آخر الأخبار

لبنان بين الحرب والتفاوض.. هل فات الأوان؟ | الحرة

شارك

لم يحتج اللبنانيون إلى كثير من الوقت ليدركوا أن بلدهم انزلق مجدداً إلى حرب. فمع إطلاق حزب الله صواريخ على إسرائيل في مطلع مارس الجاري، تبدّل المشهد سريعاً: قرى حدودية تحت القصف، آلاف العائلات على طرق النزوح، واقتصاد مثقل بالأزمات يترنح أكثر.

وجد لبنان نفسه مرة أخرى في قلب مواجهة عسكرية واسعة بعدما فتح حزب الله جبهة تحت عنوان “الإسناد” لإيران.

وفي خضم هذا التصعيد، برز طرح سياسي غير مسبوق في الداخل اللبناني تمثل في دعوة رئيس الجمهورية جوزاف عون إلى إطلاق مسار تفاوضي مباشر مع إسرائيل برعاية دولية، في محاولة لوقف الحرب وفتح نافذة لتسوية دائمة على الحدود.

غير أن هذا الطرح، بدلاً من أن يبدد الضباب، فتح الباب أمام أسئلة أكثر تعقيداً: هل ما زال باب التسوية ممكناً بعدما غرق لبنان في أتون الحرب؟ وكيف سيتعامل حزب الله مع مسار تفاوضي مباشر تقوده الدولة مع إسرائيل؟ والأهم، هل تمتلك الدولة اللبنانية القدرة الفعلية على تنفيذ أي التزامات قد تنتهي إليها المفاوضات المحتملة؟

مبادرة غير مسبوقة

في لبنان، لطالما كان ينظر إلى أي تفاوض مباشر مع إسرائيل بوصفه خطاً سياسياً أحمر، قبل أن يقدّم عون مبادرته السياسية في محاولة لوقف الانزلاق نحو حرب أوسع.

ودعا عون إلى دعم دولي لمسار متكامل يشمل إرساء هدنة كاملة، وتقديم دعم لوجستي للقوات المسلحة اللبنانية، وانتشار الجيش اللبناني في مناطق التوتر مع العمل على تفكيك مخازن سلاح حزب الله وفق المعلومات المتاحة. كما يتضمن الطرح إطلاق مفاوضات مباشرة بين لبنان وإسرائيل برعاية دولية، بهدف الاتفاق على آليات تنفيذ هذه الخطوات وترسيخ الاستقرار الدائم على الحدود.

وسبق رئيس مجلس الوزراء نواف سلام، عون، في طرح ملامح مقاربة الحكومة لوقف الحرب والتعامل مع تداعياتها السياسية والأمنية والإنسانية، إذ كشف في مقابلة مع صحيفة “لوريان لوجور” أن لبنان منفتح على مختلف صيغ التفاوض لإنهاء النزاع، بالتوازي مع التمسك بمسار حصر السلاح بيد الدولة.

يذكر أن عون كان قد طرح قبل أشهر مبادرة لم تلقَ تجاوباً، تقوم على نزع ذرائع المواجهة تدريجياً. وتقضي بانسحاب إسرائيل من نقطة واحدة على الأقل من الأراضي اللبنانية، مقابل أن تبسط الدولة اللبنانية سيطرتها الكاملة عليها، على أن تتولى جهات دولية التحقق من التنفيذ قبل الانتقال إلى مراحل لاحقة، وصولاً إلى “اتفاق نهائي لوقف الأعمال العدائية وترتيبات أمنية دائمة على الحدود”.

عقدة التوقيت

داخل الأوساط السياسية اللبنانية، يدور جدل حول توقيت طرح المسار التفاوضي المباشر مع إسرائيل. فبعض المراقبين يرون أنه كان يفترض على لبنان الذهاب إلى مفاوضات مباشرة قبل الانزلاق إلى حرب جديدة.

وفي هذا السياق، يقول النائب إبراهيم منيمنة إن لبنان وصل إلى “مرحلة شديدة الصعوبة” نتيجة التأخر في حصر السلاح بيد الدولة، ويضيف منيمنة في حديث لموقع “الحرة” إن الدولة طالبت منذ نحو عام ونصف بحصر السلاح بيدها من دون حلّ هذا الملف، معتبراً أن الحزب مارس “مراوغة كبيرة”، الأمر الذي أدى إلى “تراجع مصداقية لبنان على الساحة الدولية.

ويتساءل منيمنة عن مدى قدرة لبنان على تقديم تعهدات جدّية في أي مفاوضات مباشرة، ويعتبر أن “المؤشرات الدولية لا توحي بقرب إطلاق مفاوضات، في ظل نظرة المجتمع الدولي إلى لبنان كدولة ضعيفة لا تملك القدرة الكافية والمصداقية”.

و أفاد موقع “إكسيوس” الأميركي بأن الحكومة اللبنانية طلبت من السفير الأميركي لدى تركيا توم باراك التوسّط مع إسرائيل، مؤكدة أن بعض أعضاء حزب الله منفتح على اتفاق. غير أن رد باراك جاء حازماً، بحسب الموقع، الذي نقل عنه قوله إن النقاش لا جدوى منه إذا لم يترافق مع تحرك حقيقي بشأن نزع سلاح حزب الله.

كما ذكر “إكسيوس” أن الحكومة الإسرائيلية رفضت المقترح رفضاً قاطعاً، معتبرة أن الوقت قد فات، في ظل تركيزها على هدف أساسي يتمثل في القضاء على حزب الله.

كذلك، نقلت وكالة “رويترز” عن صحيفة “فاينانشال تايمز”، أن إسرائيل رفضت مبادرات دبلوماسية قدمها لبنان لوقف الهجوم المتصاعد على حزب الله، مطالبة بإجراء مفاوضات “تحت النار” فقط.

ووفقاً للصحيفة، تعثرت المحادثات بسبب الخلاف على ترتيب الخطوات “إذ طالبت بيروت بوقف إطلاق النار قبل عقد أيّ اجتماع، في حين أرادت الحكومة الإسرائيلية مناقشة إمكان وقف إطلاق النار فقط”.

الخيار الوحيد

يرى مراقبون أن خيار المفاوضات يبقى مطروحاً، حتى لو قوبل بالرفض، باعتباره الخيار الوحيد القادر على فتح نافذة لوقف الحرب.

ويقول النائب في حزب “الكتائب اللبنانية” الدكتور سليم الصايغ لـ”الحرة” إن الدولة اللبنانية “تأخرت فعلاً في طرح خيار المفاوضات المباشرة”، معتبراً أن هذا المسار “لم يعد قائماً رغم المبادرة التي طرحها الرئيس جوزاف عون”، لكنه دعا في الوقت نفسه إلى مواصلة الجهود الدبلوماسية “حتى إيجاد ثغرة في جدار هذه الحرب”.

ويرى الصايغ أن لبنان يواجه معادلة معقدة تشبه السؤال الكلاسيكي: “أيهما أسبق، البيضة أم الدجاجة؟”، موضحاً أن إسرائيل تشترط نزع السلاح أولاً، فيما يطالب حزب الله بالانسحاب الإسرائيلي أولاً، ما يضع البلاد أمام معادلة يصعب حلها ويجعل الضحية فيها الدولة اللبنانية والشعب اللبناني.

ويؤكد مراقبون ألّا غنى عن التفاوض لوقف الحرب، لكن المسألة لم تعد تتعلّق بالمفاوضات المحتملة فقط، وإنما بتوقيتها أيضاً.

وفي هذا السياق، يقول عضو تكتل “الجمهورية القوية” النائب نزيه متّى إن الحديث عن أن الوقت قد فات لطرح المفاوضات المباشرة مع إسرائيل “ليس في مكانه”، مشدداً على أن “الحروب تنتهي في نهاية المطاف على طاولة المفاوضات”.

ويوضح متّى لـ”الحرة” أن لبنان دخل قبل نحو عام ونصف في مسار تفاوضي على خلفية الحرب، على أساس التزام حزب الله بما يتم الاتفاق عليه، ” إلا أن ذلك لم يتحقق، ليدخل الحزب البلاد من جديد في الحرب”.

اختبار قدرة الدولة

التحدي الأكبر أمام أي مسار تفاوضي لا يقتصر على إطلاقه، بل يرتبط بقدرة أطرافه على تنفيذ ما قد ينتج عنه من التزامات.

في هذا السياق، يبرز مجدداً ملف حصر السلاح بيد الدولة وبسط سلطة الجيش على كامل الأراضي اللبنانية، وهو الهدف الذي سعت حكومة نواف سلام إلى تحقيقه في إطار تطبيق اتفاق وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل، من دون أن يتحقق بالكامل حتى الآن.

ويشدد متّى على أن أي مفاوضات يجب أن تتم وفق الطرح الذي قدمه رئيس الجمهورية، مؤكداً أن أولويات لبنان “تتمثل في تثبيت سيادته على كامل أراضيه ومنع أيّ تدخل في شؤونه، عبر قيام دولة مكتملة المواصفات تحصر السلاح بيدها وتفعّل مؤسساتها”.

من جهته، يرى منيمنة أن الخطوة الأولى يجب أن تكون “استعادة الدولة للقرار العسكري والأمني”، محذراً من أن” الدخول في مفاوضات من موقع ضعف قد يدفع لبنان إلى تقديم تنازلات كبيرة، لاسيما وأن فتح الجبهة جاء بقرار من حزب الله، في وقت تبدو فيه الدولة عاجزة عن فرض التزاماتها على الأرض”.

كذلك يعرب الصايغ عن خشيته من “ألا يكون أمام لبنان في نهاية المطاف خيار سوى التوجه نحو مفاوضات كاملة وشاملة، تضع خارطة طريق للسلام، تتناول الأبعاد الأمنية والعسكرية والاقتصادية والفلسطينية”.

معضلة حزب الله

يرفض حزب الله فكرة المفاوضات مع إسرائيل. و اعتبر رئيس كتلة الحزب النيابية محمد رعد أن “لبنان اليوم ليس مخيراً بين الحرب والسلم، بل بين الحرب والاستسلام للشروط المذلة” التي تريد إسرائيل، بحسب قوله، فرضها على الحكومة اللبنانية.

ويثير هذا الموقف تساؤلات حول احتمال حدوث توتر داخلي في حال مضت الدولة في مسار تفاوضي مباشر.

وفي هذا السياق، يرى متّى أن البلاد وصلت إلى لحظة مفصلية، قائلاً “إما أن يكون هناك دولة في لبنان أو لا تكون”. معتبراً أن احتمال التصعيد يبقى وارداً، لكنه يرى أن وجود قرار واضح لدى رئيسي الجمهورية والحكومة والجيش بتثبيت دور الدولة سيحول دون أي محاولة لعرقلة هذا المسار.

من جهته، يرى منيمنة أن “كل الاحتمالات تبقى واردة”، مشيراً إلى أن رد فعل حزب الله يرتبط بموقف إيران من أي مسار تفاوضي محتمل.

أما الصايغ فيربط مستقبل حزب الله بكيفية انتهاء الحرب مع إيران، متسائلاً عمّا إذا كان الحزب سيصبح جزءاً من تسوية محتملة.

ويضيف الصايغ إن “حزب الله يسعى من خلال تقويض دور الدولة، إلى طرح نفسه بديلاً عنها أو شريكاً يمتلك حق النقض. هذا الدور كان ممكناً في مراحل سابقة، كما حدث عند ترسيم الحدود البحرية ورسم خط الحدود البرية النهائي. إلا أن المعادلة اليوم تغيّرت، ولم يعد هناك من يريد منحه مثل هذا الدور”.

الحرة المصدر: الحرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا