آخر الأخبار

بين الميدان والشاشة.. كيف تُصنع "حروب بديلة" موازية للواقع؟

شارك

لم تَعُد الحروب الحديثة تُخاض في الميدان وحده، بل باتت تُخاض أيضا في الفضاء الرقمي، حيث لا تُنقل الوقائع فحسب، بل يُعاد ترتيبها، وتُنتقى شواهدها، وتُضخم صور على حساب أخرى، حتى تكاد الحرب على الشاشات تصبح حربا أخرى مستقلة عن تلك التي تجري على الأرض.

وفي هذا السياق، يلفت مقال رأي نشرته واشنطن بوست إلى ما تسميه كاتبته جنيفر مرتازاشفيلي "الحرب البديلة"؛ أي تلك المسافة التي تتسع بين الحرب كما تقع ميدانيا، والحرب كما تُبنى وتُستهلك وتُفسر على الإنترنت، ولا سيما في الفضاء الأمريكي.

اقرأ أيضا

list of 3 items
* list 1 of 3 شاهد.. المرضى النازحون بلبنان في صراع يومي لتوفير الدواء
* list 2 of 3 ما الفرق في قتل الفلسطيني على يد جندي يساري أو جندي مستوطن؟
* list 3 of 3 "حنظلة" يقرصن بيانات مدير "إف بي آي" والمنصات تتفاعل end of list

ولا تنحصر هذه "الحرب البديلة" في المقاطع المفبركة أو المواد المولدة بالذكاء الاصطناعي، وإن كانت واحدة من أدواتها.

فالأمر، كما يوحي المقال، أوسع من مجرد صور مزيفة، إذ يتعلق أيضا بالطريقة التي تُقرأ بها الوقائع نفسها، وبالانتقاء الذي يحوّل بعض المشاهد إلى "حقيقة الحرب"، فيما يدفع ما عداها إلى الهامش.

وبذلك، لا تكمن المشكلة في نقص المعلومات، بل في وفرتها المفرطة، حين تتيح لكل طرف أن يلتقط من المشهد ما يوافق قناعته المسبقة، ثم يبني منه رواية مكتملة عن الحرب.

مصدر الصورة السرديات الرقمية قد تُضخم بعض الصور وتدفع غيرها إلى الهامش (الأوروبية)

حرب الشاشات

وتنطلق الكاتبة في هذا الطرح من تجربتها الشخصية بعد انتقالها مع أسرتها إلى تل أبيب قبل أسابيع من اندلاع الحرب على إيران.

وتقول إنها غدت مرجعا لمعارفها في الولايات المتحدة، بعدما بات أصدقاؤها وأقاربها يراسلونها يوميا ليسألوها عن الفارق بين ما يرونه على هواتفهم وما تعيشه هي على الأرض.

ومن هنا، تطرح مرتازاشفيلي فكرة "الحرب البديلة" بوصفها حربا أخرى تُبنى على الإنترنت، لا تقل حضورا في وعي المتابعين عن الحرب الفعلية.

"الحرب على الشاشات تكاد تصبح حربا أخرى مستقلة عن تلك التي تجري على الأرض"

وتقدم الكاتبة حرب إيران مثالا على هذا التشظي بين الواقع وصورته الرقمية. فهي تقول إن ما يصل إلى المتابع الأمريكي عبر هاتفه لا يعكس بالضرورة ما يجري على الأرض، بل كثيرا ما يأتي مشبعا بصور الذعر والانهيار والشلل، بما يوحي بأن إسرائيل تتجه إلى مأزق شامل.

إعلان

لكنها تضيف أن هذا التركيز نفسه قد يحجب، في نظرها، معطيات أخرى لا تنسجم مع السردية الكارثية المتداولة.

ومن بين ما تستشهد به في هذا السياق أداء السوق الإسرائيلية، إذ تنقل عن محلل إسرائيلي قوله إن البورصة ارتفعت مع اندلاع الحرب وظلت قرب مستوياتها القياسية، في إشارة -بحسب هذا الرأي- إلى أن دوائر المال لا تقرأ المشهد بالطريقة السوداوية نفسها التي يشيعها جزء من النقاش الرقمي.

وهنا تتضح إحدى آليات "الحرب البديلة": ليست المسألة اختلاق الوقائع من العدم دائما، بل تضخيم بعض الوقائع، وإهمال أخرى، ثم الخروج من هذا الاختيار بصورة نهائية للحرب تبدو وكأنها الحقيقة الكاملة.

ومن أبرز ما يلفت إليه المقال أن هذه السرديات لا تنتجها جهة واحدة بالضرورة، بل قد تتولد من أطراف متعارضة تلتقي عند النتيجة نفسها، وإن اختلفت دوافعها.

فالكاتبة ترى أن اليسار الليبرالي الدولي واليمين الانعزالي في الولايات المتحدة، على تباعدهما المعروف، التقيا هنا عند استعجال إعلان فشل الحرب.

وبغض النظر عن وجاهة هذا التوصيف أو انحيازه، فإن المثال نفسه يكشف آلية أوسع: فالحرب البديلة لا تحتاج إلى اتفاق سياسي كامل، بل يكفي أن تتقاطع رغبات متباينة عند الصورة التي يريد كل طرف أن يثبتها.

"الحرب البديلة لا تحتاج إلى اتفاق سياسي كامل، بل إلى صورة يريد كل طرف أن يثبتها"

ويستند المقال كذلك إلى تفسير نفسي لهذه الظاهرة، مفاده أن المتابع لا ينجذب إلى المحتوى المضلل لأنه يجهل الوقائع فقط، بل لأنه يجد فيه ما يؤكد ما يرغب في تصديقه سلفا.

ومن هنا، لا يعود الإنترنت مجرد وسيط ينقل الحرب، بل يصبح ساحة تُسقط عليها الانحيازات السياسية والرغبات النفسية، فيغدو كل طرف أقرب إلى تصديق الحرب التي تناسبه: حرب تؤكد مخاوفه، أو تشبع كراهيته، أو تمنحه البرهان الذي يبحث عنه مسبقا.

وبهذا المعنى، لا تصبح الحرب على الإنترنت مجرد مرآة مشوهة للمعركة، بل جبهة موازية تُصاغ فيها الوقائع على مقاس ما يريد كل طرف أن يراه.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا