آخر الأخبار

اتساع المخيمات للنازحين من الجنوب.. عنوان للتضامن بين الفلسطينيين في لبنان

شارك

شمال لبنان- في الأزقة الضيقة ل مخيم نهر البارد، حيث تتراكم الحكايات كما تتراص البيوت، لم يكن وصول النازحين من اللاجئين الفلسطينيين في مخيمات لبنان، حدثا عابرا، بل امتدادا لذاكرة نزوح لا تهدأ.

من مخيمات الجنوب، ولا سيما "الرشيدية" و"البص" و"البرج الشمالي" قرب مدينة صور، ومن مخيمات بيروت كـ"برج البراجنة" و"شاتيلا"، وصلت آلاف العائلات على عجل إلى المخيم الواقع في شمال البلاد، تحمل ما خف من أمتعتها وما ثقل من خوفها، بعد أوامر إسرائيلية بضرورة الإخلاء في 2 مارس/آذار الماضي، دفعتها إلى البحث عن أي مأوى ولو كان مؤقتا.

في طرف المخيم، فتح عماد لباني باب منزله لثلاث عائلات جمعتهم لحظة النزوح، ويروي حكايته للجزيرة نت كمن يحاول إعادة ترتيب مشهد لم يكتمل بعد؛ فمع بدايات الحرب، كان يتوقع تدفق النازحين لكنه لم يتخيل أن تختصر المأساة في تفاصيل صغيرة: امرأة وابنتها تقفان في مدرسة خلال رمضان، على حافة انتظار ثقيل.

لم يحتمل الفكرة، ولم يسمح له ضميره بتركهما هناك. اختار أن يوسع بيته بدل أن يضيق قلبه، فاستضافهما رغم أنه لم يعرفهما، ثم لحقت بهما عائلات أخرى، حتى تحول المنزل إلى مساحة مشتركة، تتقاطع فيها حياة غرباء صاروا، مع الوقت، كأنهم أهل.

داخل البيت، تتبدل العلاقات بسرعة. لم يعد هناك فرق بين من كان معروفا ومن لم يكن، الجميع يتشاركون الطعام والقلق، ويعيدون ترتيب يومهم على إيقاع النزوح. غير أن هذا التضامن لا يأتي بلا كلفة؛ فالاكتظاظ يغير نمط الحياة، ويترك أثرا نفسيا واجتماعيا واضحا، في ظل موارد محدودة أصلا.

واقع ثقيل

يعمل عماد بأجر يومي بالكاد يكفي أسرته، ومع ذلك يصر على الاستمرار، مختصرا المشهد بعبارة تختزن كثيرا من العجز والأمل: لا يُطلب سوى رحمة الله.

في المقابل، تتسع فجوة الغياب؛ حيث توقع كثيرون أن تمتد يد الدعم، ولا سيما من وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين " الأونروا"، لكن ما وصل لم يوازِ حجم الحاجة. هكذا يجد النازحون أنفسهم في مواجهة واقع أثقل من قدرتهم في ظل تراجع برامج كانت تشكل، يوما ما، شبكة أمان ولو محدودة.

إعلان

تتوزع العائلات الفلسطينية بين مخيمات الشمال وبيوت فتحت على قدر أصحابها، هربا من القصف في الجنوب والضاحية، وبحثا عن حد أدنى من الطمأنينة. غير أن الوصول لا يعني نهاية الرحلة؛ فكل بيت يحتضنهم يحمل عبئا إضافيا، في بلد تتكاثر فيه الأزمات، وتضيق فيه المساحات، إلا تلك التي يفتحها الناس لبعضهم بصمت.

مصدر الصورة النزوح الفلسطيني من مخيم برج البراجنة في بيروت (الجزيرة)

نزوح متكرر

في إحدى المدارس التي تحولت على عجل إلى مركز إيواء، تجلس فاطمة مرعي على طرف يوم لم يهدأ منذ أن غادرت بلدة العباسية في قضاء صور. لا تحمل سوى ما استطاعت جمعه في لحظة خوف، وطفلة صغيرة ترافقها في رحلة لم تخترها.

تستعيد تلك الليلة للجزيرة نت كأنها ما تزال عالقة فيها: انفجار قريب هز الجدران، وباب كاد ينكسر، ثم قرار سريع بالنجاة. في اليوم التالي وجدت نفسها في المستشفى، قبل أن تصل في اليوم الثالث إلى المدرسة التي صارت مأوى مؤقتا.

لم يكن النزوح انتقالا عاديا بل عبورا ثقيلا بين الخوف والتعب، خصوصا مع طفلة تحتاج إلى رعاية مستمرة. فالطريق طال أكثر مما ينبغي والقلق سبق الخطوات.

ما عاشته لم يكن استثناء، بل جزءا من يوميات تتكرر: قصف مستمر، ووضع اقتصادي متدهور، وطائرات مسيرة لا تغادر السماء، تقترب حتى النوافذ وتحيل البيوت إلى مساحات مكشوفة على الخوف.

اليوم، داخل المدرسة تتبدل التفاصيل لكنها لا تصبح أسهل، الغرف مكتظة، والضجيج لا ينقطع، خصوصا ليلا حيث يغدو النوم رفاهية. المرافق تفتقر إلى الحد الأدنى من النظافة، رغم محاولات المقيمين تحسينها.

من مخيم البص جنوب صور، خرج مروان عيسى قبل أسابيع حاملا عائلته وقلقا يسبق خطاه، لم يكن القرار خيارا بل استجابة عاجلة لقصف كثيف لم يترك مجالا للتردد. في الطريق، بدا النزوح موجة بشرية تتدفق بلا اتجاه واضح: ازدحام خانق، وجوه مثقلة بالخوف، وسؤال واحد يسيطر على الجميع: كيف نصل إلى مكان آمن؟

في الشمال، وتحديدا في طرابلس ومخيم نهر البارد، بدأت مرحلة أخرى. وجد مروان أبوابا مفتوحة ومبادرات تضامن خففت بعضا من وطأة الرحلة. يتحدث للجزيرة نت عن أهل المخيم بامتنان كأنهم شكلوا جسر عبور بين الخوف الأول ومحاولة الاستقرار. لكن الحياة لا تعود بسهولة؛ فالعمل شبه غائب، والقدرة على تأمين الاحتياجات الأساسية محدودة، فيما يبقى الجنوب حاضرا في ذاكرته، بتفاصيله التي لم تغادره.

أما أمينة إبراهيم، فقد غادرت مخيم "برج الشمالي" على عجل، مدفوعة بصوت القصف والتحذيرات التي وصلت إلى هاتفها. لم يكن هناك وقت للتفكير، فقط قرار سريع بالرحيل. خرجت العائلة صائمة، مثقلة بالجوع والخوف، في رحلة تختصرها بعبارة واحدة للجزيرة نت: ذاقوا مر النزوح.

عند الوصول، تنقلت بين أكثر من مأوى، قبل أن تستقر مؤقتا. غير أن الاستقرار بقي هشا؛ نوم على الأرض، ووسائد من ملابس، ومساعدات لا تكفي. ويزداد العبء مع فقدان أوراقها الثبوتية، ما عمق شعورها بالقلق، ودفعها إلى حالة من الإرهاق النفسي المستمر.

مصدر الصورة مساعدات ضئيلة وغير كافية من الأونروا للنازحين الفلسطينيين (الجزيرة)

بيوت مفتوحة

في مخيم عين الحلوة، تتخذ الحكاية منحى آخر، حيث تتحول البيوت إلى مساحات مفتوحة للتضامن. فتحت اللاجئة الفلسطينية رولا عوض باب منزلها لعائلات لم تعرفها من قبل، انطلاقا من قناعة بأن الأزمات تكشف جوهر العلاقات بين الناس. بالنسبة لها، لا ينطبق القول إن فاقد الشيء لا يعطيه، بل العكس تماما؛ فمن يعرف معنى الفقد، يمنح بصدق أكبر.

إعلان

لم تكن المبادرة فردية بل امتدت لتشمل أحياء كاملة، حيث تكاملت الجهود من دون تنظيم رسمي. ولعبت النساء دورا محوريا في هذا الحراك، عبر تبادل ما توفر من موارد، وتأمين الاحتياجات الأساسية، من فرش وبطانيات إلى مؤونة يومية. داخل هذه البيوت، تلاشت الحدود بين المضيف والنازح، وتقاسمت العائلات تفاصيل الحياة كما لو أنها عائلة واحدة.

في هذه المشاهد المتفرقة، تتقاطع الحكايات عند معنى واحد: أن النزوح ليس مجرد انتقال جغرافي بل تجربة إنسانية ثقيلة، تعيد تعريف العلاقات والقدرة على الاحتمال.

وبين ضيق المكان واتساع الخسارة، يبقى ما يفتحه الناس لبعضهم من أبواب، هو المساحة الأوسع في بلد تضيق فيه كل المساحات الأخرى.

تضامن المخيمات

من جانبه، يقول عضو اللجنة الشعبية في مخيم عين الحلوة عدنان الرفاعي للجزيرة نت، إن المخيمات الفلسطينية استقبلت منذ اندلاع المعارك في لبنان بين الاحتلال الإسرائيلي والمقاومة مئات النازحين، وفتحت بيوتها لهم من دون مقابل، في مشهد يعكس تضامنا إنسانيا واسعا.

ويضيف أن الجمعيات الفلسطينية ساهمت في تأمين الاحتياجات الأساسية من فرش وأغطية ومواد غذائية ومستلزمات للأطفال، في ظل غياب دور وكالة الغوث (أونروا)، التي لم تقدم أي مساعدات تذكر خلال فترة الأزمة، بحسب تعبيره.

ويشير إلى أن الوضع الصحي يزداد صعوبة مع إغلاق العيادات داخل المخيمات، ما يترك المرضى من دون خدمات أو أدوية، داعيا إلى إعادة فتحها أو إنشاء نقاط طوارئ صحية لتلبية الاحتياجات العاجلة.

ويحمل الرفاعي إدارة أونروا مسؤولية التحرك السريع، مطالبا بدخول المخيمات والاطلاع المباشر على حجم النقص الحاد في الخدمات الأساسية.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة


الأكثر تداولا أمريكا إيران اسرائيل

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا