اتسعت رقعة الحرب الإقليمية لتشمل لبنان، بعدما بدأت الولايات المتحدة وإسرائيل السبت هجومًا على إيران، حليفة حزب الله، أدى إلى مقتل مئات الأشخاص، بينهم المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي ومسؤولون أمنيون كبار.
وفي سياق التصعيد، شنت تل أبيب غارات عنيفة على لبنان الاثنين، قائلة إن ذلك يأتي ردًا على هجوم نفذه حزب الله على موقع عسكري شمالي إسرائيل. وتُعدّ تلك المرة الأولى التي يستأنف فيها التنظيم إطلاق الصواريخ على أراضي الدولة العبرية منذ اتفاق تشرين الثاني/ نوفمبر 2024، في خطوة قال إنها ردّ على اغتيال خامنئي.
وفي موازاة التصعيد العسكري، اتخذت الحكومة اللبنانية قرارًا يقضي بالتشدد في مسألة السلاح غير الشرعي، مؤكدة التمسّك بمبدأ حصر السلاح بيد الدولة. وقد كلّف مجلس الوزراء الجيش اللبناني اتخاذ الإجراءات اللازمة في هذا الإطار، كما شدّدت السلطات القضائية على ملاحقة كل من يُضبط بحوزته سلاح غير مرخّص وإحالته إلى القضاء المختص.
تستدعي التطورات الأخيرة الوقوف عند خلفيات هذا القرار وفرص تطبيقه في ظل الحرب الدائرة، وهو ما تتناوله "يورونيوز" في مقابلة مع الكاتب والمحلل السياسي إبراهيم حيدر من خلال قراءة في تداعيات القرار الحكومي، والسيناريوهات المحتملة للتصعيد العسكري في لبنان، إضافة إلى انعكاسات الحرب الإقليمية المرتبطة بإيران على الواقع اللبناني.
يرى حيدر أن القرار الذي أصدره مجلس الوزراء بعد اجتماعه برئاسة الجمهورية يحمل بعدًا سياسيًا بالدرجة الأولى، ولا يقتصر على كونه قرارًا تقنيًا أو تنفيذيًا. ويشير المتحدث إلى أن هذا القرار يستند إلى مقرّرات حكومية سابقة أكدت مبدأ حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية، إلا أنه جاء في لحظة مفصلية بعد عودة البلاد إلى قلب التصعيد الإقليمي.
ويقول حيدر إن القرار، رغم طابعه السياسي، يبقى قرارًا صادرًا عن مجلس الوزراء ويُفترض أن يذهب باتجاه التنفيذ. فقد كلّف المجلس الجيش اللبناني بإلزام حزب الله بتسليم سلاحه، كما قرر حظر النشاط الأمني والعسكري للحزب، غير أن تنفيذ هذه القرارات، وفق تقديره، يبدو شديد الصعوبة في ظل الحرب الدائرة.
ويضيف المحلّل أن جوهر القرار يتمثل في محاولة فصل لبنان عن الصراع الإقليمي، إلا أن تحقيق هذا الهدف لا يمكن أن يتم بمجرد إصدار قرار سياسي، بل يتطلب خطوات عملية لوقف دائرة العنف، وفي مقدمتها وقف إطلاق الصواريخ من الجنوب اللبناني.
ويشير إلى أن سحب الذرائع التي تستخدمها إسرائيل لتبرير عملياتها العسكرية قد يفتح المجال أمام تحرّك المجتمع الدولي للضغط من أجل وقف الحرب.
كما يلفت حيدر إلى أن تكليف الجيش اللبناني بإلزام حزب الله بتسليم سلاحه يمثل مهمة معقدة للغاية، إذ أن تنفيذ مثل هذا القرار قد يؤدّي إلى صدامات داخلية، خصوصًا إذا لم يُدرك الحزب حجم المخاطر التي تحيط بالبلد أو لم يُخفف ارتباطه المباشر بالحرس الثوري الإيراني.
ويحذر من أن استمرار هذا المسار قد يدفع لبنان إلى مرحلة شديدة الخطورة، ولا سيما إذا حصلت مواجهة بين الجيش اللبناني وحزب الله، مشيرًا إلى أن الجيش يأخذ في الاعتبار التوازنات الطائفية الحساسة في البلاد، وأن أي صدام داخلي قد يحمل تداعيات خطيرة على الاستقرار.
في ما يتعلق بالسيناريوهات المحتملة، يرى حيدر أنه في ظل الحرب الدائرة ليس واردًا أن يلجأ الجيش اللبناني إلى تنفيذ القرار بالقوة. فالقيادة العسكرية، بحسب تقديره، تأخذ في الاعتبار الوضع الداخلي وتركيبة الجيش، إضافة إلى استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية والتوغلات البرية في الجنوب.
ويقول إن المرجّح أن تعتمد المؤسسة العسكرية مقاربة تدريجية في تنفيذ قرارات مجلس الوزراء ، على غرار ما يقوم به في تنفيذ القرارات القضائية. ويشير إلى أن الجيش أوقف بالفعل عددًا من المسلّحين الذين كانوا متجهين إلى الجنوب، إلا أن هذه الإجراءات تبقى محدودة التأثير في ظل وجود القوة العسكرية الأساسية لحزب الله في الجنوب والبقاع.
ويضيف المتحدّث أن وقف إطلاق الصواريخ من لبنان لا يعني الاستجابة للشروط الإسرائيلية، بل يمكن أن يكون خطوة لحماية البلد من الانزلاق إلى مواجهة مدمرة.
ويشير كذلك إلى أنه لا توجد حتى الآن مؤشرات على استعداد الحزب للاستجابة لهذا المطلب، إذ يبدو أن قراره النهائي لا يزال مرتبطًا بالقرار الإيراني، ولا سيما أن الجهاز العسكري المرتبط بالحرس الثوري الإيراني هو الذي يتخذ المبادرة.
ويرى حيدر أن لبنان يبقى الحلقة الأضعف في الصراع الإقليمي، ما يجعله الأكثر عرضة لتداعيات الحرب. وإذا استمرت العمليات العسكرية، فقد تسعى تل أبيب إلى فرض شروط جديدة على بيروت، وربما الدفع نحو مفاوضات تكرّس منطقة أمنية عازلة في الجنوب.
كما يحذر من أن استمرار الحرب قد يؤدي إلى تهجير واسع وتدمير إضافي في مناطق الجنوب، بما يترك تداعيات كبيرة على الواقع اللبناني.
في ما يتعلق بمسار الصراع، يعتبر حيدر أن الحديث عن "انتصار" في هذه المواجهة يبدو خطابًا تعبويًا أكثر منه توصيفًا واقعيًا. ويشير إلى أن الحرب التي استمرت ستة وستين يومًا وانتهت باتفاق وقف إطلاق النار في 27 نوفمبر 2024 كرّست في جزء كبير منها المطالب الإسرائيلية.
ويضيف أن الضربات التي تعرضت لها بنية حزب الله العسكرية والسياسية والقيادية تشير إلى أنه تلقى هزيمة فعلية، لكنه لم يعترف بها حتى الآن، معتبرًا أن الاعتراف بهذه الخسارة كان يمكن أن يشكل مدخلًا لإعادة تقييم المرحلة السابقة.
ويقول حيدر إن المؤشرات الحالية تدل على أن الحرب قد تكون طويلة نسبيًا، خصوصًا بعد ارتباطها بالصراع الأوسع في المنطقة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل.
ويشير إلى أن حزب الله لم يعد في موقع القوة الذي كان عليه سابقًا، سواء عسكريًا أو سياسيًا، في وقت تخوض فيه إيران الحرب بشكل مباشر على أراضيها أو في محيطها، ما يحد من قدرتها على دعمه. ويخلص إلى أن مسار المواجهة في هذه المعادلة لا يبدو في مصلحة لبنان.
أما على صعيد الدور الدولي، فيشير حيدر إلى أن جزءًا من قرار مجلس الوزراء اللبناني جاء أيضًا نتيجة نصائح وضغوط دولية وعربية. ويوضح أن الدول المنخرطة في "المجموعة الخماسية" الداعمة للبنان، والتي تضم الولايات المتحدة وفرنسا وقطر والسعودية ومصر، تدعم خطوات الحكومة اللبنانية.
لكنه يلفت إلى أن قدرة هذه الدول على الضغط لوقف العمليات الإسرائيلية تبقى مرتبطة بمدى قدرة الدولة اللبنانية على ضبط الوضع الداخلي ووقف إطلاق الصواريخ من أراضيها.
المصدر:
يورو نيوز
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة