لم يعد يوم الرجل يبدأ وينتهي عند 8 ساعات عمل، فالهاتف الذكي جلب المكتب إلى غرفة النوم، والقلق المالي يرافقه إلى مائدة الطعام ومسؤوليات الأسرة لا تعرف ما يسمى "انتهاء الدوام". ومع مرور السنوات تتقلص المساحة التي يحمل فيها الرجل اسمه فقط، لا مسماه الوظيفي ولا دوره العائلي، فيقول كثيرون بصدق "لم يعد لدي وقت لنفسي".
هذا الإحساس لا يرتبط بعدد الساعات فقط، بل بشعور أعمق بأن الوقت بات مُصادرا لا مُختارا، وهي حالة يسميها باحثون في علم النفس والاجتماع بـ"فقر الوقت" (Time Poverty) أي الشعور المزمن بأن الوقت المتاح لا يكفي للوفاء بالالتزامات حتى لو أظهرت الجداول وجود بعض الفراغ.
تشير أبحاث حديثة في علم النفس إلى أن "فقر الوقت" ليس مسألة "تنظيم ساعات" بقدر ما هو مسألة إحساس بالتحكم فيها، فالأفراد الذين يشعرون بأنهم لا يملكون حرية اختيار كيف يقضون يومهم يكونون أكثر عرضة للتوتر والإرهاق وانخفاض الرضا عن الحياة حتى لو امتلكوا ساعات فراغ "على الورق".
في دراسة نشرت عام 2024 في مجلة "بي إم سي سايكولوجي" (BMC Psychology) عن تأثير إدارة الوقت على الصحة النفسية والأداء الدراسي لدى طلاب الجامعات، وجد الباحثون أن "التحكم المدرك في الوقت" عامل مهم في تخفيف الضغط النفسي وتحسين مؤشرات الصحة النفسية مقارنة بمن لديهم الإحساس نفسه بضيق الوقت، لكن دون شعور بالسيطرة على جدولهم اليومي، أي أن إدراك السيطرة على الوقت لا يقل أهمية عن عدد الساعات نفسه.
أبحاث أخرى طورت مقاييس لمفهوم "فقر الوقت المدرك"، من بينها دراسة نشرت عام 2022 ضمن أبحاث سلوك الموظفين بعنوان "مشغول على الدوام وأشعر بفقر الوقت"، تشير إلى أن الشعور المزمن بالانشغال وضيق اليوم يرتبط بزيادة الإرهاق النفسي والاحتراق الوظيفي.
إذن "ليس المهم كم ساعة نملك، بل كم نشعر أن هذه الساعات لنا". هذا الإحساس يميل إلى التراجع مع التقدم في العمر إذ تتزايد الالتزامات وتتقلص القدرة على إعادة ترتيب المسار، فيتحول الوقت من "مورد" إلى عبء نفسي يشعر معه الرجل أن يومه مفروض عليه أكثر مما يختار.
وتفترض النظرية أن الصور النمطية عن الجنسين تنبع بدرجة كبيرة من تقسيم العمل التاريخي بين الرجال والنساء لا من الفروق البيولوجية وحدها.
وبالنسبة للرجل لا يزال الدور المركزي في كثير من المجتمعات هو المُعيل والمسؤول والمتحمل الذي يقدم الواجب على الرغبة. هذه الأدوار لا تستهلك الوقت فقط، بل تستنزف الطاقة الذهنية، فحتى حين يجلس الرجل في منزله دون عمل مباشر يواصل عقله "وردية ثانية" من التفكير في القروض والمصاريف ومستقبل الأبناء وتوقعات المحيط منه.
النتيجة أن كثيرا من الوقت الذي يبدو حرا في الجدول، لا يكون حرا نفسيا لأن الذهن ما زال في وضع "الواجب" لا "الاختيار".
يتحدث أطباء الأعصاب عن الإجهاد المزمن بوصفه حالة يبقى فيها الجسد والعقل في استنفار طويل الأمد، فالجهاز العصبي مصمم ليتعامل مع الأخطار الحادة، لكنه حين يبقى في حالة إنذار مستمرة يعيد ترتيب الأولويات.
في هذه الحالة يتحول الدماغ إلى ما يشبه "وضع البقاء" (Survival Mode) فيركز على دفع الفواتير وتفادي المخاطر وإطفاء "حرائق اليوم"، بينما تتراجع في سلم الأولويات الأنشطة التي لا ترتبط مباشرة بالبقاء مثل الهوايات والعلاقات والراحة النفسية.
دراسة حديثة نشرت عام 2024 في مجلة "الشخصية والفروق الفردية" بعنوان "لا وقت للإبطاء: فقر الوقت يتنبأ بإستراتيجية حياة سريعة"، وجدت أن الإحساس المزمن بفقر الوقت يدفع الأفراد إلى تبنّي ما يسميه الباحثون "إستراتيجية حياة سريعة"، أي التركيز على القرارات قصيرة الأمد والنجاة اللحظية، مع تراجع الاستثمار في الراحة والأنشطة طويلة المدى.
وهذا قريب جدا مما يصفه كثير من الرجال حين يقولون إن حياتهم صارت سلسلة مهام متلاحقة بلا وقت "لأنفسهم". لهذا لا يتوقف بعض الرجال عن ممارسة هواياتهم فقط، بل ينسون ما كانوا يحبونه أصلا ويتحول اليوم إلى سلسلة مهام متلاحقة بلا مساحة لهوية شخصية خارج دور "الرجل الذي يتحمّل".
مع ملاحظة أن الحديث عن فقر وقت الرجل لا ينفي وجود "فقر وقت" عند النساء أيضا، بل يشير إلى زاوية قلّ تناولها عن ضغوط الدور الاقتصادي والاجتماعي على الرجال في مجتمعاتنا.
تشير مسوح استخدام الوقت في دول عدة إلى أن العمل المدفوع الأجر يحتل حصة كبيرة من اليوم، لكن المشكلة الأعمق أن العمل لم يعد محصورا بساعات واضحة.
تقارير حديثة عن الفوارق بين الجنسين في الوقت المدفوع وغير المدفوع في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) توضح أن الرجال يقضون في المتوسط ساعات أطول في العمل المأجور والتنقل، بينما تتحمل النساء نصيبا أكبر من العمل المنزلي والرعائي غير المدفوع، أي أن "أيام الرجال" تميل لأن تكون مشبعة أكثر بساعات العمل الرسمي والالتزامات المرتبطة به.
غير أن العمل اليوم يخرج من المكتب إلى الهاتف، حيث رسائل البريد الإلكتروني ومجموعات "واتساب العمل" والتفكير في مهام الغد، وكلها شكل من العمل غير المدفوع.
والسؤال هنا "هل يعمل الرجل أكثر فعلا؟ أم أنه يفكر في العمل طوال الوقت؟".
نظريا يعود الرجل إلى البيت ليستريح، لكن عمليا يدخل كثيرون في "نوبة عمل ثانية" من تخطيط مالي مستمر إلى مسؤوليات أبوية وتربوية مع توقع غير معلن بألا يشتكي أو يظهر التعب لأن "الرجل القوي لا يتذمر".
بهذا المعنى يتحول المنزل من مساحة تعاف إلى مركز إدارة، حيث يواصل الدماغ العمل حتى لو بدا الجسد في حالة استرخاء.
العلاقات التي يفترض أن تكون مصدر دعم وراحة تتحول أحيانا إلى التزامات زمنية من زيارات مفروضة بدافع المجاملة إلى جلسات طويلة بلا عمق حقيقي، وغياب لمساحات آمنة يتحدث فيها الرجال بصدق عن ضغطهم دون سخرية أو انتقاص.
أظهرت أبحاث حول فقر الوقت لدى المعلمين وقادة المدارس، على سبيل المثال، أن تراكم الواجبات الرسمية والاجتماعية معا يساهم في زيادة الإرهاق العاطفي والشعور بالاستنزاف لا سيما حين تغيب العلاقات الداعمة ذات العمق الحقيقي.
تتآكل بذلك فكرة "الصداقة والهواية المشتركة" لصالح "الواجب الاجتماعي" فيزداد الإحساس بالوحدة رغم كثرة المناسبات.
على الجانب الآخر يبقى الرجل شريكا -أحيانا دون وعي- في سرقة وقته، فكم مرة لم يدافع عن وقته خوفا من أن يتهم بالتقصير؟ وكم مرة خلط بين التضحية والإلغاء الذاتي؟ وكم مرة أجّل المتعة والراحة والهوايات إلى "وقت لاحق" لم يأت؟
في أدبيات علم العمل والطب المهني يستخدم أحيانا مفهوم "الالتزام الزائد" (Overcommitment) لوصف الأشخاص الذين يوافقون تلقائيا على كل طلب ويجدون صعوبة في وضع حدود خوفا من أن ينظر إليهم باعتبارهم مهملين أو مقصرين مما يضاعف شعورهم بفقر الوقت والإرهاق.
مع التقدم في السن تتشابك عدة عوامل:
دراسات عن "التحكم المدرك في الحياة" تشير إلى أن شعور الإنسان بسيطرته على يومه يميل إلى التراجع مع زيادة الضغوط والأدوار، وهو ما يرتبط بارتفاع مستويات التوتر والشعور بالعجز، وقد وجدت مراجعات بحثية أن انخفاض هذا الإحساس بالتحكم يرتبط بزيادة أعراض القلق والاكتئاب في منتصف العمر.
في هذه المرحلة لا يبدو الوقت مسروقا فقط، بل متبخرا.
شعور الرجل بسيطرته على يومه يميل إلى التراجع مع زيادة الضغوط والأدوار (شترستوك)الوقت الذاتي ليس رفاهية، بل هو ضرورة نفسية وعصبية. مؤسسات طبية مثل "مايو كلينك" تدرج تقنيات الاسترخاء والتأمل والتنفس العميق ضمن أدوات أساسية لإدارة التوتر وتقليل أثره على الجسد والعقل، لا بوصفها ترفا إضافيا، إذ تشير إرشاداتها إلى أن ممارسة هذه التقنيات بانتظام تساهم في خفض ضغط الدم وتحسين النوم وتقليل الأعراض الجسدية المرتبطة بالقلق.
لا يشترط أن يكون الوقت الشخصي ساعات طويلة أحيانا تكفي 20-30 دقيقة يوميا لنشاط يمارس بوعي كامل -قراءة أو رياضة خفيفة أو هواية أو حتى جلسة صامتة- بشرط أن يكون وقتا لا يطلب فيه من الرجل أداء دور.
بدل الاكتفاء بنصائح "إدارة الوقت" يحتاج كثير من الرجال إلى الانتقال إلى مفهوم "حماية الوقت":
الأبحاث التي درست أثر برامج إدارة الوقت على الطلبة والعاملين تشير إلى أن تعزيز إحساس الفرد بالتحكم في جدوله اليومي -لا مجرد ازدحامه بالمهام- يرتبط بتحسن الرضا عن الحياة وانخفاض مؤشرات الاحتراق النفسي.
هذا التحول من "محاولة ضغط المزيد في اليوم" إلى "حماية مساحات صغيرة ولكن صلبة لنفسي" هو ما تشير إليه دراسات فقر الوقت على أنه يحسن الرضا عن الحياة ويخفف الشعور بالاستنزاف.
أن يسأل الرجل نفسه "من أكون خارج العمل والإنفاق؟". الإجابة لا تأتي نظريا، بل تبنى تدريجيا عبر:
في النهاية لم يُسرق وقت الرجل دفعة واحدة، بل تنازل عنه تدريجيا إما لصالح عمل إضافي أو مجاملة أو تصفح عشوائي يلتهم ما تبقى من اليقظة حتى نسي أن له وقتا أصلا.
استعادة هذا الحق ليست دعوة إلى الأنانية، بل هي محاولة لإنقاذ الإنسان داخل أدوار الرجل حتى يواصل العطاء لا باعتباره آلة تعمل حتى تتعطل، بل كائنا يحتاج -بين نوبة وأخرى- إلى أن يجلس مع نفسه لا مع التزاماته.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة