آخر الأخبار

زيارة البابا ليو.. وسر اهتمام الكنيسة الكاثوليكية بأفريقيا

شارك
البابا ليو الرابع عشر يزور أفريقيا من 13 إلى 23 نيسان/أبريلصورة من: Baris Seckin/Anadolu/picture alliance

يقوم البابا ليو (لاوون) الرابع عشر حاليًا بزيارة إلى القارة الأفريقية، يسافر خلالها إلى عوالم مختلفة تمامًا، حيث يزور أولًا الجزائر . لم يقم أي بابا من قبله بزيار الجزائر، مع أنَّ طائرة البابا لا تحتاج إلا ساعة واحدة فقط من روما إلى الجزائر العاصمة.

وفي هذا الصدد قال هانس فوكينغ، وهو عضو في الرهبنة الأوغسطينية ويعرف الجزائر منذ أكثر من 50 عامًا، لـDW، إنَّ "منطقة الجزائر الحالية كانت تابعة لروما في العصور القديمة". وإنَّ هذه التبعية كانت تنطبق على السلطة السياسية والتأثير الثقافي. وكان يوجد قبل 1600 عام في شمال أفريقيا ما يصل إلى 300 أبرشية - وهو عدد هائل لا يمكن تصوره تقريبًا.

الجزائر ليست غريبة عن الأب روبرت بريفوست

والبابا الحالي، روبرت بريفوست (ليو الرابع عشر) عضو منذ نحو 49 عامًا في الرهبنة الأوغسطينية، وهي جماعة كاثوليكية نشأت في القرن الثالث عشر وتستند إلى تعاليم الأسقف الروماني أوغسطينوس ، أسقف هيبو (354-430)، الذي يعد من أهم مفكري الكنيسة وأحد آبائها الأوائل. ومثّل أيضًا التأثير المسيحي في شمال أفريقيا قبل الإسلام. وحتى الآن لم يقم أي بابا كاثوليكي بزيارة الجزائر، رغم أنَّها أكبر بلد في شمال أفريقيا، ولكن الأب روبرت بريفوست زارها مرتين بصفته رئيس رهبنته الأوغسطينية.

يعتبر الأب أوغسطينوس قديسًا في جميع أنحاء العالم؛ صورته في نافذة زجاجية ملونة بكنيسة في فيتنامصورة من: Pascal Deloche/Godong/picture alliance

ويضيف الأب هانس فوكينغ موضحًا أنَّ "والد أوغسطينوس كان بربريًا ووالدته كانت رومانية". وأنَّ هذا لا يزال يرمز حتى يومنا هذا إلى تعايش الثقافات. وشهدت الجزائر على مر القرون تغييرات كثيرة - من خلال التأثير الإسلامي وحقبة الاستعمار الفرنسي والاستقلال والحرب الأهلية الدامية لمعروفة باسم العشرية السوداء - ومع ذلك يوجد في الجزائر منذ استقلالها حوار مسيحي إسلامي. عاش فوكينغ في الجزائر ثمانية أعوام حتى عام 1978، ومنذ ذلك الحين يزورها بانتظام ويُقدّر هذا الحوار. ويقول إنَّ التأثيرات الثقافية مثل اللغة الفرنسية موجودة في الجزائر منذ فترة طويلة.

وتتضح أهمية أوغسطينوس الشخصية بالنسبة للبابا ليو من خلال برنامج زيارته. فبعد أن استقبله الرئيس عبد المجيد تبون في مطار الجزائر العاصمة، توجه إلى مقام الشهيد، ثم التقى بالرئيس في قصر المرادية، وبعد الظهر زار الجامع الكبير، وبعد ذلك توجه إلى كنيسة السيدة الإفريقية. وفي اليوم الثاني يزور البابا مدينة عنابة في شمال غرب الجزائر، حيث كانت تقع في الماضي مدينة هيبو القديمة.

قداس عيد الفصح 2026 في كاتدرائية نوتردام دي فيكتوار في ياوندي، عاصمة الكاميرونصورة من: Daniel Beloumou Olomo/AFP

رحلة إلى دول أفريقية أخرى يجمعها قاسم مشترك

وربما تبرز حداثة تعاليم أسقف هيبو أوغسطينوس من خلال اقتباس عنه كثيرًا ما كان يذكره البابا فرنسيس ، سلف البابا ليو الرابع عشر: "لو انعدمت العدالة، ما الذي يميّز الدول عن عصابات كبيرة من اللصوص؟. فحتى عصابات اللصوص ليست إلا دول صغيرة". ومن الممكن أن يقتبس هذه الكلمات أيضًا البابا ليو.

وبعد ذلك يسافر رئيس الكنيسة الكاثوليكية من الجزائر العاصمة إلى الكاميرون وكذلك إلى إنغولا وغينيا الاستوائية. وهذه الدول الثلاث الواقعة على ساحل غرب أفريقيا الأطلسي يجمع بينها قاسم مشترك: فجميعها كانت مستعمرة من قبل قوى أوروبية مختلفة. وتوجد في جميع هذه الدول الثلاث نخبة حاكم لديها هياكل اقتصادية راسخة، وينتشر فيها الفقر على نطاق واسع بالرغم من تحقيقها بعض التقدم الاقتصادي.

دول لديها ثروة نفطية وينتشر فيها الفقر

ولن تقتصر زيارة البابا ليو في هذه الدول الثلاث على عواصمها فقط، بل سيقوم أيضًا بعدد من الرحلات الداخلية للقاء الناس بعيدًا عن السلطة الاقتصادية والسياسية. ويوجد في هذه الدول الثلاث تنوع ديني، علمًا أنَّ الكنيسة الكاثوليكية تمثل أكبر طائفة دينية في كل منها، بالإضافة إلى طوائف أخرى كبيرة أيضًا.

والدولة الثانية التي يزورها البابا ليو هي الكاميرون، التي يزيد عدد سكانها عن 30 مليون نسمة وتعاني منذ سنين في شمالها من هجمات دموية تشنها جماعة بوكو حرام الإسلاموية الإرهابية، التي نشأت في نيجيريا المجاورة. وكذلك تعاني الكاميرون من انقسام متزايد بين المناطق الناطقة بالفرنسية وبالإنكليزية في طل انتشار الفساد وقيود مفروضة على الحقوق الأساسية.

بيرثا مبلا مديرة مشروع الرابطة الوطنية للحوار بين الأديان في الكاميرونصورة من: Moki Edwin Kindzeka/DW

وفي حوار مع DW، أشارت بيرثا مبالا، مديرة مشروع الرابطة الوطنية للحوار بين الأديان (ACADIR)، إلى "الوحدة غير المسبوقة" في الكاميرون بين الطوائف الدينية والزعماء التقليديين والمجتمعات المحلية في الاستعدادات لزيارة البابا. وهذا يعكس بحسب تعبير بيرثا مبالا "الآمال الكبيرة لأمة تتوق إلى السلام".

آمال منتظرة من زيارة البابا

الكاميرونيون مع "رسالة المصالحة والوحدة الوطنية والتعايش"، كما قالت مبلا. وأضافت أنَّها تعوّل على نجاح البابا في تشجيع على الحوار وإقناع جميع الأطراف بإلقاء السلاح والمضي في مسيرة السلام.

وفي هذا الصدد أشارت مبلا بوضوح أيضًا إلى مسؤولية الرئيس بول بيا، الذي يبلغ عمره 93 عامًا ويحكم البلاد منذ عام 1982، ويعتبر أكبر رئيس دولة في العالم. وتقول مبلا يجب على البابا أن يطلب من بيا "اتخاذ خطوات جريئة نحو الحوكمة الشاملة والعدالة الاجتماعية".

ويزور البابا أنغولا، التي يبلغ عدد سكانها 38 مليون نسمة وتعاني أيضًا من عدم المساواة. فعلى الرغم من أنَّها من أكبر الدول المنتجة للنفط في القارة الأفريقية وكثرة أراضيها الخصبة، لكنها تحتل المرتبة 148 من بين 193 دولة في مؤشر التنمية البشرية الذي يصدر عن الأمم المتحدة. وهذا الوضع كله يعود سببه إلى استغلال النخبة الحاكمة. وتوقعات مبالا تنطبق على هذا الوضع أيضًا.

ويختتم البابا ليو جولته الأفريقية بزيارة غينيا الاستوائية، وهي دولة صغيرة نسبيًا يبلغ عدد سكانها 1.9 مليون نسمة، وتعاني أيضًا من أوضاع مشابة. إذ توجد فيها احتياطيات نفط وازدهار اقتصادي ملحوظ، ولكن نصف سكانها يعيشون تحت خط الفقر الوطني.

زار البابا بولس السادس أفريقيا في عام 1969 وأصبح بذلك أول بابا كاثوليكي يزور دولة أفريقية وتم استقبال بحماس في العاصمة الأوغندية كمبالاصورة من: AP Photo/picture alliance

يقوم البابا ليو بثماني عشرة رحلة جوية خلال أحد عشر يومًا. ورحلته إلى أفريقيا هي جزء من اهتمام بالقارة الأفريقية، بدأ مع البابا بولس السادس (1963-1978)، والذي أصبح منذ عام 1964 أول بابا يقوم برحلات جوية بابوية. لقد زار البابا بولس السادس أوغندا في عام 1969 وكان عمره حينها 70 عامًا،.

زيارات بابوية حتى الآن إلى نحو ثلاثين دولة أفريقية

ومنذ ذلك الحين شهدت أفريقيا أحدى عشر زيارة باباوية شملت زيارة نحو ثلاثين دولة. وزار البابا فرنسيس (2013-2025) أفريقيا أربع مرات، وكانت آخر زياراته الأفريقية عام 2023 إلى جمهورية الكونغو الديمقراطية و جنوب السودان .

وتشهد عدة أجزاء من أفريقيا حروبًا ونزاعات وحشية، ولكنها نادرًا ما تحظى باهتمام على الصعيد العالمي. ويتعرض المسيحيون في بعض الدول الأفريقية لكثير من الهجمات القاتلة. مع ذلك فقد أظهرت قبل عدة أيام بوضوح أحدثُ الأرقام الصادرة عن الكتاب البابوي السنوي لعام 2026 مدى أهمية تطور الكنيسة في القارة الأفريقية بالنسبة للكنيسة العالمية.

أفريقيا تتفوق على أوروبا في عدد الكاثوليك

وبحسب هذه الأرقام فقد ارتفع عدد الكاثوليك في أفريقيا من 281 مليونًا في نهاية عام 2023 إلى أكثر من 288 مليونًا في نهاية عام 2024؛ وهذا يمثل زيادة بنسبة 2.7 بالمائة خلال عام واحد. ويبلغ عدد الكاثوليك في أوروبا 286 مليونًا. ويعيش 20.3 بالمائة من كاثوليك العالم في أفريقيا، ولم يعد يعش في أوروبا سوى 20.1 بالمائة من كاثوليك العالم.

البابا ليو الرابع عشر على متن طائرة تابعة لخطوط ITA Airways، وهي جزء من مجموعة Lufthansa خلال هبوط طائرته في إسطنبول في تشرين الثاني/نوفمبر 2025صورة من: Dilara Senkaya/REUTERS

وبالتالي فقذ تفوقت أفريقيا على أوروبا في عدد كاثوليك العالم. وكذلك تشير الإحصاءات إلى ارتفاع عدد الرهبان والكهنة في القارة الأفريقية، بينما يشهد عددهم انخفاضًا في أوروبا منذ فترة طويلة. وكما أنَّ من يتجول في روما سيلاحظ أنَّ عدد طلاب اللاهوت الأفارقة أكبر من عدد نظرائهم الأوروبيين.

وهذا يوحي بأنَّ أن البابا الجديد ليو سيزور أفريقيا - مثل البابا فرنسيس - أكثر من أسلافه. وكما قال البابا بولس السادس في 31 تموز/يوليو 1969 بعد وصوله إلى عنتيبي في زيارة إلى أوغندا: "الحمد للرب على استجابة أفريقيا الكريمة لرسالة الإنجيل".

أعده للعربية: رائد الباش

تحرير: عبده جميل المخلافي



DW المصدر: DW
شارك

أخبار ذات صلة


الأكثر تداولا أمريكا إيران اسرائيل روسيا

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا