في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
النبطية- لم يكن عبد الله شبيب يستعد لشيء استثنائي في ذلك المساء الرمضاني. في الطابق العلوي من بناية سكنية في مدينة النبطية، كان يجهّز إفطار العائلة بهدوء، يضع الأطباق على الطاولة ويرتب الطعام قبل دقائق من موعد الأذان، في مشهد يومي يتكرر في بيوت كثيرة خلال هذا الشهر.
في الطابق السفلي، كان والده محمد شبيب يتفقد مدخل المبنى الذي يعمل ناطورا فيه منذ سنوات. ويقضي معظم يومه بين الدرج والباب الخارجي يراقب حركة الداخلين والخارجين، في محاولة لتأمين لقمة العيش لعائلته.
لم يكن في المكان ما يوحي بأن تلك اللحظات العادية ستتحول بعد دقائق إلى مأساة. قبل القصف بقليل، كان كل شيء يسير على نحو طبيعي، ثم دوّت فجأة أصوات الطائرات في السماء، ولم تمضِ لحظات حتى سقط صاروخ على المبنى. وفي لحظة واحدة تبدّل المشهد؛ تحوّل الإفطار الرمضاني البسيط إلى غبار كثيف وصراخ وركام يتساقط فوق كل شيء.
اليوم، يقف الأب محمد قرب ما تبقى من المبنى، يحدّق في الركام الذي ابتلع ابنه الشاب، وقال للجزيرة نت بصوت مثقل بالحزن "نحن ناس عاديون، بناية مدنية وكل من فيها مدنيون، لم يكن هناك شيء، لا سلاح ولا أي شيء مخبّأ".
بقي الابن عبد الله (18 عاما) تحت الركام ساعات عديدة، بينما كان والده ينتظر في الخارج وصول من يستطيع إنقاذه. كان انتظارا ثقيلا يختلط فيه الأمل بالخوف، قبل أن تتضح الحقيقة المؤلمة، وأضاف الأب بصوت مكسور "والله هذا كسر للقلوب.. ليس ابني وحده، كثير من الناس يموتون هكذا ظلما".
بدوره، قال محمد -وهو من بلدة جبشيت في البقاع ويقيم في النبطية منذ سنوات- إن البقاء في المنطقة لم يكن خيارا سهلا، لكنه اضطر إليه من أجل العمل وتأمين احتياجات عائلته. وأكد "بقينا هنا من أجل ربطة الخبز والدواء".
صمت قليلا يحدّق في المكان الذي تغيّر كل شيء فيه خلال ثوانٍ، ثم رفع صوته كأنه يوجّه رسالة لمن يسمعه، "نحن لبنانيون.. لكن لا نشعر أن أحدا يعتبرنا كذلك، الجنوب دائما وحده". توقف لحظة أخرى ينظر إلى موقع القصف وتمتم بصوت خافت "لم أعد أستطيع أن أقول فداء ل لبنان.. أقول فداء للجنوب فقط، لأننا وحدنا في هذا البلد، ودولتنا لا تقف معنا".
لم يكن الوصول إلى مدينة النبطية هذه المرة شبيها بأي زيارة سابقة، فالطريق الممتد من صيدا نحو الجنوب بدا أطول من المعتاد، ليس بسبب المسافة فحسب، بل لأن القلق كان يرافق كل كيلومتر نقترب فيه من منطقة تعيش تحت وابل الغارات.
وخلال جولة ميدانية قامت بها الجزيرة نت في النبطية، بدت آثار القصف واضحة على امتداد الطريق، فمع كل بلدة مررنا بها، كانت تظهر مبان متصدعة، ومحالّ أغلقت أبوابها، وطرقات خلت تقريبا من المارة، في مشهد يناقض تماما ما كانت عليه هذه المناطق قبل أيام قليلة فقط حين كانت تضج بالحياة والحركة التجارية.
وعند مدخل المدينة الواقعة جنوب نهر الليطاني، بدا الصمت أثقل من المعتاد. ففي النبطية التي تُعد حاضرة جبل عامل وخامسة أكبر مدن لبنان، لم تصادف الجزيرة نت خلال جولتها سوى رجل واحد هو محمد شبيب الذي كان يسير في شارع بدا خاليا على غير عادته، وكأن المدينة التي اعتادت صخب الأسواق وحركة الناس توقفت فجأة عند لحظة انتظار ثقيلة.
وتعرضت النبطية ومحيطها خلال الأيام الماضية لموجات متتالية من الغارات الجوية الإسرائيلية، بعد أن وجّهت تل أبيب تهديدات مباشرة لسكان مناطق واسعة جنوب الليطاني مطالبة إياهم بالمغادرة.
ومن قلب أحد أحيائها، رصدت الجزيرة نت حجم الدمار الذي خلّفته تلك الغارات، مبانٍ سكنية وتجارية تضررت بشكل بالغ، وواجهات محالّ انهارت، في حين تناثرت شظايا الزجاج والحجارة في الطرقات. وما يظهر في هذا الحي ليس سوى جزء من القصف الذي استهدف المدينة خلال الساعات الماضية، في واحدة من أكثر الضربات عنفا طالت مركزا حضريا رئيسيا في جنوب لبنان.
وبحسب ما أفاد به بعض من بقي من السكان في هذا الحي، فقد استهدفت الغارات مدرسة في هذه المنطقة، إلى جانب مجمع سكني وحضانة للأطفال، وتكشف المباني المحيطة حجم القوة التدميرية التي استخدمتها المقاتلات الحربية، إذ لحقت أضرار كبيرة بعدد من الأبنية القريبة من موقع الاستهداف.
النبطية ليست مجرد مدينة عادية في الجنوب، بل هي مركز اقتصادي واجتماعي وثقافي رئيسي لعشرات القرى المحيطة، ويبلغ عدد سكانها نحو 120 ألف نسمة داخلها، ويرتفع هذا العدد إلى ما يقارب 150 ألفا بإضافة القرى المجاورة التي تعتمد على المدينة بوصفها مركزا تجاريا وخدماتيا، ضمن محافظة يقطنها نحو 400 ألف شخص.
المشهد ذاته يتكرر بدرجات متفاوتة في مدن عدة من الجنوب، بلدات كانت تضج بالحياة تحولت تدريجيا إلى مناطق شبه خالية بعد موجات النزوح، في حين بقي قلة من السكان اختاروا عدم المغادرة، بعضهم لأن تكاليف النزوح تفوق قدرتهم، وآخرون تمسكوا بالبقاء في منازلهم رغم المخاطر.
في لبنان اليوم تتصاعد المخاوف من اتساع نطاق عمليات الإخلاء، إذ تشير تقديرات إلى أن نحو مليون ونصف مليون لبناني تلقوا تحذيرات أو تهديدات بالإخلاء، أي ما يزيد على ربع سكان البلاد. وفي النبطية، يبدو المشهد أكثر وضوحا خلال جولة الجزيرة نت، أحياء مدمرة، وشوارع شبه خالية، وقلة من السكان يحاولون الصمود في مدينة يخيّم عليها الدمار والصمت.
لكن بين الركام، لا يزال بعض سكانها صامدين متمسكين بما بقي من بيوتهم وذكرياتهم، ينتظرون لحظة يعود فيها هذا الصمت إلى ضجيج، وتمتلئ الشوارع من جديد بالناس والحركة والحياة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة