في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
لطالما شكّل معبر رفح البري أكثر من مجرد نقطة حدودية بين قطاع غزة و مصر، إذ تحول عبر السنوات إلى عنوان مكثف لمعنى الحصار وحدود الحركة المفروضة على الفلسطينيين.
فالمعبر، الذي يفترض أن يكون المنفذ الوحيد غير الخاضع مباشرة لسيطرة الاحتلال الإسرائيلي، لم يعمل يوما بمعزل عن منظومة القيود السياسية والأمنية التي تحكم المشهد في غزة، ومع مرور الوقت، لم يعد الإغلاق مجرد "إجراء أمني" مؤقت، بل تحول إلى واقع يومي يعيد تعريف مفهوم البقاء على قيد الحياة للفلسطينيين.
ومع الإعلان عن إعادة فتح معبر رفح جزئيا وفي الاتجاهين، عاد الحديث عن "كسر الحصار"، إذ تكشف الأرقام الرسمية وآليات التشغيل وتجارب العابرين واقعا أكثر تعقيدا؛ فبين فتح محدود، وأعداد عبور رمزية، وإجراءات أمنية متعددة الطبقات، يظل المعبر يعمل ضمن هامش ضيق لا يمكن اعتباره بوابة طبيعية للحياة.
تفرض السلطات الإسرائيلية سيطرتها الكاملة على حركة العبور، مما أدى مباشرة إلى تأثيرات فورية على سلاسل الإمداد الغذائي والمساعدات الإنسانية، وعمليات الإجلاء الطبي، وحرمان المدنيين من حقهم الأساسي في السفر والالتقاء بعائلاتهم.
وفي هذا السياق، تقدّم الجزيرة نت سلسلة من الأسئلة والأجوبة لتسليط الضوء على واقع معبر رفح: من يمكنه العبور، وكم عدد العابرين، ومن يحدد ذلك، وما الأسباب التي تجعل السفر من غزة والعودة إليها مجرد استثناء وليس حقا يوميا طبيعيا؟
وفقا للمعطيات الرسمية الفلسطينية، تظل حركة العبور عبر معبر رفح منذ إعادة فتحه محدودة للغاية، ولا تتناسب مع حجم الطلب المتراكم على السفر من قطاع غزة وإليه، وتشير الأرقام إلى عبور عشرات الأشخاص يوميا في كلا الاتجاهين، بينما تضم قوائم السفر آلاف الأسماء من جرحى الحرب والمرضى والطلبة وأصحاب إقامات وعائلات مشتتة.
وتؤكد الجهات الفلسطينية المختصة أن ما يجري لا يمكن اعتباره تشغيلا طبيعيا للمعبر، بل تشغيلا "استثنائيا" يخضع لسقف أمني وسياسي صارم، فالمعبر لا يعمل بطاقته الفعلية، بل وفق أعداد محددة مسبقا، وغالبا أقل من السقف المعلن، مما يجعل أثر الفتح محدودا على الواقع الإنساني العام في القطاع.
وأعلن المكتب الإعلامي الحكومي في قطاع غزة، اليوم الثلاثاء، أن 397 مسافرا فقط من أصل 1600، تمكنوا من عبور معبر رفح على الحدود مع مصر، ذهابا وإيابا، منذ إعادة فتحه قبل أسبوع بشكل محدود، وسط قيود إسرائيلية مشددة.
وقال المكتب -في بيان- إن "حركة السفر عبر معبر رفح البري خلال الفترة من 2 حتى 9 فبراير/شباط الجاري، أسفرت عن عبور 397 مسافرا ذهابا وإيابا، من أصل 1600، بنسبة التزام إسرائيلي تقارب 25%".
حركة العبور عبر معبر رفح تقتصر في المرحلة الحالية على فئات محددة جدا، تتصدرها الحالات الإنسانية، وعلى رأسها المرضى المحولون للعلاج خارج القطاع -وغالبا مع مرافق واحد فقط- إضافة إلى عدد من الفلسطينيين العالقين خارج غزة الذين سُمح لهم بالعودة بعد استكمال إجراءات أمنية طويلة.
في المقابل، تستبعَد فئات واسعة من السكان، مثل الطلبة الجامعيين وأصحاب الإقامات الدائمة وحالات لم الشمل، إلا ضمن نطاق ضيق للغاية، وتشير المصادر الرسمية إلى أن هذا الإجراء ناتج عن محدودية الأعداد المسموح بها يوميا، مما يفرض "انتقاء قسريا" بين الاحتياجات.
يعود ذلك إلى جملة من العوامل المتداخلة، في مقدمتها القيود الأمنية التي يفرضها الاحتلال الإسرائيلي، فرغم أن المعبر لا يخضع إداريا للاحتلال، إلا أن إسرائيل تتحكم عمليا في حركة الأسماء المسموح لها بالعبور، عبر آلية الموافقات الأمنية وتحديد سقف الأعداد اليومية.
إضافة إلى ذلك، يخضع تشغيل المعبر لتفاهمات سياسية إقليمية ودولية مرتبطة بالوضع الأمني في غزة، مما يجعل فتحه الكامل خطوة غير مطروحة في المرحلة الراهنة -وحسب التقديرات الفلسطينية- فإن ما يجري هو إدارة مدروسة لحركة العبور تهدف إلى منع انفجار إنساني، من دون السماح بعودة حرية الحركة بشكل كامل.
توضح الجهات الفلسطينية أن دورها يقتصر على الإدارة الفنية والتنظيمية داخل المعبر، مثل إعداد الكشوفات وتنسيق سفر الحالات الإنسانية، أما القرار الفعلي المتعلق بفتح المعبر، وعدد العابرين، والفئات المسموح لها بالسفر، فيبقى خاضعا لتنسيق أمني وسياسي مع أطراف أخرى.
هذا الواقع يضع الجانب الفلسطيني في موقع إدارة الأزمة، بدلا من امتلاك أدوات حلها، ويفسر لماذا لا تنعكس الحاجة الإنسانية الكبيرة في غزة على أعداد العابرين الفعلية.
تتمثل القيود الأساسية في:
هذه القيود تجعل من عملية السفر مسارا شاقا وغير مضمون النتائج، وتحول المعبر إلى نقطة تحكم أمني أكثر منه ممرا إنسانيا.
تعكس شهادات العابرين -كما نقلتها وسائل الإعلام- حجم الإرهاق النفسي والجسدي الذي يرافق عملية العبور، إذ يصف كثير منهم ساعات طويلة من الانتظار، وغموض الإجراءات، والخوف المستمر من الإرجاع دون تفسير.
ويشير مرضى ومرافقون إلى أن رحلة العبور، رغم السماح بها، تضاعف معاناتهم، لا سيما في ظل ظروف صحية صعبة، مما يجعل تجربة السفر قاسية ومرهقة لا تقل وطأتها عن البقاء داخل القطاع.
وقد أفاد بعض العابرين بأنهم تعرضوا لضغوط من قبل الجهات الإسرائيلية لطلب التعاون معها ضمن إجراءات العبور، مما يضيف بعدا نفسيا إضافيا يزيد من صعوبة التجربة ويبرز التحديات اليومية التي تواجه السكان في الحصول على حقهم في التنقل.
تشير التصريحات الرسمية للجهات الصحية الفلسطينية إلى أن القيود المفروضة على معبر رفح تؤثر مباشرة على حياة المرضى وعلى حصولهم على العلاج خارج القطاع، فالقوائم الطويلة تشمل آلاف الحالات الحرجة، من مرضى السرطان والأطفال المصابين بأمراض مزمنة إلى مصابين بحاجة إلى تدخلات عاجلة لا تتوفر داخل غزة.
وأفادت منظمة الصحة العالمية بأن أكثر من 18 ألفا و500 مريض في غزة ما زالوا في حاجة ماسة إلى العلاج الطبي خارج القطاع لإنقاذ حياتهم، كما توفي أكثر من 1600 فلسطيني في أثناء انتظارهم العلاج في الخارج.
وأوضحت وزارة الصحة الفلسطينية أن محدودية عدد المرضى المسموح لهم بالسفر يوميا، إضافة إلى إجراءات الموافقة المعقدة وطول إجراءات التفتيش، تجعل عملية السفر سباقا مع الزمن أمام أوضاع صحية حرجة، بحيث يظل المعبر يقدم حلولا إنسانية جزئية فقط.
كما أكدت الأمم المتحدة ومنظمات دولية أن الفتح الحالي للمعبر يخفف الضغط الإنساني، لكنه لا يكفي لتلبية الاحتياجات الطبية المتزايدة، ويظل واقع المرضى هشا ومعرضا للخطر.
تشير تصريحات رسمية من هيئة المعابر الفلسطينية ووزارة الصحة إلى أن آلاف الفلسطينيين لا يزالون عالقين على قوائم السفر رغم إعادة فتح معبر رفح.
وتشمل هذه القوائم المرضى المحولين للعلاج، والطلبة، وأصحاب الإقامات، والعائلات المنتشرة خارج القطاع، ويقدر عددهم بعشرات الآلاف.
وأكد إسماعيل الثوابتة، رئيس المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، أن المعبر يعمل بطاقة محدودة جدا يوميا، وهو ما يترك غالبية المسجلين في انتظار مستمر، من دون أي جدول زمني واضح لمعالجة حالاتهم.
نتيجة لذلك، يعيش آلاف الفلسطينيين حالة ترقب وقلق دائمين، في ظل غياب أي ضمانات للعبور قريبا، مما يحوّل السفر من حق أساسي إلى تجربة مرهقة وقاسية تزيد من وطأة الحصار على حياتهم اليومية وصحة المرضى على وجه الخصوص.
نعم، من الناحية العملية، يمكن إغلاق معبر رفح في أي وقت، وهو ما تؤكده التجربة التاريخية وتصريحات الجهات الرسمية الفلسطينية والمصرية، وتوضح هيئة الشؤون المدنية وهيئة المعابر في غزة أن تشغيل المعبر يتم وفق ترتيبات مرحلية قابلة للتغيير، وأن أي تطور أمني أو سياسي يمكن أن يؤدي إلى تعليق العمل أو إغلاقه جزئيا أو كليا، كما حدث في السنوات الماضية.
كما أشارت منظمات حقوقية فلسطينية ودولية إلى هشاشة واقع المعبر، معتبرة أنه فتح قابل للإلغاء في أي لحظة، مما يزيد من حالة القلق والتوتر لدى المرضى والعالقين والطلبة على قوائم السفر.
تشير التصريحات الرسمية والدبلوماسية إلى أن فتح معبر رفح ليس كسرا للحصار، بل إعادة تنظيم للقيود بطريقة إنسانية محدودة، ففي حين رحبت الجهات العربية والدولية -لا سيما الوسطاء قطر ومصر- بخطوة تخفيف المعاناة عن الحالات الأكثر حاجة، فإنها أكدت أنها غير كافية ولا تمنح حرية الحركة الكاملة.
وأوضحت الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية أن المعبر لا يزال خاضعا لرقابة صارمة، ولا يسمح بتدفق حر للأفراد والبضائع، في حين أكدت إسرائيل أن فتحه يتم ضمن آليات رقابة كاملة، وشددت مصر على أن الخطوة تأتي في إطار ترتيبات إنسانية وسياسية محدودة، وبذلك، يخفف المعبر الحالي الضغط الإنساني، لكنه يظل أداة لإدارة الحصار، وليس كسره.
وصف الغزيون معبر رفح الجديد بأنه "بوابة سجن"، بسبب الممر الضيق المحاط بالبوابات الحديدية والأسلاك الشائكة وكاميرات المراقبة، مما يجعل عبور الفلسطينيين ذهابا وإيابا تجربة مرهقة ومذلة، ويعكس -برأيهم- واقع قطاع غزة بوصفه "أكبر سجن على وجه الأرض".
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة