آخر الأخبار

“مهندس الأزمات”.. كيف يعيد هاكان فيدان هيبة تركيا؟ | الحرة

شارك

“خازن أسرار تركيا وأسراري”، هكذا وصف الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في أكثر من مناسبة، وزير خارجيته هاكان فيدان، الساعي لجعل تركيا طريقًا للموازاة بين الشرق والغرب ضمن “الرؤية الأردوغانية” لقيادة تركيا الجديدة.
على مدى أكثر من عقد ونصف، سواء كرئيس لجهاز المخابرات التركية أو في منصبه الحالي وزيرًا للخارجية التركية، لم يتوقف هاكان فيدان عن التنقل بين عواصم الشرق ومراكز صناعة القرار الغربية بحثًا عن ترسيخ الدور التركي الجديد في الشرق الأوسط، فهو أول وزير خارجية تركي قادم من خلفية مخابراتية يعمل وفق نظرية أمنية على وضع الحلول لقضايا المنطقة الحساسة والمعقدة.
نجح فيدان خلال فترة قيادته للمخابرات التركية في إدارة ملفات مهمة، منها ملفات سوريا والأكراد والحرب ضد تنظيم داعش، والملف الإيراني. وينتظر منذ توليه منصب وزير الخارجية تحقيق نجاحاته الأمنية مجددًا في السياسة الخارجية لبلاده.

ولادته ونشأته

ولد هاكان فيدان عام 1968، في العاصمة أنقرة، ودرس في مدرسة اللغات التابعة للقوات البرية، قبل أن يتخرّج من الأكاديمية الحربية عام 1986.
وبمجرد تخرجه، انضم إلى القوات التركية في “وحدة التدخل السريع” التابعة لحلف شمال الأطلسي “الناتو” في ألمانيا.
وخلال مهمته في الناتو، حصل هاكان فيدان على بكالوريوس العلوم السياسية والإدارية، من جامعة ماريلاند الأميركية.
في عام 2001، استقال هاكان فيدان من الجيش، ليتحوّل إلى الدراسة الأكاديمية في قسم العلاقات الدولية في جامعة بيلكنت في أنقرة. وحصل من القسم نفسه على شهادة الماجستير عام 2003، ومن ثم الدكتوراه عام 2006.
درس فيدان أيضًا في أكاديمية تابعة للوكالة الدولية للطاقة الذرية في فيينا، ومعهد الأمم المتحدة لنزع السلاح، ومركز أبحاث تقنيات التحقق في لندن، وعمل فيدان مستشارًا في وزارة الخارجية أثناء فترة الوزير أحمد داود أوغلو.

عين هاكان فيدان في أبريل 2009 نائبًا لرئيس الاستخبارات التركية، ومن ثم رئيسًا لها في مايو 2010.
وفي خطوة مفاجئة، قرر فيدان في فبراير 2015، الاستقالة من منصبه على رأس جهاز المخابرات، وأعلن ترشحه للبرلمان ضمن قائمة حزب العدالة والتنمية الحاكم، الأمر الذي أثار الجدل في تركيا، فالرجل الذي كان يقود الملفات الخارجية والداخلية للبلاد في الظل قرر الخروج إلى الضوء، لكن قراره لم يدم طويلًا، فسرعان ما أعلن سحب الترشيح في مارس 2015 بعد أن أثارت استقالته من المخابرات انزعاج أردوغان، الذي أعلن أنه عين هاكان في منصبه لاقتناعه بكفاءته في إدارة الجهاز بقوة واقتدار، وعليه ألّا يغادره ويتجه نحو العمل السياسي.
وفي يونيو 2023، تولى هاكان فيدان منصب وزير الخارجية في الحكومة التركية السابعة والستين برئاسة رجب طيب أردوغان، وما زال في قيادة الوزارة.

فيدان وإدارة الأزمات

يشير رئيس تحرير الاندبندنت التركية، محمد زاهد غول، إلى أن سعي هاكان فيدان يندرج ضمن منطق الواقعية الدفاعية، حيث تُعرَّف السياسة الخارجية كأداة لتقليص التهديدات لا لتوسيع النفوذ. في بيئة إقليمية تتسم بتعدد الصراعات وتداخلها.
“يسعى فيدان إلى إدارة الأزمات بدل حسمها، ومنع تحوّلها إلى تهديدات مباشرة للأمن القومي التركي”، يقول غول لـ”الحرة”.
ويلفت غول إلى أن توجّه فيدان هذا يعكس إدراكًا بأن الانخراط الكامل في صراعات المنطقة يرفع كلفة الاستنزاف، في حين تتيح دبلوماسية إدارة الصراع الحفاظ على هامش حركة واستقرار نسبي.

ينحدر فيدان من العاصمة التركية أنقرة التي تقع في قلب شبه جزيرة الأناضول، التي تغطي معظم أراضي تركيا، وهي منطقة تمتاز بتنوعها العرقي والثقافي، وتعاقبت على حكمها العديد من الحضارات الشرقية والغربية القديمة ومثلت جسرًا رابطًا بين الشرق والغرب، كما وتعتبر الأناضول مركزًا سياسيًا وروحيًا مهمًا للأتراك فهي تحتضن مدينة قونيا التي كانت عاصمة لدولة سلاجقة الروم التي لعبت دورًا بارزًا في الصراع الإسلامي البيزنطي.
كل هذه السمات الأناضولية انعكست في شخصية هاكان فيدان، الذي يسعى إلى تطبيق التنوع والنموذج الأناضولي على السياسة التركية الجديدة في التعامل مع الداخل التركي والملفات الخارجية.
“الهوية الأناضولية لفيدان تُترجم إلى مقاربة ترى الجغرافيا كعامل مُلزِم في السياسة الخارجية. فتركيا، بحكم موقعها، لا تستطيع تبنّي سياسات انعزالية أو اصطفافية حادة”، كما يؤكد غول، موضحاً أن هذا الفهم أسهم في إعادة توجيه السياسة الخارجية نحو مقاربة أكثر ارتباطًا بالجوار الإقليمي.

وعما إذا كان الانفتاح التركي باتجاه الشرق الذي يتبناه فيدان، بديلًا عن الغرب، يوضح غول “فيدان لا يطرح هذا التوجه كبديل عن الغرب، بل كآلية لتوسيع خيارات تركيا وتقليل الاعتماد الأحادي”.

لكن هل سينجح فيدان في إدارة الملفات والصراعات في النور، كما نجح في ذلك أثناء تواجده في الظل؟
يجيب غول “نجاح هذا النهج يتوقف على قدرة فيدان على تحويل الخبرة الأمنية إلى دبلوماسية مؤسسية، قادرة على الحفاظ على التوازن بين المحاور المتنافسة دون الوقوع في فخ الاستقطاب”.

مهندس الملفات الحساسة

يعتبر هاكان فيدان مهندس السياسة الأمنية التركية تجاه الملفات الحساسة في تركيا والمنطقة، ومنها الملف الكردي. وقد نجح، خلال السنوات الماضية، في إضعاف حزب العمال الكردستاني المعارض لأنقرة، عبر تبنيه عمليات تصفية قيادات الحزب الميدانيين في سوريا والعراق من خلال تنفيذ غارات جوية استهدفت العديد من قيادات العمال وعقوله الأمنية. كما تمكن من تسوية ملف قوات سوريا الديمقراطية (قسد) وسيطرتها على شمال وشرقي سوريا والمساهمة بقوة في التوصل إلى اتفاق بين دمشق و”قسد”، وكذلك “مفاوضات السلام” بين أنقرة وحزب العمال المستمرة، وحل الأخير وإنهاء الصراع المسلح الذي استمر بين الجانبين لأكثر من أربعة عقود.

وليس الملف الكردي فحسب، بل عمل فيدان على تعزيز سياسة بلاده بدعم ملفات المصالحة مع دول المنطقة، وتبنى نهجًا يعتمد على انفتاح تركيا على محيطها والعالم، وزاد من حضوره في إدارة ملفات المنطقة بعد انحسار الدور الإيراني، في سوريا ولبنان خلال العامين الماضيين.

وكان لفيدان دور بارز في تحسين العلاقات مع مصر وتوطيد العلاقات مع دول الخليج والتوصل إلى توقيع اتفاقات مع بعضها في عدد من المجالات الاقتصادية والاستثمارية.

ويعتبر الخبير التركي المختص بالعلاقات الدولية، محمد رقيب أوغلو، هاكان فيدان أحد أبرز ممثلي العقل الاستراتيجي للدولة التركية؛ مشيرًا إلى أن فيدان بيروقراطي مخضرم تولّى على مدى سنوات طويلة مهام شديدة الحساسية داخل مؤسسات الدولة.
“يمكن قراءة مرحلة هاكان فيدان في السياسة الخارجية التركية على أنها امتداد لمسار استراتيجي طويل الأمد تسعى أنقرة إلى ترسيخه وتطويره” يضيف رقيب أوغلو لـ”الحرة”.
ويرى رقيب أوغلو، وهو باحث رئيسي في مركز أبعاد للدراسات الاستراتيجية، ومقره إسطنبول، أن مسار التطبيع الذي شهدته علاقات تركيا مع دول مثل السعودية ومصر والإمارات، في السنوات الأخيرة، يستند بدرجة كبيرة إلى ما يمكن تسميته بـ”دبلوماسية الاستخبارات”.
“لعب هاكان فيدان دورًا محوريًا في هذا المسار. حيث أتاح هذا النهج لتركيا هامش مناورة واسعًا، ومكّنها من تجاوز أزمات إقليمية معقّدة، من دون الانخراط في استقطابات حادة أو صراعات”، يتابع رقيب أوغلو.
ويلفت رقيب أوغلو إلى أن تركيا تسعى اليوم إلى بناء رؤية إقليمية قائمة على مبدأ الشمول وعدم الإقصاء، أي الانخراط مع دول المنطقة كافة دون استثناء، والعمل على تعزيز مفهوم “الملكية الإقليمية” في إدارة الأزمات.

الحرة المصدر: الحرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا