آخر الأخبار

المستوطنون وجيش الاحتلال.. عنف منظم يعيد رسم خريطة الضفة

شارك

القدس المحتلة- في رابع أيام شهر رمضان، وقُبيل موعد الإفطار باغت مستوطنون يرتدون الزي العسكري للجيش الإسرائيلي المُزارع الفلسطيني المسن مِفضي ربعي، من خربة التوانة بمسافر يطا جنوبي الضفة الغربية، وانهالوا عليه وعلى نجله مجد بالضرب فأصيبا برضوض.

وفق بيان للناشط الحقوقي أسامة مخامرة، وصل الجيش بعد وقت قصير، وأول ما قام به هو إعاقة طريق مركبة الإسعاف التي تنقل المسن، ثم اعتقال نجله المصاب، دون اتخاذ أي إجراء بحق المستوطنين الذين يتابعون المشهد.

ما جرى مع ربعي يتكرر بشكل كبير في الضفة الغربية المحتلة، إذ لا يتوقف الأمر على تواطؤ الجيش مع المستوطنين، بل إنه يشاركهم في كثير من الاعتداءات.

لم يعد تواطؤ جيش الاحتلال مع المستوطنين مجرد حالات فردية، بل إنه يتسع ليصبح ظاهرة ممنهجة، تجلت بشكل واضح في مجموعة فيديوهات نشرتها مؤخرا صحيفة هآرتس العبرية، بينها اعتداءات المستوطن روي ستار على الفلسطينيين والمتضامنين الأجانب بالأغوار، وفي أحدها يوجه الجنود المستوطن إلى الاعتداء على قرية فلسطينية.

وفي رده على الصحيفة، أقر الجيش بالحادثة وعقّب عليها مكتفيا بقوله: "بعد التدقيق، تبين أن الحوار كان غير لائق، وسيتم التحقيق في الحادثة، وقد تم تشديد الإجراءات".

في هذا التوقيت تصاعدت اعتداءات المستوطنين

وتشهد الضفة الغربية المحتلة منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 تصعيدا استيطانيا غير مسبوق، تمثل في انتشار البؤر الاستيطانية الرعوية، وتهجير التجمعات البدوية الفلسطينية، والسيطرة على الأراضي عبر العنف المنظم لعصابات المستوطنين و جيش الاحتلال الإسرائيلي، بالتوازي مع تغييرات إدارية وقانونية تعزز منظومة السيطرة الاستعمارية.

وقد بلغ عنف المستوطنين الأيديولوجي ضد الفلسطينيين ذروات غير مسبوقة خلال العامين الماضيين، مع تسجيل هجمات شبه يومية استهدفت السكان الفلسطينيين وممتلكاتهم في مختلف أنحاء الضفة والأغوار، وبتواطؤ من الجيش بل ومساندته أحيانا، وفق رصد مؤسسات حقوقية.

إعلان

غير أن الظاهرة ليست جديدة، فعنف المستوطنين يعد جزءا ملازما للمشروع الاستيطاني الإسرائيلي منذ نشأته، ويستخدم بشكل منهجي للاستيلاء على الأراضي وتحقيق أهداف سياسية، مع تفاوت حدّتِه عبر السنوات.

وتنتشر في الضفة الغربية أكثر من 149 مستوطنة رسمية، إضافة إلى 224 مستوطنة غير قانونية وبؤر استيطانية ورعوية ومزارع صغيرة غير مرخصة، وفقا لحركة " السلام الآن" المناهضة للاستيطان.

ورغم أن هذه المستوطنات تعد غير قانونية وفق القانون الدولي، تنكر إسرائيل ذلك، وقد شجعت حكوماتها المتعاقبة -منذ احتلال الضفة في حرب 1967– على التوسع الاستيطاني بشكل منهجي.

العنف الاستيطاني كأداة للهندسة الديموغرافية

في ظل الحكومة الإسرائيلية الحالية برئاسة بنيامين نتنياهو -المطلوب لمحكمة الجنايات الدولية- توسعت اعتداءات مجموعات المستوطنين بدعم مباشر من جيش الاحتلال، فيما تواصل الحكومة تصوير هذه الاعتداءات على أنها "احتكاكات" بين السكان، في محاولة لإخفاء طابعها المنهجي والمؤسسي.

وتشير تقارير منظمات حقوقية -على رأسها منظمة "بتسيلم" الإسرائيلية- إلى أن عنف المستوطنين "ليس عشوائيا، بل يجري وفق توجيهات منظمة وبالتنسيق مع جيش الاحتلال الذي يوفر الحماية والدعم".

وتشارك مجموعات المستوطنين -مثل " شبيبة التلال" و"تدفيع الثمن"- في سرقة الماشية، وتدمير الممتلكات، وإحراق الأراضي الزراعية، ومنع الفلسطينيين من الوصول إلى أراضيهم، مما يسهل الاستيلاء عليها لاحقا.

ويفهم هذا التصعيد ضمن إطار سياسة استعمارية تهدف إلى "إعادة تشكيل الجغرافيا والديموغرافيا الفلسطينية" عبر ثلاث غايات رئيسية:


* تركيز الفلسطينيين في مساحات جغرافية محدودة.
* دفعهم إلى الهجرة القسرية خارج فلسطين.
* استخدام العنف كآلية ردع ومعاقبة لأي شكل من أشكال المقاومة، بما يرسخ مشروع الاستيطان الإحلالي على المدى الطويل.

حياة البدو الفلسطينيين تحت هجمات المستوطنين والجيش

على مشارف جبال العوجا ورأس شلال، كان نايف غوانمة من عرب الجهالين آخر من رحل عن تجمع رأس العين قرب شلال العوجا شمال مدينة أريحا، وذلك قبل أسابيع تحت وطأة الاقتحامات والاعتداءات من قبل الجيش والمستوطنين.

ويقول نايف إن "الخناق أشد" منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، إذ توسعت المشاريع الاستيطانية الزراعية والسياحية في محيط رأس العين، لتصبح أدوات لخنق التجمعات وقطع طرق الرعي والمياه عنها.

ويضيف نايف: "يأتون ليلا فيحرقون الحقول، ويسرقون الأغنام، ونحن نخرج نحرس الأرض بأجسادنا (..)، وقعنا فريسة التهجير القسري تحت غطاء المستوطنين المسلحين".

مصدر الصورة نايف غوانمة من عرب الجهالين آخر من هُجِّر من تجمع رأس العين شمال أريحا (الجزيرة)

المنازل تتحول إلى أقفاص

في بلدة بروقين شمال غربي الضفة، يواجه السكان الفلسطينيون حصارا واستهدافا مستمرا من مستوطنين مسلحين تحت حماية جيش الاحتلال.

ففي مايو/أيار 2025، فرضت "منطقة عسكرية مغلقة" على البلدة، وأقيمت بؤرة استيطانية جديدة، وتوسعت مستوطنة "بروخين" على أراض خاصة، وشُق شارع استيطاني وجدار أمني صادر 300 دونم جديدة من سكان البلدة.

منذ ذلك الحين، يعيش السبعيني مهند محمد بركات معاناة يومية، إذ اضطر لتحويل منازل أولاده إلى أقفاص محصنة بالحديد والشبك لحماية أحفاده الـ15 من هجمات المستوطنين المتكررة التي تأتي كل ليلة.

إعلان

يصف بركات الوضع قائلا للجزيرة نت: "باتت حياتنا معركة كر وفر، لا ننام، ونتناوب على الحراسة، نخشى أن نستيقظ على مجزرة". حتى ألعاب الأطفال لم تسلم، إذ يقوم المستوطنون باقتحام المنازل وسرقة الأثاث ونقله إلى البؤر الاستيطانية، تحت حماية جنود الاحتلال.

مصدر الصورة بيوت فلسطينية في بروقين تتحول إلى أقفاص لحماية العائلات (الجزيرة)

نحو 40 ألف اعتداء منذ 7 أكتوبر 2023 وحتى نهاية 2025

نفذ جيش الاحتلال الإسرائيلي والمستوطنون نحو 40 ألف اعتداء بحق الفلسطينيين في الضفة الغربية المحتلة منذ 7 أكتوبر 2023 وحتى نهاية 2025، بينها 7 آلاف و500 من تنفيذ المستوطنين، وفق هيئة مقاومة الجدار والاستيطان.

ومنذ حرب الإبادة على غزة، استشهد 1115 فلسطينيا بالضفة بينهم 231 طفلا، وأصيب أكثر من 11 ألفا و500، بحسب وزارة الصحة الفلسطينية. ومن بين الشهداء ارتقى 37 برصاص المستوطنين.

بينما تسببت اعتداءات المستوطنين -بحماية قوات الاحتلال- في تهجير أكثر من 42 تجمعا سكنيا وقرية فلسطينية، كان يسكنها نحو 508 عائلات فلسطينية يزيد أعداد أفرادها على 3 آلاف نسمة، بالتوازي مع إغلاق مساحات واسعة من الأراضي الفلسطينية بذريعة "الأمن" وتمكين المستوطنين من التوسع فيها.

وفيما يلي شهادات موثقة عن هجمات مشتركة للمستوطنين والجيش في الضفة الغربية (2025)، استنادا إلى ما تنشره منظمات إسرائيلية وإعلام فلسطيني:

*هجوم مستوطنين وجنود على كفر مالك يسفر عن 3 شهداء وإحراق منازل

في مساء 25 يونيو/حزيران 2025، هاجم عشرات المستوطنين المسلحين قرية كفر مالك جنوب شرق رام الله، واعتدوا على السكان بالحجارة وأحرقوا منازل وسيارات، وخطوا شعارات عنصرية.

وأثناء تصدي الأهالي للهجوم، أطلق جنود الاحتلال الغاز والرصاص الحي، مما أدى إلى استشهاد لطفي طرشان (18 عاما) ومحمد إبراهيم (20 عاما) ومرشد حمايل (35 عاما)، إضافة إلى إصابة ثلاثة شبان آخرين. كما أُصيب 12 من السكان، وأُحرقت ثلاثة منازل جزئيا وثلاث سيارات بالكامل، قبل فرض منع تجول على القرية.

مستوطن يقتل ثمين دوابشة خلال احتجاج على تجريف أراضي دوما

في 13 أغسطس/آب2025، تجمع سكان قرية دوما قضاء نابلس للاحتجاج على تجريف أراضٍ خاصة لشق طريق استيطاني. وخلال الاحتجاج، أطلق مستوطن مسلح النار على المحتجين بعد إلقاء حجر واحد، مما أدى إلى استشهاد ثمين دوابشة (35 عاما).

وادعى جيش الاحتلال أن الحادث وقع أثناء محاولة "خطف سلاح جندي"، إلا أن تحقيق منظمة "بتسيلم" أكد أن الاحتجاج كان سلمياً، وأن إطلاق النار جاء في سياق الاستيلاء على الأراضي لإقامة بؤر استيطانية.

جندي ومستوطنون يقتلون سعيد نعسان خلال هجوم على قرية المغير

في 23 سبتمبر/أيلول 2025، اقترب مستوطنون مسلحون من منازل قرية المغير وحديقة ألعاب للأطفال، مما دفع ثلاثة شبان -بينهم سعيد نعسان (22 عاماً)- لمحاولة إبعادهم، ففتح جندي النار على الشبان من مسافة قصيرة وأصاب أحدهم، ثم أصاب نعسان في صدره مما أدى إلى استشهاده لاحقاً.

وأطلقت قوات الاحتلال والمستوطنون الغاز والرصاص على الأهالي وطاردوهم داخل القرية، في سياق تصاعد اعتداءات البؤر الاستيطانية شرق رام الله.

مصدر الصورة بين 2016 و2025 فُتح تحقيق في 22.7% من الشكاوى المقدمة ضد الجيش والمستوطنين وقُدّمت لوائح اتهام في 0.9% منها فقط (الفرنسية)

مستوطنون وجنود يهاجمون دير جرير ويقتلون براء معالي

في 23 نوفمبر/تشرين الثاني 2025، هاجم مستوطنون وجندي منزل صدقي معالي في قرية دير جرير بالحجارة، مما دفع الأهالي للتصدي لهم. ومع وصول الجيش، أُطلقت قنابل الغاز ثم الرصاص الحي، حيث أطلق أحد الجنود النار من وضعية قنص وأصاب براء معالي (24 عاما) في صدره، مما أدى إلى استشهاده.

وادعى جيش الاحتلال أنه رد على "إلقاء حجارة"، إلا أن تحقيق "بتسيلم" أكد أن المستوطنين بدؤوا الهجوم، وأن الجنود انضموا إليهم واستهدفوا السكان الذين حاولوا الدفاع عن ممتلكاتهم.

ماذا يحدث عند تحقيق الاحتلال في اعتداءات وجرائم المستوطنين والجيش؟

ترصد منظمة "ييش دين-منظمة متطوعين لحقوق الإنسان" الإسرائيلية منذ عام 2005 جرائم المستوطنين والجنود ضد الفلسطينيين وممتلكاتهم في الضفة، وتتابع نتائج تحقيقات الشرطة لتقييم التزام إسرائيل بحماية السكان الفلسطينيين وفق القانونين الإسرائيلي والدولي.

إعلان

تكشف المعطيات -على مدى قرابة عقد (2016–2025)- عن "إخفاق منهجي ومتواصل في إنفاذ القانون، يشمل الاعتداء الجسدي، إطلاق النار، الحرق، السرقة، وتخريب الممتلكات والمحاصيل"، وذلك استنادا إلى ملفات مثلت فيها المنظمة المتضررين الفلسطينيين.

وتبين المنظمة أن مدة معالجة الشكاوى ليست مسألة إجرائية هامشية، بل هي مؤشر مركزي على تعامل منظومة إنفاذ القانون العسكرية، إذ تسهم المماطلة في إبقاء نسبة لوائح الاتهام منخفضة للغاية، فمن أصل 2427 شكوى بين 2016 و2025 فُتح 552 تحقيقا فقط (22.7%)، وقُدّمت 23 لائحة اتهام (0.9%).

تظهر المعطيات أن 93.6% من ملفات التحقيق منذ 2005 أُغلقت دون لوائح اتهام، وأن الشرطة فشلت في التحقيق في 82% من القضايا، فيما لم تؤدِّ سوى 3% من الملفات إلى إدانات جزئية أو كاملة.

ووثقت المنظمة نحو 30 حادثة عنف جماعي للمستوطنين منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 وحتى نوفمبر/تشرين الثاني 2025، مع تقارير عن مشاركة أو دعم جنود وشرطة الاحتلال في 16 حادثة اعتداء جماعي.

نسبة 37% فقط من الشكاوى حققت فيها الشرطة عام 2025

وفي السياق، أظهرت معطيات رسمية للشرطة الإسرائيلية وكُشفت بطلب من حركة "من أجل حرية المعلومات"، تراجعا في تعامل شرطة الاحتلال مع جرائم المستوطنين ضد الفلسطينيين في الضفة.

فقد قدم الفلسطينيون 427 شكوى في النصف الأول من 2025 ضد عصابات المستوطنين بشأن اعتداءات جسدية وإحراق ممتلكات وتخريب أراض زراعية، مقابل نحو 680 شكوى طوال عام 2024.

ورغم ذلك، فتحت الشرطة 156 تحقيقا فقط (37%) في هذه الشكاوى عام 2025، مقارنة بـ308 تحقيقات (45%) عام 2024، مما يعكس انخفاضا في مستوى إنفاذ القانون.

يذكر أن الوحدة المركزية لشرطة الاحتلال في الضفة -المسؤولة عن التحقيق في الجرائم القومية والإرهاب اليهودي- عملت خلال عام 2025 بلا قائد دائم، بعد إقالة رئيسها السابق أفشاي معلم.

ويُتهم معلم بتعمد تجاهل معلومات استخباراتية عن مستوطنين متطرفين لتجنب اعتقالهم وكسب رضا وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، كما يواجه شبهات بالرشوة والاحتيال وخيانة الأمانة وسوء استخدام السلطة.

وخلال توليه المنصب، أنكر معلم تصاعد جرائم إرهاب المستوطنين رغم تأكيد جهاز الأمن العام ( الشاباك) على ارتفاعها.

حاليا، يتولى قيادة وحدة الشرطة في الضفة موشيه بينتشي المقرب من الوزير بن غفير وكان سابقا سكرتيره الأمني، وهو ما يثير شكوكا حول توجيه الشرطة لخدمة أجندة سياسية تتغاضى عن إرهاب المستوطنين.

وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2024، أوقف يسرائيل كاتس -بعد تعيينه وزيرا للدفاع- استخدام الاعتقال الإداري ضد إرهاب المستوطنين، وهو إجراء كان اتخذه سلفه المقال يوآف غالانت في سبتمبر/أيلول من ذات العام، ويقضي بالاعتقال الإداري مدةَ أربعة أشهر ضد مستوطنيْن مشتبه بتورطهما في اعتداءات ضد فلسطينيين، بينما يُعتقل نحو 3600 فلسطيني إداريا (دون محاكمة أو لائحة اتهام) وأحيانا لعدة سنوات.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا