في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
وقفت رئيسة ناميبيا نيتومبو ناندي ندايتواه، أول أمس الأربعاء، أمام البرلمان لتلقي خطابها السنوي لحالة الأمة، فجاءت فقرة واحدة لتستأثر باهتمام المراقبين وأحفاد الضحايا على حد سواء، فقد أعلنت أن المفاوضات مع ألمانيا بشأن الاعتراف بالإبادة الجماعية والاعتذار والتعويض عنها باتت على وشك الختام، وأن الإعلان المشترك قيد المراجعة، وسيُعرض على البرلمان قبل توقيعه، مؤكدة أن الخاتمة باتت في متناول اليد ويرجح بلوغها قبل نهاية العام.
لفهم ثقل هذا الإعلان، لا بد من العودة إلى مطلع القرن العشرين، حين استعمرت ألمانيا ناميبيا تحت اسم "جنوب غرب أفريقيا الألمانية". فبين عامي 1904 و1908، أخمد المستعمرون الألمان انتفاضتين لشعبي "هيريرو" و"ناما" بطريقة بالغة الوحشية.
فقد أمر الجنرال لوتار فون تروتا بالقضاء على قبيلة هيريرو بأكملها، فلقي نحو 65 ألفا من أصل 80 ألف نسمة حتفهم، وكذلك ما لا يقل عن 10 آلاف من أصل 20 ألفا من قبيلة ناما. ويعتبر كثير من المؤرخين هذه المجازر أول إبادة جماعية في القرن العشرين، فيما يرى بعضهم في أساليبها إرهاصا مبكرا للأيديولوجيا النازية.
ورغم أن ألمانيا ظلت لعقود تتجنب الإقرار الرسمي، فإنه في عام 2004 قدمت وزيرة التنمية الألمانية اعتذارا شخصيا خلال الذكرى المئوية، وفي 2011 أعادت 20 جمجمة للضحايا مع وعود بمساعدات تقنية.
وانطلقت المفاوضات الرسمية عام 2015، وبعد ست سنوات شاقة أعلنت ألمانيا في مايو/أيار 2021 اعترافها الرسمي بأن ما جرى يرقى إلى "إبادة جماعية"، ووافقت على اعتذار، لكنها أصرّت على رفض مصطلح "تعويضات" وعرضت بدلا من ذلك 1.1 مليار يورو تصرف على مدى 30 عاما في صورة مساعدات تنموية.
غير أن هذه الصيغة فشلت، إذ رفضها البرلمان الناميبي والمجتمعات المتضررة، ووصف زعماء قبليون الاتفاقية بأنها "احتيال" لا يرقى إلى مستوى العدالة، لا سيما أن مجتمعي هيريرو وناما أُقصيا عن طاولة التفاوض.
منذ توليها الرئاسة في مارس/آذار 2025 لتكون أول امرأة تتولى هذا المنصب في تاريخ ناميبيا، جعلت ندايتواه ملف الإبادة في صلب أولوياتها. إذ كشفت في خطاب حالة الأمة الأول عام 2025 أن ألمانيا تجاوزت موقفها السابق القائل بأن 1.1 مليار يورو هو "الرقم النهائي"، وأن مبلغ التعويضات بات مفتوحا للتفاوض.
وردا على منتقدين يرون أن ما تحصل عليه ناميبيا أقل بكثير مما حصل عليه اليهود جراء الهولوكوست، إذ دفعت ألمانيا ما يزيد على 90 مليار يورو لإسرائيل، أجابت الرئيسة: "نعرف كيف بدأت القضية مع اليهود، لم تبدأ عند المستوى الذي وصلت إليه. لهذا أقول: لنبدأ، لكن يجب أن نبقي الباب مفتوحا".
تأتي الحالة الناميبية في سياق نقاش قاري أشمل. ففي فرنسا ورواندا، أقر الرئيس إيمانويل ماكرون عام 2021 بدور بلاده في إبادة 800 ألف شخص، وطلب الصفح، لكنه نفى التواطؤ المباشر ولم يلمح إلى تعويضات.
وفي بلجيكا أعرب ملكها فيليب عن "عميق أسفه" دون تقديم اعتذار رسمي للكونغو ودون ذكر للتعويضات، وفشل البرلمان البلجيكي في التوافق على صيغة اعتذار رسمي خشية أن تفتح كلمة "اعتذار" باب المطالبات المالية.
أما بريطانيا، فأعربت عام 2013 عن أسفها على انتهاكاتها في كينيا ودفعت تعويضات محدودة لـ5200 ضحية، لكن ذلك بقي استثناء معزولا. ويكشف هذا النمط المتكرر عن حقيقة أن الدول الأوروبية تدير مسار المصالحة وفق رؤيتها وشروطها، كما ذكرت الباحثة ألماز تيفيرا من منظمة هيومن رايتس ووتش في تصريح سابق لتلفزيون يورونيوز، وأن بعض الاعتذارات لا ترقى حتى إلى مستوى الاعتراف الحقيقي بالخطأ.
وحتى في أفضل السيناريوهات، يبقى الاتفاق المرتقب بين ألمانيا وناميبيا مثارا للجدل. فبرلين لا تزال ترفض مصطلح "تعويضات" بمفهومه القانوني الملزم، محتجة بأن اتفاقية الأمم المتحدة لمنع الإبادة الجماعية لم تصغ إلا عام 1948، ولا يمكن تطبيقها بأثر رجعي، كما ذكرت وكالة مركز الصحفيين الأفارقة التي تتخذ من جنوب أفريقيا مقرا لها.
كما تواصل منظمة العفو الدولية انتقاد إقصاء مجتمعي هيريرو وناما عن المفاوضات. وفي السياق الأشمل، تستعد القارة الأفريقية لطرح قضية التعويضات الاستعمارية على الأمم المتحدة في إطار ما يعرف بـ"عقد التعويضات 2026-2036″، حيث بات الاتحاد الأفريقي يعرف التعويضات بوصفها أساسا إستراتيجيا للبنية الاقتصادية لأفريقيا مستقبلا لا مجرد رد اعتبار تاريخي.
لذا فإن ما أعلنته الرئيسة ندايتواه في برلمانها يحمل ثقلا يتجاوز البيان الدبلوماسي، إذ يمثل تتويجا لنضال طويل لشعبين واصل أحفادهما في أروقة المحاكم والبرلمانات مسيرة لم تنقطع منذ أن أغلقت أبواب مخيمات الاعتقال الألمانية قبل أكثر من قرن.
والسؤال الأعمق يبقى: هل يكفي اتفاق حكومي بين برلين وويندهوك لإسكات ندوب الروح وتحقيق عدالة التاريخ؟ أم أن ما يجري الآن ليس إغلاقا للفصل، بل فتحا لباب أوسع من العدالة طالما أوصد؟
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة