آخر الأخبار

الأردن بين العطش والسياسة.. أزمة تتفاقم وانفراج يلوح من بوابة سوريا

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

عمّان- في أحد أحياء منطقة البيادر بالعاصمة الأردنية عمّان، ينتظر محمد العموش يوم الأربعاء بترقب، إذ يحين دوره الأسبوعي في وصول المياه، فيسارع لفتح الصنبور وتعبئة الخزان خلال ساعات محدودة، في ظل واقع مائي صعب يفرض على الأسر الاكتفاء بحصتها الأسبوعية.

ويقول للجزيرة نت إن هذا الروتين أصبح جزءا من حياته، وإذا تأخرت المياه أو ضعفت، تبدأ الأزمة فورا، مضيفا أن كل تفاصيل يومه تُبنى على هذا الموعد، من الغسيل إلى الاستحمام وحتى الطبخ.

هذه القصة اليومية تختصر واقع بلد يُصنَّف ضمن أكثر دول العالم فقرا بالمياه، حيث لا تتجاوز حصة الفرد السنوية نحو 90 مترا مكعبا، أي أقل بكثير من خط الفقر المائي العالمي البالغ 500 متر مكعب، ما يعني فجوة مائية تصل إلى نحو 88%.

مصدر الصورة مواطن بتفقد خزانات منزله لحظة وصول المياه في منطقة البيادر بعمّان (الجزيرة)

موسم مطمئن

يصف مساعد الأمين العام الناطق الإعلامي باسم وزارة المياه الأردنية عمر سلامة، الموسم المطري الحالي بأنه مطمئن ومريح، حيث سجل 132% من الهطول السنوي العام البالغ 8.1 مليار متر مكعب سنويا، وهو الأفضل منذ 10 سنوات.

وقال سلامة للجزيرة نت إن هذا الموسم سيساعد كثيرا على تأمين احتياجات الزراعة، ما انعكس امتلاء للسدود في الوسط والجنوب، إلى جانب مئات السدود والحفائر الصحراوية وآلاف الآبار التجميعية، وسيسهم في تمكين الوزارة من إيجاد مصادر مائية لتعزيز الكميات والتزويد المائي في معظم المناطق.

وبيّن أن الأردن يستهلك سنويا نحو 1.149 مليار متر مكعب من المياه لجميع الاستخدامات من شرب وري وزراعة وصناعة، حيث إن التزويد يتطلب نحو 540 مليون متر مكعب سنويا. وفي ظل توفر كميات جيدة في السدود الوسطى والجنوبية، ستسهم في التعامل مع احتياجات الزراعة وتحسّن عددا من الينابيع للتزويد المائي.

وأوضح أنه "لدينا عجز مائي سنوي يبلغ نحو 400 مليون متر مكعب بسبب عدم توفر مصادر مائية كافية، ولذلك يتم التزويد مرة واحدة كل أسبوع".

إعلان

ولفت سلامة إلى نجاح الوزارة في خفض فاقد المياه بنسبة تجاوزت الخطط المرسومة، مسجلة انخفاضا بنسبة 10% ليصل إلى 43.2%، ما أسهم في توفير كميات إضافية للشرب وتحسين كفاءة الشبكات، مؤكدا أن الحل المستدام يبقى في مشروع الناقل الوطني، الذي يُتوقع أن يوفر نحو 300 مليون متر مكعب، كركيزة أساسية لتعزيز الأمن المائي في المملكة.

وبينما يبدو المشهد المائي قاتما، تلوح في الأفق مؤشرات انفراج محتملة، مدفوعة بتفاهمات أردنية سورية جديدة تعيد إحياء أحد أهم الملفات العالقة، وهو حوض نهر اليرموك وسدّ الوحدة. وتتركز هذه التفاهمات على إعادة دراسة الحوض بشكل مشترك، والعمل على استثماره بطريقة أكثر كفاءة، بما يحقق الأمن المائي ويدعم التنمية الزراعية في البلدين.

مصدر الصورة سد الوالة في الأردن (الجزيرة)

تحوّل لافت

وكشف مدير إدارة الشؤون العربية في وزارة الخارجية السورية محمد الأحمد للجزيرة نت عن تحوّل لافت في مسار العلاقات، مشيرا إلى رسالة حملها وزير الخارجية أسعد الشيباني من الرئيس أحمد الشرع، تؤكد أن "مياه سوريا سوف نتقاسمها مع الأردن".

وأضاف أن التنسيق بين الجانبين يشهد "تقدما ممتازا"، مع خطوات عملية بدأت بالفعل، من بينها وقف حفر الآبار العشوائية على جانبي الحوض، وبحث إمكانية استفادة الأردن مستقبلا من مشروع تحلية مياه البحر المخصص للجنوب السوري.

من جانبه، يروي وزير المياه الأردني الأسبق الدكتور حازم الناصر للجزيرة نت قصة ملف مائي ظل عالقا لعقود بين عمّان و دمشق، واصفا إياه بأنه من أكثر الملفات تعقيدا وحساسية، رغم وضوح بنود اتفاقية عام 1987 التي حددت حقوق الطرفين في مياه نهر اليرموك.

وقال إن هذه الحقوق بقيت حبرا على ورق في كثير من الأحيان، بعدما خالف الجانب السوري في عهد النظام السابق الاتفاق عبر بناء سدود إضافية وحفر آلاف الآبار، مما حرم الأردن من نحو 180 إلى 200 مليون متر مكعب من حصته.

وأشار الناصر إلى أن الاجتماع الأخير للجنة المشتركة بين البلدين يحمل مؤشرات إيجابية، لكنه يلفت إلى أن القيمة الحقيقية تكمن في الرسالة السياسية التي نقلتها دمشق والمتعلقة بالاستعداد لتقاسم مياه اليرموك. ويرى أنها، إن تُرجمت إلى خطوات عملية، قد تعني بداية إدارة مشتركة للحوض تقوم على تقاسم عادل للمياه المتدفقة.

مصدر الصورة سيل الزرقاء يعتبر الرافد الأساسي لسد الملك طلال (الجزيرة)

صورة قاسية

ويرسم الخبير المائي الدكتور دريد محاسنة صورة قاسية لواقع المياه في الأردن، مشيرا إلى أن ما يتوفر من موارد مائية لا يكفي سوى لنحو مليوني نسمة، في وقت يتجاوز فيه عدد السكان 11 مليونا، ما يضع المملكة ضمن أكثر الدول فقرا مائيا في العالم.

وأكد للجزيرة نت أن اتفاقية 1987 حددت أطر الاستخدام، بما في ذلك عدد السدود والآبار، إلا أن الجانب السوري تجاوزها، إذ ارتفع عدد السدود إلى أكثر من 40، ما انعكس بشكل مباشر على تدفق المياه إلى الأردن.

وفيما يتعلق بالتفاهمات الأخيرة مع دمشق، يرى محاسنة أنها لا تزال في إطار "إعلان النوايا" ولم تتحول بعد إلى أرقام واضحة أو كميات محددة، ما يترك الباب مفتوحا أمام مزيد من التفاوض بين الجانبين.

إعلان

وأكد أن سد الفجوة المائية في الأردن لا يمكن تحقيقه إلا من خلال التحلية، مشيرا إلى أن مشاريع سابقة طُرحت منذ عقود، في حين يُعوّل اليوم على مشروع الناقل الوطني، الذي يُتوقع أن يوفر نحو 250 مليون متر مكعب خلال السنوات المقبلة، رغم أن ذلك قد لا يكون كافيا في ظل النمو السكاني.

على الجبهة الأخرى، يرتبط الأردن بملف مائي مع إسرائيل يُعد من أكثر الملفات حساسية وتعقيدا. فمنذ توقيع اتفاقية السلام عام 1994، تحصل المملكة على نحو 50 مليون متر مكعب سنويا من مياه بحيرة طبريا، إضافة إلى كميات أخرى تم الاتفاق عليها لاحقا.

ورغم أن الاتفاقية أنهت رسميا النزاع المائي بين الجانبين، فإنها لم تُنهِ حالة القلق. فالأردن يعتمد جزئيا على هذه المياه لتغطية جزء من احتياجاته، في وقت ترتبط فيه هذه الإمدادات بعوامل سياسية متقلبة، تجعلها أحيانا أداة ضغط غير مباشرة.

وفي السنوات الأخيرة، لجأت عمّان إلى شراء كميات إضافية من المياه بأسعار أعلى في ظل تزايد الطلب وتراجع الموارد المحلية. لكن هذا الخيار، وفق خبراء، لا يُعد حلا مستداما، بل يزيد من الاعتماد على الخارج في ملف حيوي.

مصدر الصورة " سد الوحدة من الجانب الأردني ويبدو فارغا (الجزيرة)

قضية سيادية

ويعتقد وزير المياه الأردني الأسبق معتصم سعيدان أن هذا الملف لم يعد شأنا فنيا بحتا، بل تحوّل إلى قضية سيادية تتقاطع فيها السياسة مع الموارد، في ظل اعتماد المملكة على مصادر مائية مشتركة مع دول الجوار، من نهر اليرموك مع سوريا، إلى مياه طبريا مع إسرائيل، وصولا إلى حوض الديسي مع السعودية.

وقال للجزيرة نت إن هذا الواقع جعل إدارة المياه قائمة على التفاوض والمرونة، أكثر من أي اعتبارات هندسية، خاصة مع ما وصفه بسلسلة التهديدات الإسرائيلية بقطع الإمدادات خلال الفترة الأخيرة.

وأضاف أن ما أُثير حول قرار إسرائيلي محتمل بوقف بيع المياه للأردن بعد مايو/أيار المقبل لا يعدو كونه أداة ضغط سياسي، مرجحا ألا يُترجم إلى إجراء فعلي، ومؤكدا أن "الإدارة الحصيفة للموارد كفيلة بتجنيب الأردن الاعتماد على شراء المياه من إسرائيل".

واستعاد تجارب سابقة واجهت فيها المملكة ضغوطا مماثلة، لكنها نجحت في تجاوزها عبر دبلوماسية هادئة حافظت على الحقوق المائية دون تنازلات، رغم حساسية الملف وارتباطه بالمواقف السياسية. وأكد أن الضغوط لم تقتصر على السياسة، بل تفاقمت بفعل التغير المناخي وشح الأمطار، حيث لم تتجاوز المواسم المطرية في السنوات الأخيرة 30% من معدلاتها، إلى جانب تداعيات اللجوء وتزايد عدد السكان.

وأكد سعيدان أن مشروع الناقل الوطني لتحلية مياه العقبة يمثل الخيار الإستراتيجي الأبرز، ليس فقط لتأمين المياه، بل لتعزيز استقلال القرار المائي الأردني وتحصينه من أي ضغوط خارجية، بما فيها الإسرائيلية، في ظل واقع باتت فيه المياه ركيزة للاستقرار الاقتصادي والاجتماعي في المملكة.

أمام هذا الواقع، تسعى الحكومة الأردنية إلى البحث عن حلول طويلة الأمد، أبرزها مشروع "الناقل الوطني"، الذي يهدف إلى تحلية مياه البحر الأحمر في العقبة، ونقلها إلى مختلف مناطق المملكة. ويُتوقع أن يوفر ما بين 250 و300 مليون متر مكعب من المياه سنويا، ما يجعله أحد أهم المشاريع الإستراتيجية في تاريخ البلاد الحديث، بكلفة تصل إلى مليارات الدولارات.

"

وأبلغ مصدر حكومي رسمي الجزيرة نت أنه تم الانتهاء من الغلق المالي للمشروع، تمهيدا لمباشرة أعمال التنفيذ خلال أسابيع قليلة، حيث يمثل "طوق نجاة" للأردن في ظل التحديات الحالية والمستقبلية، خصوصا مع تزايد الطلب على المياه.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة


الأكثر تداولا أمريكا إيران لبنان اسرائيل

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا