عندما هاجم مستوطنون إسرائيليون قرية أبو فلاح في الضفة الغربية المحتلة، طلبت ميليا حمايل من ابنها ألا يحاول التصدي لهم، لكن الشاب البالغ من العمر 30 عاماً ذهب للدفاع عن أرض صديق له بكل الأحوال.
قالت ميليا لوكالة الأنباء الفرنسية: "اتصلت به مرتين أو ثلاث مرات ولم يرد. بعد ذلك.. الله يرحمه". وكانت تتحدث وشفتاها ترتجفان وهي تنظر إلى صورة لابنها ثائر.
وبعد وقت قصير على مغادرته المنزل قُتل ثائر مع رجل آخر من القرية، حسبما أعلنت السلطات الفلسطينية. وأضافت أن فلسطينياً ثالثاً قضى اختناقاً بعد أن أطلق الجيش الإسرائيلي قنابل الغاز المسيل للدموع.
وبينما ينصب اهتمام العالم على الحرب بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة، تشهد الضفة الغربية المحتلة تصاعداً في أعمال العنف الاستيطاني.
ومنذ بداية الشهر قُتل ستة فلسطينيين بنيران مستوطنين بحسب وزارة الصحة في رام الله.
وقالت منظمة "بتسيلم" الإسرائيلية لحقوق الإنسان إن تصاعد الهجمات القاتلة "يشير إلى تكثيف جهود التطهير العرقي الإسرائيلية تحت غطاء الحرب مع إيران".
ويشاركها فلسطينيون على الأرض هذا الرأي. وقال إبراهيم حمايل أحد سكان أبو فلاح الذي حاول التصدّي للمستوطنين: "يبدو أن المستوطنين.. وجدوا في الحرب الإيرانية فرصة ذهبية".
وأضاف حمايل، الذي لا تربطه صلة قرابة بالرجل الذي قُتل، أن الهجمات تزايدت بشكل كبير منذ أن شنت إسرائيل حملتها ضد إيران في 28 فبراير (فبراير).
وتدعم الأرقام كلامه على ما يبدو. فخلال الثمانية والعشرين شهراً الفاصلة بين بدء حرب غزة في أكتوبر (تشرين الأول) 2023 وبدء الحرب ضد إيران الشهر الماضي، قُتل 24 فلسطينياً على يد مستوطنين، وفق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا).
وإضافةً إلى نحو ثلاثة ملايين فلسطيني، يعيش أكثر من 500 ألف إسرائيلي في مستوطنات وبؤر استيطانية في الضفة الغربية، وهي تجمعات تعد غير شرعية بموجب القانون الدولي.
وقال إبراهيم حمايل لوكالة الأنباء الفرنسية من موقع الاشتباك، إنه عندما وصل المستوطنون "كانوا جميعاً ملثمين، وكان بعضهم يحمل أسلحة نارية".
وأشار إلى المكان الذي قتل فيه أحد الفلسطينيين ذلك اليوم في بستان زيتون حيث تلطخت صخور من الحجر الجيري الأبيض بدمه الذي امتزج بتراب الضفة الغربية الأحمر. ووُضعت دوائر حجرية صغيرة في الموقع تذكاراً للذين قتلوا، ورُفع علم فلسطيني صغير فوق إحداها.
من جهته أفاد الجيش الإسرائيلي وكالة الأنباء الفرنسية بأنه أرسل قوات إلى أبو فلاح، شمال شرق مدينة رام الله الفلسطينية، بعد تلقيه بلاغات عن تعرض فلسطينيين لهجمات من جانب مستوطنين إسرائيليين، و"عمل على تفريق المتورطين باستخدام وسائل تفريق الجموع".
ودان الجيش الإسرائيلي أعمال عنف المستوطنين الإسرائيليين، وأقرّ بمقتل ثلاثة فلسطينيين أحدهم قضى اختناقاً، دون أن يحدد ما إذا كان قد توفي جراء الغاز المسيل للدموع الذي استخدمه الجيش.
وتقول منظمات حقوقية فلسطينية وإسرائيلية إن هدف المضايقات هو تهجير الفلسطينيين من أراضيهم، تلة تلو الأخرى.
وفي هذا السياق، قال إبراهيم حمايل: "هدفهم تنفيذ مخططاتهم: التضييق على الفلسطينيين ومنع الامتداد العمراني للقرى وسياسة تهجير".
وأعلنت الأمم المتحدة أن 180 فلسطينياً نزحوا منذ بدء الحرب مع إيران في 28 فبراير (شباط)، و1500 منذ بداية عام 2026.
وقال الاتحاد الأوروبي في بيان مؤخراً إن "مستوى العنف في الضفة الغربية غير مقبول"، مضيفاً أن العديد من القرى الفلسطينية "هوجمت وتضررت ممتلكاتها ودُمرت سبل عيشها" منذ بدء الحرب مع إيران.
وتصاعد العنف في الضفة الغربية التي تحتلها إسرائيل منذ العام 1967، بشكل كبير منذ 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023. واستمرت أعمال العنف رغم دخول وقف لإطلاق النار حيز التنفيذ في غزة في 10 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي. ويتصاعد عنف المستوطنين منذ بداية الحرب في غزة، إذ وصل النزوح هذا العام إلى 90 بالمئة من مستويات عام 2025، بحسب أرقام مكتب أوتشا.
ذهب معاذ قاسم البالغ من العمر 32 عاماً أيضاً للتصدي للمستوطنين في أبو فلاح، لكنه لم يكن على علم في البداية بالوفيات الثلاث التي هزّت قريته. وقال لوكالة الأنباء الفرنسية من منزله بعد خمسة أيام، وكانت على جبينه ضمادة فيما ظهرت كدمات صفراء تحت عينيه: "ضربوني بعصا على رأسي.. ثم أخذوني إلى المستشفى.. وبدأت المعمعة عندما كنت المستشفى".
وتقع أبو فلاح في منطقة معرضة بشكل خاص لهجمات المستوطنين وعنف الجيش، وتقع حوادث شبه يومية في قرى مجاورة. وفي هذا السياق، قال قاسم "كل يوم هناك مشاكل" وأضاف "كل يوم ينشئ المستوطنون بؤراً جديدة. لسنا في مأمن منهم على الإطلاق".
المصدر:
العربيّة