آخر الأخبار

مفاوضات جنيف بين ضغط الميدان وشروط السياسة

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

كييف/موسكو- على أعتاب جولة مفاوضات جديدة في جنيف يقف مشهد الحرب الروسية على أوكرانيا، لكنه يتزامن مع تطورات يومية على الجبهات وبعيدا عنها، بين عمليات قصف وتصعيد عسكري، تطال مصادر الطاقة والمواقع العسكرية واللوجيستية والمدنية.

وأمام هذا الواقع المعقد، تبدو الدبلوماسية عاجزة، خاصة عندما يتعلق الأمر بإصرار كييف على عدم الانسحاب الكامل من أراضي إقليم دونباس التي بقيت تحت سيطرتها جنوب شرقي البلاد، لتبقى الكلمة الفصل لقوة السلاح في الميدان والأجواء.

ومع ذلك، وصفت الأطراف جميعها (أوكرانيا و روسيا و الولايات المتحدة الوسيطة بينهما)، المفاوضات التي جرت سابقا في أبوظبي بأنها "بنّاءة ومثمرة".

تنازلات والتزامات

وقبيل جولة مفاوضات جنيف، قال الرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، إن بلاده قدّمت "تنازلات كثيرة" لتحقيق السلام، دون الكشف عنها، الأمر الذي لم يفعله الروس "رغبة في الحرب"، حسب قوله.

وعلى سبيل المثال، لمّح مكتب الرئاسة الأوكراني إلى إمكانية إجراء انتخابات مبكرة "شريطة توفُّر الأمن" اللازم لهذه العملية، وإمكانية إجراء استفتاء على أي اتفاق مع روسيا "شريطة حصول أوكرانيا على ضمانات أمنية موثوق بها"، وخاصة من واشنطن.

وقد يظن البعض أن الكرة في ملعب موسكو لتوافق أو تقدم تنازلات، لكن أوكرانيين كثيرين يرون أنها "عمليا" في ملعب واشنطن "المضطرة" لتحريك العملية في اتجاه الحل.

وقال خبير معهد الدراسات الإستراتيجية، ميكولا بيليسكوف، للجزيرة نت "الروس لا يريدون، وزيلينسكي لن ينتحر سياسيا بالرضوخ لمطالبهم. إنه يدرك حاجة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب ورفاقه الماسّة إلى نجاحات دبلوماسية قبل انتخابات الكونغرس النصفية، ولهذا يُصرُّ على موضوع الضمانات الموثوق بها قبل أي شيء آخر".

وأضاف "الإدارة الأمريكية صعّدت مؤخرا ضد (أسطول الظل الروسي)، وتربط الآن فعلا بين حصول أوكرانيا على التزامات أمنية لتقدم تنازلات إقليمية، فدون هذه الالتزامات لن يتغير رأي الشارع الأوكراني، وسيرفض أي اتفاق".

إعلان

وفي السياق، نشر "معهد كييف للأمن" نتيجة استطلاع للرأي قبل أيام، بيّن أن نسبة 3.7% فقط من الأوكرانيين تقبل حاليا بالانسحاب من كامل أراضي دونباس، وأن نسبة تتجاوز 75% منهم تعتقد أن روسيا ستهاجم أوكرانيا مرة أخرى بعد توقيع أي اتفاق سلام.

مصدر الصورة جنود أوكرانيون يستعدون لإطلاق مدفع هاوتزر تجاه القوات الروسية بمنطقة خاركيف الأوكرانية (رويترز)

رهان كييف

ورغم أن كفّة الميدان لا تميل لصالحها أمام التفوُّق الكبير الذي يتمتع به الروس في العدد وحجم العتاد، رأى مختصون أن كييف تراهن أيضا على تحقيق مزيد من الخسائر في صفوفهم، للدفع للقبول بسلام دائم.

وعن ذلك، قال اللواء فيكتور ياغون النائب السابق لرئيس جهاز الأمن الأوكراني "إس بي يو" (SBU)، "رغم التفوُّق بميزان القوى، لكن الروس احتلوا منذ بداية 2024 أقل من 1.5% من مساحة الأراضي الأوكرانية، ودفعوا مقابل ذلك تكاليف باهظة، لا تتناسب مع حجم ما حققوه ميدانيا".

وأضاف "خسر الروس شهريا نحو 30 ألف جندي بين قتيل وجريح، ووزير الدفاع الأوكراني الجديد، ميخايلو فيدوروف، لمّح إلى أن من أهدافه رفع الرقم قريبا إلى 50 ألفا. الروس كذلك، عاجزون على التقدم بالآليات أمام المُسيّرات، وعن بسط الأمن في أي موقع جديد يُسيطرون عليه".

وبحسب ياغون، فإن الروس ليسوا بأحسن أحوالهم على الإطلاق، وثمة 3 مؤشرات على أن "الحرب استنزفتهم" بعكس ما يصرحون به ويعتقد الكثيرون.


* انتقال نموذج التعبئة في روسيا من الاعتماد الكلي على الموارد الداخلية إلى الحاجة لتجنيد مرتزقة وقوات "مستوردة"، وهذا دليل على مشاكل يعانيها الروس ومجتمعهم في موضوع التعبئة.
* تراجع كفاءة أفراد الجيش الروسي، وعمليات استبدال الخسائر بمجموعة عشوائية أو ضعيفة، لا تتمتع بالقدرة على السيطرة والقدرة القتالية العالية.
* زيادة تكلفة الحرب بالنسبة ل لكرملين على المستويين الاقتصادي والاجتماعي، لأنه "عندما تفوق الخسائر حجم تدفق الجنود المتعاقدين، يدخل النظام العسكري في نمط التعويض، وليس التطوير".

ولهذا يعتقد اللواء ياغون أن الحرب لن تطول، لأن استمرارها ليس في صالح الروس أيضا، وكل طرف يضغط الآن على الآخر بما يستطيع، للحصول على أكبر قدر من المكاسب، وتقديم أقل تنازلات ممكنة.

أوراق موسكو

وفي حين تستعد روسيا حاليا لجولة التفاوضات المقبلة في جنيف، يرتفع مستوى التوقعات -هذه المرة- إلى الانتقال للقضايا السياسية، لكن فرضية إحداث اختراق كبير أو تحقيق تسوية سريعة لا تزال تراوح بين التفاؤل الحذر والتشكيك.

وعلى عكس الجولات السابقة في أبوظبي، التي ركزت على الجوانب العسكرية والإنسانية، كتبادل الأسرى وأمن منشآت الطاقة، فإن عودة فولوديمير ميدينسكي مساعد الرئيس الروسي، إلى وفد بلاده، يشير -وفق مراقبين روس- إلى استعداد موسكو لمناقشة الشروط السياسية للتسوية.

ولا تزال روسيا تُصرّ على هذه الشروط، وأبرزها: الاعتراف بالسيطرة على مقاطعات دونيتسك ولوغانسك وخيرسون وزاباروجيا، واستعادة الأجزاء التي لا تسيطر عليها حاليا من هذه المناطق، إضافة لتخلي أوكرانيا رسميا عن خطط الانضمام إلى حلف شمال الأطلسي ( ناتو) والحد من قدراتها العسكرية.

إعلان

من جهته، لا يتوقع الكاتب في الشؤون العسكرية والأمنية، فيتالي ماركوف، التوصل سريعا إلى معاهدة سلام شاملة بين موسكو وكييف، لكنه يرجح الانتقال إلى معالجة القضايا الرئيسية، لا سيما بعد نجاح عمليات تبادل الأسرى والتي تم التوصل إليها في أبوظبي.

ورجّح ماركوف في حديثه للجزيرة نت، أن تُجبر إدارة ترمب كييف على تقديم تنازلات، لا سيما أن حركة التحولات السياسية في أوروبا وتصريحات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الأخيرة بخصوص استئناف الحوار، حملت مؤشرات ضغط جديدة على الرئيس زيلينسكي، حسب تعبيره.

ورأى بأن هذه العوامل، تُشكل أوراق ضغط مؤثرة، مع الأخذ بعين الاعتبار الوسائل الأخرى التي تتمتع بها روسيا، كالتفوُّق العسكري في الموارد، والضغط الإستراتيجي على البنية التحتية الحيوية في أوكرانيا.

وتابع، أن القوات الروسية تمكنّت خلال الشهرين الماضيين من السيطرة على حوالي 280 كيلو متر مربعا إضافية من الأراضي الأوكرانية، وبحيث لا يزال التفوق العددي الكبير والقدرة على تعويض الخسائر يسمحان بشن حرب استنزاف.

دور واشنطن

من جانبه، أشار محلل الشؤون الإستراتيجية، أوليغ بوندارينكو، إلى أن مواصلة الضربات المنتظمة بالمُسيّرات والصواريخ على البنية التحتية ومنشآت الطاقة في أوكرانيا، حتى خلال المفاوضات والاستعداد لها يشكلان أداة ضغط حساسة لإجبار كييف على تقديم تنازلات.

وأضاف أن موسكو تستغل كذلك حالة عدم اليقين المحيطة بالدعم الغربي لأوكرانيا، ما يُعزّز -برأيه- من إضعاف موقف كييف لصالح موسكو.

ووضع بوندارينكو -في هذا السياق- الضغط الأمريكي وما وصفه بـ"عامل ترمب"، موضحا أن إدارة الرئيس الأمريكي حددت يونيو/حزيران القادم موعدا نهائيا للتوصل لاتفاق سلام.

وبموازاة ذلك، يُصعّد الجانب الأمريكي، المُمثل بالمبعوث الخاص ستيف ويتكوف و جاريد كوشنر، الضغط على كييف لتقديم تنازلات، بما في ذلك ما يتعلق القضايا الإقليمية.

وختم بوندارينكو بأن هذه العوامل والتغيُّرات الميدانية والسياسية أنهت إلى غير رجعة رهان النخب السياسية الغربية بأن الصراع لن ينتهي إلا عندما تُستنزف روسيا اقتصاديا أو عسكريا.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا