آخر الأخبار

مصباح يزدي.. مُعلم مجتبى خامنئي الذي منح الشرعية المطلقة للفقيه

شارك

"كلما كانت تراودني فكرة: ما الذي سيحصل بعد رحيل الإمام؟ ينتابني الاضطراب وأحاول أن أصرف هذه الفكرة عن مخيلتي ولا أعود إلى التفكير بها بتاتا".

بواسطة (آية الله مصباح يزدي)

في قلب إيران وتحديدا في مدينة يزد ولد محمد تقي مصباح يزدي عام 1934، حيث تلقى تعليمه الأولي قبل أن يتجه مطلع الخمسينيات إلى النجف مركز الثقل الديني الشيعي بحثا عن التكوين العلمي في حوزتها؛ غير أن اعتبارات مادية وعائلية سرعان ما دفعته إلى تغيير مساره نحو مدينة قم، التي ستغدو لاحقا فضاءه الأهم، إذ تتلمذ فيها على يد أبرز رموز الحوزة آنذاك، ومن بينهم روح الله الخميني ومحمد حسين الطباطبائي ومحمد تقي بهجت وحسين البروجردي، وهو ما أسهم في تشكيل ملامحه الفكرية المبكرة ضمن بيئة دينية حركية ومتنوعة.

وكما يذكر محمد صادق الهاشمي في تناوله لسيرة مصباح يزدي، فمع تصاعد التوتر السياسي في عهد الشاه انخرط مصباح يزدي في النشاطين الثقافي والسياسي ضمن شبكة من العلماء الثوريين، كان من بينهم محمد بهشتي ومرتضى مطهري، حيث شاركوا في تنظيم حلقات فكرية ومحاضرات تدعو إلى تأسيس نظام حكم إسلامي شيعي، ولهذا ارتبط اسمه بالعمل الإعلامي السري من خلال مساهمته في مجلة "بعثت" الفارسية، إلى جانب تأسيسه مجلة "انتقام" ذات الخطاب الحاد المناهض لنظام الشاه وقتئذ، وفق ما أورده هادي خسرو شاهي في كتابه "التيارات والتنظيمات الدينية-السياسية في إيران". ولم يقتصر دور يزدي على ذلك، بل شارك في الجهود التنظيمية الأولى لرجال الدين فضلا عن دوره في طباعة خطب الخميني وتوزيعها سرا، في إطار العمل الدعوي المعارض.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 نكون أو لا نكون.. المعركة الوجودية القادمة لحزب الله
* list 2 of 2 فوكو في طهران.. هل كانت الثورة الإسلامية ظاهرة روحانية حقا؟ end of list

وفي السنوات التي سبقت اندلاع الثورة الإسلامية في إيران عام 1979 بقليل، برز محمد تقي مصباح يزدي بوصفه أحد المساهمين في تحديث الحوزة العلمية ومحاولة ربطها بالمجال الأكاديمي الجامعي، وذلك بالتعاون مع شخصيات دينية بارزة مثل أحمد جنتي ومحمد بهشتي وعلي قدوسي، كما تولى إدارة مدرسة "المنتظرية" في مدينة قم، حيث قدم دروسا منتظمة في الفلسفة والأخلاق وتفسير القرآن، وأسهم في تكوين جيل من الطلبة ضمن رؤية تجمع بين التكوين الديني الشيعي والانشغال بالقضايا الفكرية المعاصرة.

مصدر الصورة آية الله روح الله الخميني عائدا من منفاه في فرنسا إلى طهران (الفرنسية)

كما نشط يزدي في إنتاج دراسات ذات طابع اجتماعي وسياسي، خاصة في موضوعات الجهاد والقضاء ونظرية الحكومة الإسلامية، وذلك في مرحلة اتسمت بتصاعد المعارضة لنظام الشاه عقب نفي الخميني، وفي سياق انفتاحه على الدوائر الخارجية، قام بزيارة إلى لندن عام 1978، أمضى خلالها شهرين، ركز فيهما على التعريف بالفلسفة الإسلامية ومناقشة قضايا الحكم الإسلامي مع الأوساط الإيرانية هناك.

إعلان

وكما يرصد كل من غيث علاو وفاطمة علي وعريب أبو صليح في تتبعهم لسيرة يزدي باعتباره "مؤسس الأصولية الجديدة في إيران" فقد أظهرت مسيرة الرجل الثقافية والسياسية انتماءه الواضح إلى التيار "الأصولي" المحافظ في الداخل الإيراني. فعقب انتصار الثورة الإسلامية عام 1979، برز كأحد الفاعلين في إعادة تشكيل البنية الثقافية للدولة، حيث انضم إلى اللجنة الثقافية الثورية، وأسهم في بناء جسور مؤسسية بين الحوزة العلمية والجامعات، من خلال تأسيس مكتب للتعاون والتنسيق بينهما، كما حظي بدعم مباشر من روح الله الخميني لتأسيس عدد من المؤسسات العلمية والفكرية، من أبرزها مؤسسة "باقر العلوم" إلى جانب تطويره لقسم التعليم في مؤسسة "في طريق الحق" ذات الطابع الثقافي، وتأسيسه "مؤسسة الإمام الخميني للتعليم والبحث العلمي" (تطورت من مؤسسة باقر للعلوم) التي ظل يتولى رئاستها حتى وفاته عام 2021.

"أسس يزدي عددا من المؤسسات العلمية أبرزها مؤسسة باقر العلوم التي تطورت إلى مؤسسة الإمام الخميني للتعليم والبحث العلمي"

وبالتوازي مع نشاطه المؤسسي والسياسي، حافظ يزدي على حضوره في المجال الدعوي والتبليغي بين الشيعة داخل إيران وخارجها، حيث زار ألمانيا وبلجيكا وهولندا والنمسا وسويسرا عام 1989، وشارك في لقاءات فكرية مع شخصيات ومؤسسات متعددة، كما زار كندا والولايات المتحدة والتقى بالطلبة الإيرانيين والهيئات الأكاديمية، وشارك في فعاليات دولية من بينها الجمعية العامة للأمم المتحدة. وامتدت هذه الجولات إلى عدد من الدول الآسيوية والأفريقية، في إطار سعيه إلى نشر رؤيته الفكرية وتعزيز حضوره في الأوساط الدينية والفكرية خارج إيران.

كما أسس محمد تقي مصباح يزدي عام 1996 بالتعاون مع منظمة "الباسيج" برنامج "طرح ولايت" أي مشروع الولاية، الذي استهدف تحصين الأساتذة والطلاب أيديولوجيا وترسيخ مفاهيم "ولاية الفقيه المطلقة" داخل الأوساط الأكاديمية، وهو مشروع عكس خلاصة رؤيته الفكرية التي طوّرها في "مؤسسة الإمام الخميني للتعليم والبحث العلمي" لمواجهة التيارات "التحررية".

وعلى الصعيد السياسي جسّد يزدي ثقل التيار الأصولي داخل مجلس خبراء القيادة منذ انتخابه عام 1990 ممثلا عن محافظة خوزستان في دورته الثانية، ثم انتقاله لتمثيل طهران في الدورتين الثالثة والرابعة، وصولا إلى عودته للمجلس في الانتخابات التكميلية عام 2020 ممثلا عن محافظة خراسان رضوي، مما أكد استمرارية حضوره المحوري في دوائر صنع القرار الديني والسياسي حتى وفاته عام 2021.

مصدر الصورة محمد تقي مصباح يزدي (أعلى اليمين) ورئيس مجلس صيانة الدستور أحمد جنتي (أعلى الوسط) خلال جلسة لتعيين رئيس جديد للمجلس في طهران عام 2015 (الفرنسية)

مصباح يزدي.. المدافع الشرس عن ولاية الفقيه

تُظهر مواقف محمد تقي مصباح يزدي تمسكا صارما لا حدود له بنظرية ولاية الفقيه، إذ يُعد من أبرز منظّريها والمدافعين عنها داخل التيار الأصولي الإيراني، وينطلق في ذلك من تصور عقائدي يضفي على السلطة طابعا مقدسا. فهو يرى أن "سلطة الولي الفقيه هي الشكل الوحيد الممكن للحكومة الإسلامية، وأن حكومته تتمتع بكل الصلاحيات"، فالولي معصوم معين من الله، وليس للشعب دور في إضفاء الشرعية على ولايته، وتعكس هذه الرؤية موقفا واضحا في نفي الدور الشعبي لعامة الناس في تأسيس الشرعية السياسية، مقابل تأكيد المرجعية الدينية العليا بوصفها المصدر الحصري للسلطة.

"يرى يزدي أن سلطة الولي الفقيه هي الشكل الوحيد الممكن للحكومة الإسلامية، وأنه يتمتع بكل الصلاحيات المعصومة".

ولهذا السبب ارتبط اسم يزدي بسلسلة من المواقف الجدلية في الحقلين السياسي والثقافي، خصوصا في تعاطيه مع التيار الإصلاحي، إذ رغم إقراره بأن الإصلاح جزء من "نظام القيم الإسلامية"، فإنه وقف موقفا حادا من الحركة الإصلاحية الإيرانية المعاصرة، واصفًا إياها بأنها "إحياء للتقليد الكافر لإيران قبل 2500 عام". وفي المقابل، أبدى قبولا مشروطا لفكرة الإصلاح ضمن الإطار الذي يحدده المرشد الأعلى.

إعلان

بل إن يزدي انتقد الجمهورية ومبدأها، قائلا: "ليس لدينا في الإسلام جمهورية، وإن الإمام الخميني كان هدفه الحكومة الإسلامية، وإنه لجأ إلى النظام الجمهوري من باب المصلحة فقط، وإن اختيار الإمام الخميني للنظام الجمهوري كان بناء على مقتضيات ما قبل الثورة".

وسنرى رؤيته تلك تمتد إلى قضايا التعدد الديني، حيث رفض المساواة المطلقة بين أتباع الديانات المختلفة بدعوى الحقوق المدنية، معتبرًا أنه "لا ينبغي أن نقول بحجة الحقوق المدنية أن البهائيين واليهود والمسلمين لا يختلفون لأن أحكام الذمة منصوص عليها في الإسلام في مثل هذه الحالات". وكثيرا ما وجّه انتقادات لميثاق الحقوق المدنية الذي طرحه الرئيس الإيراني الأسبق حسن روحاني، في موقف يعكس رؤيته الصارمة لطبيعة الانتماء الديني والسياسي داخل الدولة.

مصدر الصورة أحمدي نجاد قرر عام 2011 مقاطعة الأنشطة العامة لمدة 8 أيام احتجاجا على رفض علي خامنئي إقالة وزير الاستخبارات حيدر مصلحي (شترستوك)

وعكست مواقف محمد تقي مصباح يزدي تجاه السلطة السياسية في إيران تصورا واضحا قام على مركزية موقع القائد الأعلى "الولي الفقيه" النائب "عن الإمام المهدي الغائب" بوصفه المرجعية العليا في منح الشرعية وتحديد حدود الفعل السياسي، ففي أعقاب الانتخابات الرئاسية لعام 2009، قدّم يزدي دعما صريحا لمحمود أحمدي نجاد، الذي عُدّ من أقرب تلامذته فكريا حينها، حيث دافع عنه في مواجهة خصومه السياسيين، وندّد بما اعتبره تدخلا خارجيا في الشأن الإيراني، داعيًا نجاد إلى "تغيير علاقة إيران بهذه القوى تبعا لمواقفها من البلاد". كما حذّر من "التحركات التي يشارك فيها بعض الإيرانيين في الداخل بقصد أو دون قصد لتقويض أو إضعاف النظام الإسلامي في البلاد، لأن طاعة الرئيس -بعد مصادقة القائد الأعلى على انتخابه- تندرج في إطار طاعة الله".

غير أن هذا الدعم لم يكن مطلقا، بل ظل مشروطا بمدى التزام الرئيس نجاد بسلطة القائد الأعلى علي خامنئي، وهو ما تجلى بوضوح في أزمة عام 2011، حين قرر أحمدي نجاد مقاطعة الأنشطة العامة لمدة 8 أيام احتجاجا على رفض المرشد الراحل علي خامنئي إقالة وزير الاستخبارات حيدر مصلحي، وفي ظل ما رآه مصباح يزدي تعديا من نجاد على سلطة المرشد الأعلى، فقد قرر يزدي سحب ثقته من محمود أحمد نجاد، مؤكدا أن الشرعية السياسية لا تستمد من الإرادة الشعبية بقدر ما ترتبط برضا القائد الأعلى الولي الفقيه، وموجها له رسالة صريحة قائلا فيها: "الطاعة والخضوع للقائد الأعلى واجب ديني لا علاقة له بالسياسة"، في إشارة إلى أن حدود السلطة التنفيذية تظل مرهونة بالمرجعية الدينية العليا التي تحدد مسار النظام السياسي.

"قرر يزدي سحب ثقته من محمود أحمد نجاد حين قرر مخالفة خامنئي، مؤكدا أن الشرعية السياسية لا تستمد من الإرادة الشعبية بقدر ما ترتبط برضا الولي الفقيه".

وعلى هذا لطالما نُظر إلى آية الله يزدي بوصفه أحد أبرز المفكرين الذين أسهموا في بلورة الإطار الأيديولوجي للنظام الإيراني في مرحلة ما بعد الثورة الإسلامية عام 1979. وقد تميزت قراءته لنظرية ولاية الفقيه بطابعها التأصيلي، إذ لم يتعامل معها باعتبارها مجرد صيغة دستورية لتنظيم السلطة، بل بوصفها امتدادا للولاية الدينية في زمن غيبة الإمام المهدي، ضمن تصور عقدي متكامل يرتكز أساسا على التفويض الشرعي، لا على الإرادة الشعبية.

مصدر الصورة مصباح يزدي (يمين) وعلي خامنئي (مكتب حفظ ونشر آثار آية الله العظمى السيد علي خامنئي)

نعمة لا تقدر بثمن

هذا الموقف الاجتهادي لمصباح يزدي ظل مبدأ ثابتا في حياته لا يتزحزح؛ فطالما اعتبر وجود "الولي الفقيه" نعمة لا يقدرها كثير من المعارضين وحتى الإيرانيين؛ وهذا ما نراه في العديد من تصريحاته مثل لقائه مع صحيفة برتو الإيرانية بتاريخ أكتوبر/تشرين الأول 2010، حيث يقول: "من النعم العظيمة، التي لو أنّ أمثالي وكلّ إيراني عكف ليلَ نهار طيلة سنين مديدة من عمره على شكرها لم يؤدّ حقّها، هي نعمة توطُّد النظام الإسلاميّ، وحاكميّة الوليّ الفقيه، وعلى وجه الخصوص وجود شخص كقائد الثورة المعظّم".

"رأى يزدي في الولي الفقيه نعمة لا تعدلها نعمة أخرى على المجتمع والدولة في إيران".

وهو يرى في الولي الفقيه نعمة لا تعدلها نعمة أخرى على المجتمع والدولة في إيران خاصة والشيعة عامة، قائلا: "إنّ شخصيّته تُعدّ ـ بالنسبة لكلّ مسلم، وأخص بالذكر المسلمين الإيرانيين، وعلى وجه التحديد الشيعة منهم، نعمة هي على جانب من العظمة بحيث لا يمكن قياسها بباقي النعم؛ بمعنى أننا لو وضعنا كل النعم المادّية في كفّة ميزان وهذه النعمة لوحدها في الكفّة الأُخرى، فإنّ قيمة وفائدة وجود هذا الرجل سترجح على مجموع النعم المادّية التي منّ الله بها على كلّ فرد من أفراد مجتمعنا".

إعلان

ولهذه المركزية للولي الفقيه، ودور المرشد في الدولة والمجتمع الشيعي في فكر مصباح يزدي؛ فإنه كان يخشى من غيابها وفقدانها، حتى إنه كان يخاف من مجرد ورود هذا الخاطر على ذهنه، قائلا: "كلّما كانت تراودني فكرة: ما الذي سيحصل بعد رحيل الإمام؟ ينتابني الاضطراب وأُحاول أن أصرف هذه الفكرة عن مخيّلتي ولا أعود إلى التفكير بها بتاتا". ولهذا كان يحذر من استهداف مرشد الثورة الإيرانية علي خامنئي بكل قوة، قائلا: "علينا أن نبذل كلّ ما في وسعنا في صدّ هذه الهجمات وألا ندعهم يَجْنُون ولو اليسير من ثمار مؤامراتهم"

وقد انتقد يزدي بشدة من تبنّوا خطابا يحدّ من دور الدولة في تطبيق القيم الدينية، حيث قال: "إن فصل الدين عن السياسة والتأكيد على أن الدين واجب رجال الدين وليس الحكومة هو شعار الجبهة الوطنية الذي يرفعه اليوم للأسف بعض مسؤولي العمامة". كما تساءل عن مرجعية هؤلاء بقوله: "من أين تعلمتَ دينك؟ من المدرسة الفيضية (أبرز المدارس العلمية في حوزة قم) أم من إنجلترا؟". وقد فُسّرت هذه التصريحات في بعض الأوساط على أنها رد غير مباشر على مواقف الرئيس حسن روحاني وأنصاره تجاه هذه القضايا.

مصدر الصورة أكبر هاشمي رفسنجاني هاجم فكر مصباح يزدي واتهمه بالسعي إلى استئصال جذور فكر الخميني بالتطرف والجمود والتحجر (رويترز)

ولعل حمل مصباح يزدي لراية الأصولية الجديدة في إيران، وهجومه الشرس على كل خصومه وعلى رأسهم المطالبين بالإصلاح، قد دفع الرئيس الأسبق علي أكبر هاشمي رفسنجاني إلى مهاجمة فكر مصباح يزدي، واتهامه بالسعي إلى استئصال جذور فكر الخميني بالتطرف والجمود والتحجر، على حد وصفه.

وكما رصدت الباحثة في الشؤون الإيرانية فاطمة الصمادي ففي عام 2018، وفي سياق تصاعد النقاشات الداخلية حول مستقبل نظام ولاية الفقيه في إيران وظهور تيار قوي معارض له، برزت مؤشرات تعكس احتدام الخلافات داخل النخبة السياسية والدينية، وهو ما يمكن قراءته بوصفه أحد تجليات التنافس على تحديد طبيعة القيادة في النظام ومستقبلها، ومن بين هذه المؤشرات جاءت تصريحات آية الله محمد تقي مصباح يزدي القوية والمناوئة لهذا التيار.

"انتقد يزدي بحدة الدعوات لإجراء استفتاء يهدف إلى تعديل أو إعادة النظر في نظام ولاية الفقيه قائلا إنه ينبع من تأثر مفرط بالنماذج الغربية".

حيث تضمنت هذه التصريحات، المنشورة في موقعه الرسمي، جملة من النقاط التي كشفت حينها طبيعة هذا الجدل؛ إذ انتقد بحدة الدعوات لإجراء استفتاء يهدف إلى تعديل أو إعادة النظر في نظام ولاية الفقيه، كما ألمح إلى أن بعض المسؤولين في الدولة يتبنون مواقف نقدية تجاه هذا المبدأ، ويصفونه ضمنيا بكونه أقرب إلى الحكم غير الديمقراطي، وإن كانوا يتجنبون الإعلان عن ذلك في الداخل، معتبرا ذلك تأثرا مفرطا بالنماذج الديمقراطية الغربية بوصفها التعبير الأسمى عن التطور السياسي، مقابل التقليل من شأن النظريات الأخرى.

كما تضمنت مداخلته تلك دعوة إلى مراجعة شاملة لمسار العقود الأربعة التي أعقبت الثورة الإسلامية، بهدف تقييم التجربة وتحديد مسارات المستقبل، محذرا من احتمال تآكل منجزات الثورة في حال غياب هذه المراجعة، وفي المقابل شدد على أهمية الدور الذي تؤديه مؤسسات النظام، ولاسيما الحرس الثوري، معتبرا أن تعدد وظائفه يعكس مكانته المركزية في حماية النظام واستمراريته.

هاجم يزدي كل من تبنى خطابا يحد من دور الدولة في تطبيق القيم الدينية (الفرنسية)

نظرة يزدي لأمريكا وإسرائيل وتلمذة مجتبى خامنئي

ولئن كان يزدي مدافعا شرسا طوال حياته عن ولاية الفقيه ومركزيتها، فإن رؤيته أيضا عكست عداء قويا تجاه الولايات المتحدة، إذ وضعها ضمن ما يعرف في الخطاب الإيراني بـ"منظومة الاستكبار العالمي"، التي تقدم بوصفها ندا في مواجهة الهوية الإسلامية كما يراها ومحاولة لاختراق بنية المجتمعات المسلمة سياسيا وثقافيا.

"لم ينظر مصباح يزدي إلى أمريكا بوصفها خصما جيوسياسيا فحسب، بل باعتبارها نموذجا فكريا يتعارض مع الأسس العقدية للنظام الإسلامي".

ولهذا لم ينظر مصباح يزدي إلى الولايات المتحدة بوصفها خصما جيوسياسيا فحسب، بل باعتبارها نموذجا فكريا يحمل منظومة قيم -كالديمقراطية الليبرالية- كان يرى أنها تتعارض مع الأسس العقدية للنظام الإسلامي، ومن هنا ارتبط نقده لأمريكا برفضه الأوسع للنموذج الغربي في الحكم، واعتباره جزءا من مشروع يهدف إلى إعادة تشكيل المجتمعات الإسلامية عبر ما يوصف بالحرب الناعمة والتأثير الثقافي.

إعلان

أما فيما يتعلق بإسرائيل، فقد اتخذت مواقف مصباح يزدي طابعا أكثر حدة، حيث أدرجها ضمن إطار أوسع من الصراع العقائدي لا السياسي فقط، وقدمها بوصفها عنصرا محوريا في منظومة معادية للإسلام، ومن هنا تُفهم الصهيونية في خطابه على أنها امتداد لمشروع الهيمنة الغربية، وفاعل رئيس في توجيه السياسات الدولية تجاه المنطقة.

وقد ترتب على هذا التصور قراءة للصراع مع إسرائيل بوصفه جزءا من مواجهة شاملة تتداخل فيها الأبعاد الدينية والسياسية، وهو ما يفسر دعوته إلى تعزيز قدرات الردع الإيرانية في مواجهة هذا التحدي، ضمن تصور أوسع ليزدي والتيار المحافظ يرى الصراع مع الغرب وإسرائيل صراعا حضاريا ممتدا، وليس مجرد نزاع إقليمي، كما يتضح من دعوته إلى امتلاك إيران " أسلحة خاصة" لموازنة تفوق بعض الدول، وربطه الصراع بتحالف عالمي معاد للإسلام، وهو ما كشفه في بعض محاضراته في عام 2010.

ولم يكن من الغريب وفق هذه الاجتهادات التي تصدرها آية الله مصباح يزدي أن يكون على علاقة وثيقة بكل من المرشد الإيراني علي خامنئي وابنه، فقد شكلت مرحلة دراسة مجتبى خامنئي في قم نقطة التقاء مبكرة بين الرجلين، حيث حضر مجتبى بعض دروس مصباح يزدي، وتأثر بأطروحاته التي تُعلي من شأن ولاية الفقيه وتؤكد ضرورة الحفاظ على البنية الأيديولوجية للنظام، وأنها مقدمة على أي شيء آخر، بما فيها الإرادة الشعبية.

مجتبى حضر بعض دروس مصباح يزدي وتأثر بأطروحاته التي تعلي من شأن ولاية الفقيه وتؤكد ضرورة الحفاظ على البنية الأيديولوجية للنظام (الفرنسية)

وفي ضوء التحولات السياسية التي شهدتها إيران، خاصة خلال فترة صعود التيار الإصلاحي في عهد محمد خاتمي في أواخر تسعينيات القرن الماضي، برزت هذه العلاقة ضمن سياق أوسع من إعادة تشكّل التوازنات داخل المعسكر المحافظ. وهكذا فإن العلاقة التي بدأت بالتتلمذ العلمي، تطورت فيما بعد إلى تقاطع فكري وسياسي، وقد انعكس هذا التقاطع في تبني رؤية أيديولوجية مشتركة، وفي دعم كلا الرجلين لشبكات سياسية أسهمت في صعود محمود أحمدي نجاد.

وقد أثمرت جهود يزدي تعزيز حضور التيار المحافظ داخل بنية النظام الإيراني بما فيها بعض الدوائر المرتبطة بالحرس الثوري، وأسهمت أطروحاته في توفير أساس نظري يعزز مركزية القيادة الدينية، وهو ما يلتقي مع تصورات تُنسب إلى مجتبى خامنئي بشأن الحفاظ على موقع المرشد ودوره المحوري في توجيه النظام السياسي.

"شبكات يزدي وخامنئي داخل الحرس الثوري تشكّلت في سياق التجربة الميدانية وروابط الحرب، وليس فقط عبر التلمذة العلمية"

ولعل انخراط مجتبى خامنئي في الحرب الإيرانية العراقية في ثمانينيات القرن الماضي ضمن كتيبة "حبيب بن مظاهر"، والتي خرج من صفوفها لاحقا عدد من القيادات الأمنية والاستخباراتية، السبب الأهم الذي دفع مجتبى للتقارب الفكري من أطروحات يزدي، ويُفهم من ذلك أن شبكات الرجلين داخل المؤسسة العسكرية تشكّلت في سياق التجربة الميدانية وروابط الحرب، وليس فقط عبر المسارات الرسمية المرتبطة بتدرج المناصب والتلمذة العلمية.

وقد أسهم محمد تقي مصباح يزدي إسهاما ملحوظا في إثراء المكتبة الشيعية، حيث خلّف إنتاجا علميا واسعا تجاوز مئة وخمسين مجلدا، توزعت موضوعاتها بين تفسير القرآن والفلسفة والأخلاق وكان من أبرز مؤلفاته: النبوة في القرآن، ودروس في العقيدة، والسير إلى الله، وأصول المعارف الإنسانية، والمنهج الجديد في تعليم الفلسفة، وبارقة من سماء كربلاء، والحكومة الإسلامية وولاية الفقيه وغيرها من الأعمال الأخرى.

توفي آية الله محمد تقي مصباح يزدي في يوم الجمعة الموافق 1 يناير/كانون الثاني 2021 في العاصمة الإيرانية طهران عن عمر بلغ 85 عاما، وذلك بعد عقود طويلة قضاها في التدريس والتأليف والوظائف الدينية والسياسية، والعمل الدؤوب لتثبيت أقدام التيار المحافظ داخل بنية النظام والدولة، والدفاع المستميت عن مركزية ولاية الفقيه في هذا النظام.

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا