تعدّ المضائق شرايين الحياة في جسد التجارة والصناعة العالمية، فمنها تمرّ شحنات الطاقة وسلاسل التوريد التي تغذي مختلف مجالات الصناعة، وعليها تعتمد أشكال التجارة المتنوعة في شتى قارات العالم.
كما أنها أيضا ممرات حيوية للقوى البحرية الكبرى التي تعتمد على الانتشار البعيد عن شواطئها، إذ يؤثر التحكم فيها أو حرمان الخصم من استخدامها في توازن القوى البحري. لذلك يرتبط أمن المضائق عادة باستراتيجيات الدفاع الوطني وبتفاهمات دولية تسعى إلى ضمان حرية المرور ومنع استخدام الإغلاق البحري وسيلة للضغط السياسي أو العسكري.
ونظرا للأهمية الاستراتيجية الفائقة لهذه الممرات المائية، فقد باتت أدوات ضغط جيوسياسية مؤثرة في أيدي الدول المطلة عليها، تستغلها في أوقات الأزمات أو الصراعات وتحقق منها مكاسب سياسية أو عسكرية، فضلا عن الاقتصادية، وع ادة ما تكون ملفات شائكة في أوقات الأزمات الدولية.
ويتخذ إغلاق المضائق أشكالا متعددة تتجاوز المفهوم التقليدي للحصار العسكري، ويكون منها ما يعتمد على وسائل خشنة أو ناعمة، سواء كانت هذه الوسائل قانونية أو غير مشروعة. وتمتد تداعيات إغلاق المضائق لتطال الاقتصاد العالمي بأسره، بسبب رفع تكاليف الشحن وزيادة معدلات التضخم، فضلا عن تأخر وقت الوصول وتعطل دورة الإنتاج.
وتتراوح الطرق التي قد تتبعها دولة لإغلاق مضيقٍ ما بين العسكرية المادية، والقانونية والتنظيمية، والاقتصادية، والطرق الناعمة أو الرمادية.
وتبرز في هذا السياق اتفاقية مونترو لعام 1936 التي نظمت المرور في المضائق التركية (البوسفور والدردنيل)، وسمحت لتركيا عام 2022 بتقييد عبور السفن الحربية الروسية والأوكرانية خلال الحرب الدائرة في أوكرانيا.
وقد سعت روسيا -عبر اتفاقات ثنائية وتنظيمات خدمة حركة السفن- إلى إحكام سيطرتها على مضيق كيرتش في الفترة 2003-2018، وربطت عبور السفن بإجراءات ترخيص وإرشاد خاصة.
وقد أعلن الحرس الثوري الإيراني في مارس/آذار 2026 أن مضيق هُرمُز مغلق بحكم الواقع وغير آمن للملاحة عقب ضربات عسكرية أميركية وإسرائيلية.
يسمح هذا التفسير للدول الساحلية بتعليق المرور أو فرض شروط إضافية إذا رأت أن أنشطة سفينة ما تمسّ أمنها. وتتمسك إيران مثلا بأن نظام عبور المار ليس من القانون العرفي، وتطالب السفن التابعة لدول غير أطراف في اتفاقية قانون البحار -مثل الولايات المتحدة- بقواعد العبور البريء في مضيق هُرمُز.
وقد شهد مضيق هُرمُز في أوائل 2026 انهيارا في نسبة العبور بعد سحب عدد من أندية شركات الحماية والتعويض تغطية مخاطر الحرب على خلفية الضربات العسكرية المتبادلة بين إسرائيل وأمريكا من جهة وإيران من جهة أخرى، مما أدى إلى تراجع حركة السفن بأكثر من 80% مقارنة بالمستويات المعتادة.
ونادرا ما تعتمد الدول على أداة واحدة، بل تُدمج عادة التهديدات العسكرية المباشرة بالصواريخ والطائرات المسيَّرة مع التشويش الإلكتروني، ومع ارتفاع أقساط التأمين أو سحب التغطية، ومع إجراءات قانونية وتنظيمية، لتشكيل إغلاق فعلي متعدد الأوجه.
ويجسّد ما جرى في مضيق هرمز في مارس/آذار 2026 هذا النمط، حيث تضافرت الضربات الصاروخية والتحذيرات الرسمية والتشويش على أنظمة الملاحة، مع انسحاب شركات التأمين لتقليص حركة العبور إلى أدنى مستوياتها دون إعلان حصار تقليدي.
القانون الدولي ينص على أن سلطة الدول تمتد إلى 12 ميلا بحريا من سواحلها، وبذلك فإن أي مضيق عرضه أقل من 24 ميلا بحريا، يكون خاضعا بكامله للسيادة الإقليمية للدول التي تحيط به، وهو ما يمنح بعض المضائق أحكاما قانونية خاصة، مثل حق الدولة بإغلاقه لأسباب أمنية وضمن شروط معينة وفقًا للقانون الدولي.
وقد أقرّت اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار عام 1982 نظام المرور في المضائق، ومن أهم ما جاء فيها:
ويعد المرور مسالما ما دام لا يضرّ بسلم الدولة الساحلية أو أمنها أو نظامها العام، ويجوز لتلك الدولة تعليقه في بحرها الإقليمي لأسباب أمنية، غير أن محكمة العدل الدولية قررت في قضية مضيق كورفو عام 1949 أن المرور المسالم في المضائق الدولية لا يعلق في زمن السلم.
فرقاطة من قوة أسبيدس الأوروبية ترافق سفينة تعبر مضيق باب المندب (الجزيرة)تُحدث قرارات إغلاق المضائق أو شلّ الحركة فيها تداعيات فورية وكبيرة تمسّ معظم سلاسل التوريد العالمية، فتُضطر السفن إلى تغيير طرقها، وهو ما يؤدي غالبا إلى ارتفاع كلفة النقل ورسوم التأمين وزيادة مدة الرحلة، فضلا عما يرافق ذلك من مخاطر وتكاليف إضافية.
فمثلاً يؤدي تغيير رحلة بحرية ما من البحر الأحمر إلى رأس الرجاء الصالح في زيادة المدة بما يصل إلى 10-15 يوما، وهو ما يستهلك كميات أكبر بكثير من الوقود، ويترافق مع ذلك ارتفاع كلفة تأمين الرحلة، بما يرتفع تكاليف النقل البحري إجمالا بنسبة وصلت إلى 130% خلال أزمة البحر الأحمر.
وتتأثر بهذا الاضطراب أيضا عمليات التصنيع القائمة على التدفق المستمر للمكونات، وهو ما يؤدي إلى اختلال شبكة التجارة العالمية، ومعها نسب التضخم واحتمالية حدوث ركود اقتصادي عالمي، كما يمتد أثر ذلك إلى جوانب حساسة مثل استنزاف المخزونات الاستراتيجية للدول.
لذلك، تحرص الدول دائما على صون حرية الملاحة في المضائق الحساسة بشتى الطرق، منها مثلا نزع الألغام التي زرعتها الدول في المضائق، وهي عملية تتطلب وقتا طويلا مقارنة بزرع الألغام نفسها، ويزيد الأمر تعقيدا مع وجود استهداف أو حصار على المضيق.
وأحيانا تضطر الدول إلى إرسال أساطيل بحرية لمرافقة السفن التجارية، وهو ما أشار الرئيس الأمريكي دونالد ترمب إلى احتمال حدوثه في سياق الحرب الإسرائيل الأمريكية الإيرانية في مارس/آذار 2026، وقد سبق للبحرية الأمريكية أن نفذت ذلك عامي 1987 و1988، أثناء ما عُرف بحرب الناقلات.
كما تعقد الدول تحالفات بحرية متعددة الجنسيات لحماية طرق الملاحة، منها تحالف "حارس الازدهار" المتعدد الجنسيات الذي تأسس نهاية 2023 بمبادرة من الولايات المتحدة، بهدف حماية السفن التجارية في البحر الأحمر، واعتراض الطائرات المسيرة والصواريخ، بل وتنفيذ ضربات جوية استباقية أحيانا.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة