في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
رام الله ـ لم تعد العمليات العسكرية الإسرائيلية محصورة في مدن المواجهة التقليدية شمال الضفة الغربية، بل امتدت في الآونة الأخيرة إلى مدن وبلدات كانت تُصنَّف "هادئة" نسبيا وبعيدة عن بؤر التصعيد، فالاقتحامات المتكررة، وتخريب البنية التحتية، والانتشار العسكري في مناطق لم تشهد سابقا أحداثا أمنية بارزة، تفتح باب التساؤل حول طبيعة هذا التحول.
في الأعوام الأخيرة تصدرت المشهد الميداني مدن مثل جنين وطولكرم ونابلس، خاصة بعد ظهور تشكيلات مقاومة عسكرية مثل عرين الأسود في نابلس، وكتيبة جنين بجنين، وكتيبة نور شمس في طولكرم، حيث ظلت وتيرة المواجهات وعدوان الاحتلال فيها أعلى من غيرها وإن لم تتوقف.
غير أن مدنا لم تشهد حضورا فاعلا لتشكيلات مقاومة أو موجات تصعيد كبيرة، عادت مؤخرا إلى الواجهة عبر اقتحامات واعتداءات متكررة، ما يفتح النقاش حول ما إذا كان الاحتلال يتجه نحو توسيع نطاق عملياته ليشمل مناطق لم تكن ضمن دائرة المواجهة المباشرة.
منذ أسبوع، شنّت قوات الاحتلال اقتحاما واسعا لمدينة سلفيت، يُعَد الأكبر منذ بداية العام، بمشاركة مئات الجنود وعشرات الآليات العسكرية، واستمر لنحو 12 ساعة متواصلة، وزعت خلالها القوات منشورات ورقية تزعم أن الحملة العسكرية تهدف إلى "منع الإرهاب".
خلال الاقتحام، أغلقت قوات الاحتلال المداخل الرئيسية للمدينة، وفرضت طوقا حول مستشفى الشهيد ياسر عرفات، بينما تم تفتيش أكثر من 150 منزلا، استولت على بعضها وحولته إلى ثكنات عسكرية. كما فرضت حظر تجول، وعرضت محتويات البيوت للتدمير، واعتدت على المواطنين، ما أسفر عن مصابين نُقلوا إلى المشفى، حسب ما أوضح الصحفي محمد أشتية للجزيرة نت.
ويؤكد أشتية أن الاقتحام لا مبرر له، فمدينة سلفيت تُعَد من المدن الهادئة ولم تشهد أي أحداث أمنية خلال الأشهر الماضية، ويصف التبريرات الإسرائيلية بحجة "منع الإرهاب" بـ"ذرائع لاستعراض القوة"، مشيرا إلى أن الحملة شملت إنزال جنود عبر طائرات هليكوبتر، ما يعكس أن الهدف الحقيقي هو فرض واقع ميداني جديد وترهيب السكان، وليس مواجهة تهديد أمني فعلي.
وترتبط الاقتحامات الأخيرة بشكل وثيق بالتوسّع الاستيطاني وعزل المدينة، فمحافظة سلفيت باتت مطوقة بالمستوطنات، ويجري حاليا تجريف أراضٍ لإنشاء حي استيطاني ضخم يُعرَف بـ"أرئيل الغربية" بمساحة تزيد على 6 آلاف دونم (الدونم يساوي ألف متر مربع) قرب منطقة الرأس وقرية فرخة.
وتمتد هذه المخططات بمحاذاة منازل المواطنين من الجهة الغربية، مما يزيد من تضييق الخناق عليهم ويحوّل المدينة تدريجيا إلى منطقة معزولة، خصوصا في المناطق المصنفة (ج)، الخاضعة لسيطرة الاحتلال، حسب اتفاقية أوسلو.
يحمل الاقتحام رسائل سياسية تتجاوز البعد الأمني المعلن، وفق ما يرى أشتية، فحجم القوات وانتشارها الكثيف ومساحات التفتيش الكبيرة وتخريب الممتلكات تشير إلى سعي الاحتلال لفرض سياسة ترهيب وعقاب جماعي، وفرض واقع جديد يخدم مخططاته الاستيطانية في المنطقة.
بدوره، يرى المحلل السياسي سليمان بشارات أن تصنيف "المدن الهادئة" و"مدن التصعيد" ليس توصيفا موضوعيا للواقع الفلسطيني، بل إطارا صنعه الاحتلال الإسرائيلي لإدارة المجتمع الفلسطيني وفق منطق "العصا والجزرة".
فبحسب تقديره، يسعى الاحتلال إلى خلق خريطة نفسية وجغرافية تقسّم الفلسطينيين إلى فئات تمنح تسهيلات وامتيازات، وأخرى تفرض عليها العقوبات والضغط، بما ينتج كوابح داخلية ويغذي نوعا من التنافس أو التشكيك داخل البيئة الوطنية نفسها.
ويؤكد بشارات للجزيرة نت أن هذا التصنيف لا يقتصر على البُعد الجغرافي، بل يمتد إلى أبعاد طبقية واقتصادية، في سياق سياسة استعمارية أوسع تقوم على التفكيك المرحلي للمجتمع، تمهيدا لإحكام السيطرة الشاملة عليه.
ويشير بشارات إلى أن ما يجري يندرج في سياق سياسة استباقية تتقاطع بوضوح مع مشاريع التوسّع الاستيطاني وإعادة هندسة السيطرة الميدانية على الضفة الغربية. وحسب تقديره، يقوم المشروع الاستيطاني على مبدأ "الاستيلاء المتدرج"، إذ لم يكن بمقدور الاحتلال فرض هيمنته الشاملة دفعة واحدة منذ عام 1948، بل اعتمد مراحل متعاقبة من التوسّع، مستخدما أدوات وتصنيفات تسهّل الانتقال من جزئي إلى أوسع.
ويلفت إلى أن تقسيمات المناطق (أ، ب، ج) حسب اتفاقية أوسلو شكّلت نموذجا مبكرا لهذه المنهجية، كما حدث في تقسيمات أخرى بغزة أو حتى داخل المدن نفسها، حيث يبدأ الاستهداف بمنطقة محددة ثم يتسع تدريجيا، مشددا على أن الغاية هي امتصاص أي رد فعل مباشر، وتقليل كلفة الانتقال نحو فرض واقع جغرافي وديموغرافي جديد.
وفي ظل تبني السلطة الفلسطينية نظرية "سد الذرائع" التي تمنع اندلاع المقاومة، بهدف عدم منح الاحتلال ذريعة لممارسة المزيد من الجرائم ضد الشعب الفلسطيني، والحفاظ على الحد الأدنى من استقرار الحياة اليومية ضمن واقع الاحتلال، يشير بشارات إلى أن الفلسطيني قد يتعامل أحيانا مع الإجراءات الإسرائيلية بدافع الاحتياج المرحلي، وقد يظهر وكأنه يقبل بعض التصنيفات أو الوقائع المفروضة، ويؤكد بشارات أن هذا التقبّل لا يعني استسلاما، بل هو محاولة للتأقلم من أجل البقاء.
ويستحضر في هذا السياق تجربة الانتفاضتين الأولى والثانية، حين لجأ الفلسطينيون إلى طرق التفافية وشق مسارات بديلة بفعل القيود الإسرائيلية، كما يحدث اليوم عند فرض حصار على مدينة ما، والبحث عن طرق التفافية لتسيير الحياة اليومية.
هذا التأقلم، وفق تقديره، يمكن قراءته بوصفه سلوكا مزدوجا، استجابة لواقع ضاغط من جهة، وتمسكا بالصمود من جهة أخرى. ويؤكد أن القناعة الراسخة لدى الفلسطيني في إمكانية تغيّر هذه الإجراءات في لحظة تاريخية ما، لا تزال تشكّل عامل إرباك للاحتلال، الذي رغم اعتماده سياسات طويلة الأمد، يبقى قلقا من عدم قدرتها على تحقيق أهدافها النهائية.
وفي قراءته للسيناريوهات المحتملة إذا استمر هذا النمط خلال الأشهر أو الفترة المقبلة، يعتقد بشارات أن المسار يبقى مرتبطا بعدة عوامل متداخلة، في مقدمتها طبيعة الظروف الإقليمية والدولية، وتطورات المشهد السياسي، إضافة إلى الحالة الفلسطينية الداخلية على المستويات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية.
ويلفت بشارات إلى أن الاحتلال قد ينجح مؤقتا في فرض هيمنة أو تمرير مشاريع على الأرض، إلا أن التجارب التاريخية تظهر أن الشعب الفلسطيني يصل في لحظات معينة إلى "مرحلة ذروة" قادرة على قلب المعادلات.
ويتفق عيسى زبون، الباحث في معهد اريج، مع بشارات في أن ما يُعرَف بـ"المدن الهادئة" ليس تصنيفا فلسطينيا، بل أوجده الاحتلال الإسرائيلي لتبرير ممارساته، خصوصا عمليات الاعتقال والهدم وفرض الحواجز العسكرية.
ويقول خلال حديثه للجزيرة نت: "هذه التصنيفات تُستَخدم لتضييق الخناق على الفلسطينيين وفرض السيطرة، كما يظهر في وضع بوابات عسكرية لعزل القرى عن المدن، مثل حلحول وقرى محيطة بها".
جميع المدن في الضفة الغربية مستهدفة حسب زبون، لكنّ بعضها أكثر عُرضة للتصعيد بسبب خصوصياته. ففي بيت لحم، أعادت سلطات الاحتلال الأسبوع الماضي ترسيم أراضٍ في بيت جالا وبتير، ما يهدف إلى استفزاز المواطنين، وجر المناطق "الهادئة" إلى مواجهات مشابهة لما يحدث في شمال الضفة، مثل طولكرم وجنين.
ويرى زبون أن الاقتحامات الأخيرة تجمع بين البعد الأمني، الذي يعلنه الاحتلال، وبين أهداف استيطانية طويلة وقصيرة المدى. والاحتلال يستخدم المستوطنين كذراع ثالث لتفريغ الأرض، ومصادرة الأراضي وفرض مشاريع استيطانية وطرق التفافية، مع تصاعد عمليات الدهم والحصار في القرى الفلسطينية خلال العامين الماضيين.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة