آخر الأخبار

مصر.. "فانوس" رمضان يُقاوم الاندثار أمام المنافسة الصينية

شارك
يقول نادر إبراهيم تاجر فوانيس وزينة رمضان إنه لم يتعاقد على شراء الفوانيس اليدوية التقليدية الصغيرة المصنوعة من الصاج، حيث باتت مثيلاتها المعدنية الملونة والبلاستيكية والخشبية المستوردة أو المصنوعة داخل شركات الألعاب المحلية بديلاً جذابًا للزبائن والأطفال في ظل انخفاض سعرها وتعدد أشكالها وتقنياتها.صورة من: Mahmoud Eltabakh/DW

في ورشة عتيقة يمتد عمرها لمائة عام بمنطقة "بركة الفيل" بحي السيدة زينب التاريخي في وسط القاهرة، يجلس عاطف سلامة (50 عامًا)، مُحاطًا بأجزاء من فوانيس نحاسية ومطرقة وبعض الأدوات البدائية الأخرى، بينما يعمل على تشكيل قطعة صاج لتكون جزءًا من فانوس كبير الحجم يصل طوله لمترين يُطلق عليه "شق البطيخة".

داخل هذا المكان القديم ورث الخمسيني عاطف، حُب صناعة الفوانيس التقليدية عن والده "سلامة"، الذي عرفها بدوره عن جده الراحل، إذ يقول مُبتسمًا: "هذه المهنة نعمل فيها أبًا عن جد، وجدي أبو والدتي من المؤسسين لتصنيع الفوانيس في منطقة السيدة زينب".

بخلاف ورش صناعة الفوانيس التقليدية الموزعة في القاهرة بحي الموسكي وشارع "تحت الربع" بمنطقة الدرب الأحمر وعدد من المدن المصرية الأخرى، تضم أزقة منطقة السيدة زينب أربع ورش حرفية بطاقة عشرات الصُناع، ما يجعلها مركزًا لصناعة الفوانيس التقليدية المتوارثة مُنذ عشرات بل مئات السنين إلى اليوم. ولا تقوم هذه الحرفة التقليدية على شخص واحد، بل تحتاج إلى تكاتف أيد مجموعة من الحرفيين لمساعدته في تشكيل أجزاء الفانوس، قد يتراوح أعدادهم من 10- 15 شخصًا داخل الورشة الواحدة، كما يروي عاطف سلامة لـ DW عربية.

فوانيس تحمل أسماء رموز وشخصيات بارزة

تُعد مصر مولد فانوس رمضان، ورغم تعدد روايات بدايته التي نقلتها كثير من الكُتب والشخصيات التاريخية بربط جذوره أحيانًا بالعصر الفرعوني وأخرى بصدر الإسلام، إلا أن الدكتور مصطفى جاد، خبير التراث الثقافي غير المادي باليونسكو والعميد الأسبق للمعهد العالي للفنون الشعبية، يُشدد على أن الفانوس المصري يعود إلى عهد الخلفية الفاطمي السادس "الحاكم بأمر الله" في القرن الرابع الهجري، حيث كان يُستخدم في المواكب والإضاءة خلال شهر رمضان.

داخل هذا المكان القديم ورث عاطف، حُب صناعة الفوانيس التقليدية عن والده "سلامة"، الذي عرفها بدوره عن جده الراحل، إذ يقول مُبتسمًا: "هذه المهنة نعمل فيها أبًا عن جدصورة من: Mahmoud Eltabakh/DW

في زاوية من ورشته يجمع عاطف سلامة، عدد من الفوانيس الصاج كبيرة الحجم، التي برع في صناعتها، إذ يتراوح طولها بين "65 سم إلى 2 متر وربع"، وهي في نظره لا تقتصر على كونها أدوات للزينة والإضاءة، بل تحمل في تصميماتها وأسمائها ذكريات وشواهد وتحولات تاريخية كبيرة، وهوية ثقافية وتراثية مرتبطة بشهر رمضان.

يُشير الرجل الخمسيني بأصَابعه إلى أكبرهم بقوله هذا فانوس "شق البطيخة" يعود إلى أواخر ستينات القرن الماضي، وبجواره فانوس "البرج" حديث ظهر قبل 20 عامًا، ويمد يده نحو ثالث "هذا فانوس فاروق" وقد ارتبط اسمه بتتويج الملك فاروق على العرش، بينما يلوح نحو رابع "هذا فانوس عبد العزيز" وقد سمي بهذا الاسم بعد أول زيارة للملك عبد العزيز آل سعود إلى مصر، فيما يقول إنه يمتلك فانوس آخر "البرلمان" وقد سُمي بذلك مع انعقاد أول دورة برلمانية عرفتها مصر.

حرفة يدوية تُعاني من ارتفاع الأسعار

داخل الورشة، لا وجود للآلات الحديثة، إذ تعتمد صناعة الفوانيس الصاج بالكامل على المهارة اليدوية، بدءًا من تشكيل الصاج مرورًا بتركيب الزجاج وانتهاءً بالطلاء النهائي، لكن هذه العملية أصبحت أكثر كلفة مع ارتفاع أسعار المواد الخام المرتبطة بسعر الدولار، وفق عاطف سلامة.

فانوس الصاج الكبير الذي يصنعه عاطف سلامة له "زبونه" الخاص، ويتم إنتاجه وفق حاجة التجار، ولا يزال يجد طريقه إلى الفنادق الكبرى والمطاعم والمنازل الباحثة عن الطابع التراثي، إلا أن حجم الطلب انخفض ولم يعد كما كان في السابق.

داخل الورشة، لا وجود للآلات الحديثة، إذ تعتمد صناعة الفوانيس الصاج بالكامل على المهارة اليدوية، بدءًا من تشكيل الصاج مرورًا بتركيب الزجاج وانتهاءً بالطلاء النهائي،صورة من: Mahmoud Eltabakh/DW

يقول الحرفي المصري إن إنتاجه هذا العام يُعد "رُبع" ما كان ينتجه خلال السنوات السابقة، وهو وضع مُتأثر مُنذ جائحة كورونا عام 2020، والتي تُعد نقطة تحول في مسيرته المهنية، حيث أدى الإغلاق وحظر التجوال إلى توقف البيع بالكامل، وتجميد رأس المال في البضائع المُخزنة لمحاولة تسويقها، مُتذكرًا: "أدخرت وقتها رأس مالي كله في الفوانيس.. وفجأة توقف كل شيء، والآن الوضع أصبح صعبًا".

النتائج القاسية التي خلفتها جائحة كورونا والركود الاقتصادي في البلاد، دفع عاطف سلامة، للبحث عن عمل في مجال آخر بجانب حرفة صناعة الفوانيس، مكتفيًا بإعادة فتح الورشة قبل موسم رمضان بعدة أشهر فقط، بعدما كانت مفتوحة طوال العالم، فضلاً عن تقليص عدد الحرفيين العاملين فيها من 12 شخصًا إلى 4 أشخاص، وبات حاليًا يعمل في أغلب الأيام وحده.

منافسة الفانوس الصيني

يبرز "الفانوس الصيني" المستورد الذي يغزو الأسواق بأشكاله وأحجامه المعدنية والبلاستيكية والخزفية كأحد أبرز التحديات التي باتت تُهدد فانوس الصاج المصري التقليدي الآن، في ظل الإقبال الواسع عليه من الأطفال والمواطنين باعتباره "لعبة" تصدر أصواتًا وألوانًا وحركات مُبهجة جذابة، وفق الحرفي المصري.

يبرز "الفانوس الصيني" المستورد الذي يغزو الأسواق بأشكاله وأحجامه المعدنية والبلاستيكية والخزفية كأحد أبرز التحديات التي باتت تُهدد فانوس الصاج المصري التقليدي الآن،صورة من: Mahmoud Eltabakh/DW

التقت "DW عربية" بثلاثة تجار وبائعي فوانيس في منطقتي السيدة زينب و6 أكتوبر، حيث اتفقوا جميعًا على وصف الإقبال على الشراء هذا العام بـ "المتوسط" مُقارنة بالموسم الماضي. فضلاً عن تزايد بيع "لعب الأطفال والفوانيس المستوردة" التي تجذب المشترين بفضل ما توفره من مؤثرات تقنية وأصوات وحركات متنوعة، ما يمنحها حضورًا لافتًا في السوق على حساب فوانيس الصاج التقليدية.

يقول أحدهم، وهو نادر إبراهيم (30 عامًا)، تاجر فوانيس وزينة رمضان في منطقة حدائق أكتوبر بالجيزة، إنه لم يتعاقد على شراء الفوانيس اليدوية التقليدية الصغيرة المصنوعة من الصاج، حيث باتت مثيلاتها المعدنية الملونة والبلاستيكية والخشبية المستوردة أو المصنوعة داخل شركات الألعاب المحلية بديلاً جذابًا للزبائن والأطفال في ظل انخفاض سعرها وتعدد أشكالها وتقنياتها.

قطع إبراهيم محمود (40 عامًا)، الذي اصطحب طفليه إلى شادر البيع، الحديث للاستفسار عن سعر فانوس "بوجي وطمطم" الزجاجي الناطق، ليخبره التاجر عن الأسعار باهضة للفوانيس، ويقول الأب لـ DW عربية، إنه ترك لطفليه حرية الاختيار، فاقبلا على الفانوس الزجاجي لما يوفره من أصوات وحركات تجعله أقرب إلى لعبة تفاعلية، فضلاً عن كونه أقل سعرًا مقارنةً بالصاج التقليدي.

يُضيف إبراهيم، أن شراء الفوانيس عادة رمضانية ورثها عن والده منذ طفولته، حيث أحب اقتناء الفانوس الصاج، لكن اهتمامات الأطفال وأنماط للشراء تغيرت، كما تبدلت أشكال الفوانيس وخياراتها وجودتها هما كانت عليه في الماضي.

"فانوس الزيت" الصيني يُثير إعجاب الشباب

من جانبه، يشاور محمد سيد (50 عامًا)، تاجر آخر لبيع الفوانيس في منطقة السيدة زينب على فانوس "أزرق سماوي" اللون، يبلغ طوله 20 سم، موجود على أحد أرفف المحل، يسمى بـ "فانوس الزيت"، حيث يزداد الطلب على شرائه لاسيما في أوساط الشباب المرتبطين الذين يريدون إهدائه إلى أقاربهم، رغم سعره المرتفع.

تحول فانوس "الزيت"، المستورد من الصين، إلى "تريند" منصات التواصل الاجتماعي هذا العام في مصر، وهو عبارة عن "فانوس حديدي مُغطى من جميع جوانبه بالزجاج وبداخله سائل مُتحرك، حيث يخلق حركة بصرية للأشكال الفضية والبرونزية بداخله والتي هي في الأصل عرائس وأشكال كارتونية رمضانية أو رموز ألعاب تقليدية صينية"، بجانب تمتعه بإضاءة داخلية لامعة وإصداره لأصوات وأغانٍ مُتنوعة.

يُضيف إبراهيم محمود، أن شراء الفوانيس عادة رمضانية ورثها عن والده منذ طفولته، حيث أحب اقتناء الفانوس الصاج، لكن اهتمامات الأطفال وأنماط للشراء تغيرت، كما تبدلت أشكال الفوانيس وخياراتها وجودتها هما كانت عليه في الماضي.صورة من: Mahmoud Eltabakh/DW

يشير سيد، إلى أن السوق المصرية هذا العام تشهد طفرة كبيرة في موديلات الفوانيس المستوردة لاسيما من الصين التي تقدم مختلف أنواع الفوانيس والألعاب لتناسب جميع الأذواق كُلٍ حسب دخله ومقدرته. ورغم ذلك، يرى البائع أن الفانوس الصاج التقليدي الكبير "لن يموت" باعتباره "الأصل" مهما ظهرت بدائل بلاستيكية أو مستوردة، لكونه يحمل "روح رمضان" المتوارثة عن أجيال الشعب المصري.

"لعب أطفال" ـ التحايل على حظر استيراد الفوانيس

قبل نحو 11 عامًا، وتحديدًا في أبريل 2015، أصدرت وزارة التجارة والصناعة المصرية القرار رقم 232 لسنة 2015 بحظر استيراد جميع الفوانيس من الخارج، لاسيما الصينية والماليزية؛ بهدف حماية الصناعة المحلية المصرية وتعزيز وجود الفوانيس التقليدية في الأسواق والحفاظ على مكاناتها. ورغم أن القرار لا يزال ساريًا إلا أن الفوانيس الصينية موجودة في الأسواق بكثرة وفق ما أكده التجار الذين التقينا بهم، وصانع الفوانيس عاطف سلامة.

يُعزي نائب رئيس شعبة الأدوات المكتبية ولعب الأطفال بغرفة القاهرة التجارية بركات صفا، في حديثه لـ DW عربية، انتشار الفوانيس ولعب الأطفال المستوردة في الأسواق هذا العام إلى تراجع أزمة توفير العُملة الصعبة للاستيراد مُقارنة بالأعوام السابقة، فضلاً عن دخولها تحت بند "لعب أطفال" كونها بعيدة في الشكل عن الفانوس التقليدي. كما يلفت إلى أن عوامل الجذب والابتكار الموجودة في هذه الفوانيس الصينية تجعل المنافسة تميل لصالحها بما تمتلكه من تطور مُستمر وإمكانات تفوق الفوانيس التقليدية التراثية.

توريث الحرفة مُهدد مع عزوف الأبناء عن استكمال المسيرة

إضافة للعوامل السابق، يرى عاطف سلامة أن الطلب على الفوانيس لا يرتبط فقط بالمنافسة، بل أيضًا بالأوضاع الاقتصادية التي جعلت الفانوس سلعة ترفيهية يمكن الاستغناء عنها، بجانب تغير اهتمامات الأطفال في العصر الرقمي المسيطر عليه الهواتف الذكية والألعاب الإلكترونية.

ورغم تعلق عاطف الشديد بهذه الحرفة، فإنه يواجه تحديًا أكبر يتمثل في عزوف الأجيال الجديدة عن تعلمها، إذ يلفت إلى أن أبناؤه لم يبدوا اهتمامًا باستكمال المسيرة، وهو أمر يراه مرتبطًا بحب الصنعة أكثر من كونه مُجرد عمل، وهو ما قد يتسبب في اندثار أنواعًا من الفوانيس مثل "فانوس النجمة" الذي لم يعد ينتجه مُنذ أكثر من 15 عامًا لصعوبته وحاجته لمهارة شديدة، مُنهيًا حديثه بالقول: "الصنايعي يشتغل وهو مُستمتع، دي مهنة حُب قبل أي حاجة".

تحرير: عبده جميل المخلافي

DW المصدر: DW
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا