاء، قال الرئيس الأمريكي -عبر منصته تروث سوشيال- إن بلاده وافقت على طلب الوسطاء الباكستانيين "بإيقاف هجومنا على إيران إلى أن يتسنى لقادتها وممثليها التوصل إلى اقتراح موحد، واختتام المباحثات، بطريقة أو بأخرى".
وقال ترمب إنه قرر تمديد وقف إطلاق النار، لأن "الحكومة الإيرانية منقسمة بشدة وهو أمر غير مفاجئ"، في إشارة إلى اغتيال الولايات المتحدة وإسرائيل بعض قادة البلاد، ومنهم المرشد الراحل علي خامنئي الذي خلفه ابنه مجتبى.
داخل البيت الأبيض: يُنظر إلى التمديد على أنه فرصة للإيرانيين لإرساء اتفاق عبر المسار الدبلوماسي، ويلوّح الرئيس الأمريكي بالخيار العسكري، إذا ما جرى "تفويت هذه الفرصة".
خارج البيت الأبيض: كان التمديد بالنسبة إلى خصوم ترمب مؤشرا إضافيا على عدم امتلاك الرئيس إستراتيجية للخروج من الأزمة.
ووفق مراسل الجزيرة في الولايات المتحدة أنس الصبار، فإن منتقدي ترمب أشاروا إلى أن الحرب مستمرة بالفعل، عبر فرض الحصار البحري الذي يكلف الأمريكيين أموالا طائلة، لا سيما مع استمرار التحشيد العسكري الأمريكي في المنطقة.
وتُثار التساؤلات في الولايات المتحدة بشأن جدية ترمب في التعاطي مع المسار الدبلوماسي، خصوصا مع زيادة القوات العسكرية، إذ تواصل حاملة طائرات ثالثة طريقها نحو الشرق الأوسط، لتضاف إلى اثنتين في المنطقة، إلى جانب مجموعة كبيرة من السفن والمدمرات، من بينها اثنتان من السفن البرمائية القادرة على تنفيذ عمليات إنزال برية.
في أحدث موقف لبلاده، أكد المتحدث باسم الخارجية الإيرانية أن طهران ستتخذ ما وصفها بـ"الإجراءات المناسبة" إذا توفرت "الظروف المنطقية" لاستخدام الدبلوماسية، من أجل "تحقيق مصالحنا وترسيخ إنجازات شعبنا في إحباط مخططات العدو الشريرة".
وأضاف المسؤول الإيراني أن بلاده تعتبر الدبلوماسية وسيلة للدفاع عن مصالحها الوطنية وأمنها، شاكرا باكستان على مساعيها في الوساطة من أجل إنهاء الحرب.
وقال "سنستفيد من أي فرصة وإمكانية لمحاسبة المعتدين ومرتكبي الجرائم الحربية وتأمين حقوق شعبنا والمطالبة بالتعويضات".
كانت وكالة تسنيم الإيرانية أكدت أن طهران لم تطلب تمديد وقف إطلاق النار، وكررت تهديداتها بكسر الحصار الأمريكي بالقوة.
أما مستشار محمد باقر قاليباف كبير المفاوضين الإيرانيين ورئيس مجلس البرلمان الإيراني، فاعتبر التمديد "مناورة لكسب الوقت" من أجل شن هجوم مباغت.
وذكر مستشار قاليباف -في منشور على منصة إكس– أن استمرار الحصار الأمريكي على الموانئ الإيرانية "لا يختلف عن القصف، ويجب الرد عليه عسكريا".
من جهته، قال عضو لجنة الأمن القومي في البرلمان الإيراني فداح حسين مالكي إن إخلال الولايات المتحدة بوعدها أعاق المرحلة التالية من المفاوضات.
عسكريا، قال الحرس الثوري الإيراني إنه مستعد لتحقيق ما وصفها بـ"إنجازات أكبر والكشف عن مفاجآت تتجاوز حسابات العدو"، عبر أدوات وأساليب جديدة في ساحة المعركة.
ونبّه الحرس الثوري إلى ضرورة التحلي باليقظة ومتابعة السلوك الأمريكي خلال المساعي الدبلوماسية، مشيرا إلى أهمية الاستفادة من التجارب السابقة، و"محاولات العدو المخادعة في مسار المفاوضات ووقف إطلاق النار".
وهدد بتوجيه ضربات ساحقة "لما تبقى من موارد العدو في المنطقة، ضمن أي جولة جديدة محتملة من المعارك".
خلال إعلانه تمديد الهدنة، شدد ترمب أيضا على مواصلة الحصار الذي تفرضه البحرية الأمريكية على الموانئ الإيرانية، وهو ما اعتبرته طهران عملا حربيا، وطالبت مرارا برفعه.
وحذّرت إيران من "العواقب الوخيمة" لاحتجاز القوات الأمريكية السفينة "توسكا" مساء الأحد، معتبرة أن الهجوم الأمريكي على السفينة الإيرانية "قرصنة بحرية وعمل إرهابي وانتهاك لوقف إطلاق النار".
أفادت وكالة أنباء فارس الإيرانية بأن الحرس الثوري استهدف اليوم سفينتين تجاريتين، قالت إنهما انتهكتا القوانين وحاولتا العبور من مضيق هرمز.
وكانت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية (يو كيه إم تي أو) أفادت بأن سفينة حاويات تجارية تعرّضت لإطلاق نار من زورق حربي تابع للحرس الثوري الإيراني على بعد 15 ميلا بحريا شمال شرق عُمان، مما أدى إلى وقوع أضرار جسيمة بجسر قيادة السفينة.
ونقلت وكالة تسنيم عن البحرية الإيرانية قولها إنه جرى مصادرة سفينتين مخالفتين ونقلهما إلى السواحل الإيرانية، وقالت إن السفينة الأولى هي "إم إس سي-فرانشيسكا"، وهي مرتبطة بإسرائيل، والثانية "إيبامينودس"، مشيرة إلى أنهما "عرّضتا الأمن البحري للخطر"، بسبب عدم الحصول على التصاريح اللازمة والتلاعب بأنظمة الملاحة.
ووفق مراسل الجزيرة في طهران محمد البقالي، فإن إيران تسعى عبر تصعيدها البحري اليوم إلى إرسال رسالة تؤكد من خلالها أن يدها هي العليا في مضيق هرمز، وسيطرتها غير قابلة للتجاوز، وأن أي عبور دون تنسيق أو إذن مسبق يُعدّ خرقا يستوجب الرد المباشر، في الوقت الذي يتواصل فيه الحصار الأمريكي.
تواصل إسلام آباد جهودها، على أمل انعقاد جولة جديدة من المباحثات.
وفي آخر التحديثات، نقلت وكالة أسوشيتد برس عن مسؤولين باكستانيين قولهم إن إسلام آباد لا تزال تنتظر رد طهران بشأن موعد إرسال وفد لجولة ثانية من المفاوضات.
وأكد المسؤولون أن باكستان عملت خلال الـ24 ساعة الماضية على منع انهيار المفاوضات وإقناع الولايات المتحدة بتمديد وقف إطلاق النار.
أفاد مدير مكتب الجزيرة في باكستان عبد الرحمن مطر بأن اجتماعا رفيع المستوى يجري في العاصمة، لتقييم التطورات الأخيرة، غداة تمديد وقف إطلاق النار، ومناقشة السبل والمقترحات لإقناع طهران بالحضور إلى جولة مفاوضات ثانية.
وقال مطر إن باكستان لديها آمال عريضة بأن تعقد جولة مفاوضات ثانية، لا سيما أن الوفدين التمهيديين لواشنطن وطهران، ما زالا موجودين منذ أول أمس الاثنين في إسلام آباد.
تواصل الإدارة المحلية في باكستان لليوم الثالث على التوالي إغلاق المربع الأمني الأساسي ونشر الآلاف من العناصر الأمنية، إلى جانب تعطيل العمل بكثير من الوزارات والمؤسسات الحكومية، استعدادا لانعقاد المفاوضات مجددا.
يصف مصدر مطلع لشبكة "إن بي سي" الأمريكية الوضع بأنه لا يزال "شديد التقلب"، مشيرا إلى أن ترمب عقد اجتماعا اليوم في البيت الأبيض مع نائبه جيه دي فانس، ومستشاريه ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، لمناقشة الخطوات المقبلة.
ونقلت قناة "فوكس نيوز" عن مصادر أن وقف إطلاق النار الذي مدده ترمب في إيران سيكون قصير الأمد ما لم يتم التوصل لاتفاق بسرعة.
ورغم تأكيده في مقابلة سابقة أنه لم تعد هناك "نقاط خلاف" مع السلطات الإيرانية، يطالب ترمب بإخراج اليورانيوم من إيران لمنعها من زيادة تخصيبه إلى درجة تمكنها من صنع سلاح نووي.
وتطرح واشنطن 3 مطالب رئيسية تتمثل في:
أما إيران فتطالب بما يلي:
ويطغى اليأس إجمالا من حدوث اتفاق نهائي وشيك في نظر محللين، معتبرين أن فرص التهدئة أقل من فرص التصعيد.
وفي هذا السياق، يرى باري بافيل، المساعد الخاص للرئيس جورج دبليو بوش، في مقال له على الجزيرة نت بعنوان ( "انقلبت اللعبة" وحصار ترمب نقطة تحول في الصراع)، أن التطورات الأخيرة في المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران لا تعني نهاية الصراع، بل تمثل نقطة تحول في مساره، مشيرا إلى أن تمديد وقف إطلاق النار لا يعكس تسوية نهائية بقدر ما يعكس إعادة تموضع مؤقت، في ظل بقاء الخلافات الجوهرية دون حل واستمرار الجاهزية العسكرية الأمريكية لاستئناف العمليات عند الحاجة.
كما يؤكد أن الحصار البحري الذي فرضته واشنطن شكّل تحولا حاسما في ميزان الضغط، إذ خلق نفوذا اقتصاديا مباشرا على طهران، مقابل تراجع فعالية تهديدها بإغلاق مضيق هرمز، موضحا أن الولايات المتحدة لم تكن بحاجة إلى إغلاق المضيق، بل اكتفت بمنع إيران من الاستفادة منه، وهو ما أجبرها على التراجع تحت وطأة الخسائر الاقتصادية المحتملة، بحسب وصفه.
ويحذر بافيل من أن هذا التحول لا يضمن استقرارا دائما، لافتا إلى أن القيادة الإيرانية لا تزال قائمة، وأن الحرس الثوري قد يخرج من هذه المرحلة أكثر تشددا وتصميما على إعادة بناء قدراته، مما يبقي احتمالات التصعيد قائمة على المدى المتوسط، ويجعل الأسابيع المقبلة حاسمة في تحديد إذا ما كانت هذه اللحظة تمثل تحولا فعليا أم مجرد هدنة مؤقتة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة