آخر الأخبار

كيف انتقلت الحرب إلى داخل المنازل في لبنان؟ | الحرة

شارك

أعاد الاستهداف الأخير الذي طال مبنى سكنياً في بلدة عين سعادة في قضاء المتن، مساء الأحد، التأكيد على أن المواجهة بين إسرائيل وحزب الله لم تعد محصورة بجبهات واضحة، بل تمدّدت إلى داخل المناطق السكنية التي يُفترض أنها آمنة.

وذكر بيان للجيش اللبناني أن قنبلتين من نوع GBU-39 أطلقتا على المبنى في عين سعادة، واخترقتا السطح والطابق الرابع قبل أن تنفجرا في الطابق الثالث.

ورغم نجاة الشخص المستهدف، أسفر الهجوم عن مقتل مسؤول مركز يحشوش في “القوات اللبنانية” بيار معوّض، وزوجته فلافيا مراد، إضافة إلى سيدة كانت تزورهما، فيما أُصيب عدد من المدنيين.

وتضاربت الروايات بشأن هوية الهدف، بين من أشار إلى صلته بحزب الله وآخرين تحدثوا عن ارتباطه بفيلق القدس، إلا أن الحصيلة بقيت واحدة: سقوط مدنيين داخل منازلهم.

و قال المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي، أفيخاي أدرعي، إن الجيش “هاجم هدفاً إرهابياً في منطقة شرق بيروت”، مضيفاً أن التقارير عن إصابة “لبنانيين غير متورطين” لا تزال قيد المراجعة، ومتهماً حزب الله بالتموضع داخل مناطق مدنية.

ولم تكن حادثة عين السعادة معزولة، إذ سبقتها بأيام ضربة في منطقة الجناح جنوب بيروت أدت إلى مقتل القيادي في حزب الله يوسف إسماعيل هاشم. وبحسب مركز عمليات طوارئ الصحة التابع للوزارة أسفر الاستهداف عن سقوط خمسة قتلى وأكثر من خمسين جريحاً.

كما طالت ضربات مماثلة، وقعت في الأشهر الماضية، مباني سكنية في بيروت وبرج حمود ودوحة عرمون، إضافة إلى استهدافات لفنادق في بيروت وضواحيها.

وزاد هذا الأمر المخاوف في لبنان من تقلّص دور الجغرافيا في تحديد مناطق الخطر واتساع رقعة العمليات لتشمل الأحياء السكنية، بكل ما يعنيه ذلك من تداعيات على حياة المدنيين وتفاصيل حياتهم اليومية.

لماذا داخل الأحياء السكنية؟

يرى رئيس تحرير موقع “جنوبية”، الصحفي علي الأمين، أنه بمعزل عن الاعتبارات الأخلاقية والإنسانية، قد يلجأ عناصر وقيادات حزب الله إلى الاختباء خارج بيئتهم الحاضنة “كخيار لتقليص المخاطر”، موضحاً في حديث لموقع “الحرة” أن “هذه البيئات توفّر قدراً من الحماية مقارنة بالمناطق غير المأهولة، كما قد تعكس في الوقت نفسه حالة انكفاء أو محاولة للهروب من الحرب”.

من جهته، يعتبر الخبير الاستراتيجي العميد المتقاعد جورج نادر أن اللجوء لذلك يرتبط بوجود “اختراق استخباراتي واسع داخل مناطق نفوذ الحزب”، مشيراً إلى أن “سهولة اغتيال قيادات من الصفين الأول والثاني تشكّل مؤشراً واضحاً على حجم هذا الخرق”.

ويضيف نادر لـ”الحرة” إن “الانتقال إلى مناطق أخرى يهدف إلى التخفّي بين سكان غير معروفين لهم، بما يوفّر هامش أمان نسبي”. إلا أنه يلفت إلى أن هذا الأسلوب “لم يعد فعّالاً في ظل التطور الكبير في الاستخبارات، سواء التقنية أو البشرية”.

كما يوضح نادر أن مشاركة الحزب في الحرب السورية “أسهمت في تمكين إسرائيل من جمع بيانات دقيقة عن أفراده، تشمل بصمات صوتية وبصرية، ما ساعدها على بناء بنك أهداف يتيح تعقّب عناصر وقيادات الحزب واستهدافهم، لا سيما عند استخدامهم الهواتف المحمولة، بغض النظر عن أماكن وجودهم”.

وعلى المستويين السياسي والشعبي، أثار لجوء عناصر من حزب الله والحرس الثوري الإيراني للإقامة في فنادق أو الأحياء السكنية المكتظّة موجة غصب واسعة.

وفي هذا الإطار، وصفت النائب سينتيا زرازير ذلك بأنه “عمل إرهابي مرفوض بالكامل”، قائلة في حديث لموقع “الحرة” إن “من يريد المشاركة في الحرب، فليتوجه إلى الحدود، لا أن يستجلب الضربات إلى داخل المناطق الآهلة”.

ولم يقتصر القلق على الشقق السكنية، بل امتدّ إلى القطاع الفندقي الذي دخل بدوره دائرة المخاطر، مع تسجيل حالات استهداف طالت نزلاء داخل بعض الفنادق.

في هذا السياق، يؤكد نقيب أصحاب الفنادق في لبنان، بيار الأشقر، أن الحركة الفندقية تأثرت بشكل كبير، مشيراً إلى أن “نسبة التراجع في العمل تراوحت بين 90 و95 في المئة”.

ويوضح الأشقر في حديث لموقع “الحرة” أن الفنادق سعت إلى التكيّف مع الواقع الأمني المستجد عبر اعتماد إجراءات مشددة، أبرزها “حصر الدخول بمدخل واحد بدل تعدد المداخل، بهدف ضبط الحركة وتعزيز الرقابة داخل المنشآت”.

كما يشير إلى تشديد آليات التنسيق مع الأمن العام، لافتاً إلى أن “الفنادق كانت ترسل لوائح بأسماء النزلاء كل ثلاثة أو أربعة أيام، أما اليوم فأصبحت تُرسل بشكل يومي”.

وعلى صعيد الحجوزات، يلفت إلى ارتفاع مستوى التدقيق، موضحاً أنه “لم يعد مقبولاً أن يقوم شخص واحد بحجز عدة غرف لعائلته من دون إبراز مستندات ثبوتية لكل فرد”.

تداعيات اجتماعية

على المستوى الاجتماعي، دفعت هذه التطورات مالكي العقارات إلى تشديد شروط التأجير، في ظل غياب القدرة على التحقق من خلفيات بعض المستأجرين. وقد انعكس ذلك بشكل خاص على النازحين، ولا سيما من الطائفة الشيعية، الذين يواجهون صعوبات متزايدة في إيجاد سكن.

ويحذّر الأمين من أن “المدنيين يدفعون الثمن الأكبر، إذ ان احتماء أفراد من الحزب داخل الأحياء السكنية يجعلها عرضة للاستهداف، ما يفاقم معاناة السكان والنازحين ويُدخلهم في دائرة مستمرة من القلق وعدم الاستقرار”.

كما يلفت الأمين إلى أن وجود “مؤشرات على تنامي النفور من النازحين الشيعة في بعض البيئات الطائفية المختلفة، بسبب ما يثيره وجودهم من هواجس أمنية”، محذّراً من التوترات الاجتماعية ذات الطابع الطائفي، وإن لا تزال حتى الآن “ضمن نطاق محدود وقابلة للاحتواء”.

وبدورها، بدأت البلديات باتخاذ إجراءات احترازية. ففي أعقاب استهداف عين سعادة، دعت البلدية السكان إلى الإبلاغ عن أي نشاط أو أمر مشبوه، استناداً إلى توجيهات الأجهزة الأمنية.

وكانت بلديات أخرى قد سارعت إلى اتخاذ خطوات مماثلة، إذ فرضت بلدية بكفيا قيوداً على تأجير أو إيواء أي شخص من دون موافقتها المسبقة، فيما طلبت بلديتا زوق مصبح وفاريا بالإبلاغ الإلزامي عن حالات الإيواء أو تأجير النازحين.

ويقول رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع إن “البلديات تقوم بواجباتها من خلال توثيق المعلومات وإحالتها على الأجهزة الأمنية، إلا أن المتابعة من قبل هذه الأجهزة غير كافية”.

وشدّد جعجع على أن “مسؤولية تحديد الجهات التي تشكّل خطراً لا تقع على عاتق البلديات، بل على الأجهزة الأمنية التي يجب أن تكون لديها لوائح واضحة، وأن تتخذ الإجراءات اللازمة لحماية المواطنين الذين يثقون بالدولة، فـ75% من الشعب اللبناني يلتزمون بالدولة اللبنانية لكن الأخيرة غير ملتزمة بهم”.

بدوره، جدد النائب إلياس حنكش عبر “ إكس ” مطالبته رئيس الجمهورية ووزراء الدفاع والداخلية، إلى جانب قائد الجيش والمدير العام لقوى الأمن الداخلي، بفرض حواجز أمنية ومساندة البلديات في عمليات المسح والتفتيش لمراكز الإيواء والشقق المستأجرة، داعياً إلى إعلان حالة طوارئ، ومتسائلاً عن أسباب التأخير في اتخاذ هذا القرار.

لكن نادر يلفت إلى أن قدرة الدولة تبقى محدودة “نظراً لعدم امتلاكها معلومات كافية حول الأفراد أو انتماءاتهم، فضلاً عن غياب الصلاحيات للتدخل في قرارات تأجير العقارات”. ويشير إلى أن ذلك “يضيّق هامش تحرّكها ويجعل قدرتها الوقائية شبه معدومة، باستثناء حالات محددة تتعلق بأشخاص معروفين”.

من جانبها ترى زرازير أن أيّ نقاش حول ما يمكن أن تقوم به الدولة يبقى مؤجلاً “إلى حين تحررها من سلطة حزب الله”، معتبرة أن الدولة “مكبّلة طالما أنها في موقع تقديم الطاعة للحزب”.

الحرة المصدر: الحرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا