في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
لندن- فضّلت بريطانيا -الحليف التاريخي الوثيق ل واشنطن– تجاهل دعوة الرئيس دونالد ترمب الانضمام لمجلس السلام في غزة، في وقت يحتد فيه الجدل في أوساط النخب السياسية البريطانية بشأن وجاهة التردد في حجز مقعد على طاولة هيكل سياسي دولي يُتوقع أن يتجاوز نطاق نفوذه إدارة شؤون القطاع المحاصر.
ويعكس عدم اصطفاف بريطانيا هذه المرة مع الحليف الأمريكي، الذي قاتلت إلى جانبه على مدى عقود في حربي العراق و أفغانستان، ودعمت رؤيته في معالجة أزمات الشرق الأوسط، مرحلة جديدة تعيد فيها لندن حساباتها الإستراتيجية وتراجع طبيعة علاقتها ب الولايات المتحدة، في ظل الهزة التي تضرب التحالف الغربي.
وتحفظت وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر على الالتحاق "الفوري" لبريطانيا بمجلس السلام، وشددت على أن ميثاقه الذي وقّع عليه ترمب -على هامش منتدى دافوس– يُعد معاهدة قانونية بالغة الحساسية وتحتاج دراسة مفصلة، بينما تنخرط بلادها في النقاش والتنسيق بشأنها مع الحلفاء الدوليين.
وفي ظل شكوك تحوم حول الأهداف التي تحاول الإدارة الأمريكية جنيها من وراء إنشاء هذه البنية السياسية الدولية، أشارت كوبر، في حديث لهيئة الإذاعة البريطانية، إلى أن المجلس يطرح قضايا أوسع بكثير من إعادة إعمار غزة، بينما أبدت في الوقت نفسه قلقها من دعوة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لعضويته في وقت يواصل فيه الحرب في أوكرانيا.
ويتقاطع التوجس البريطاني مع قلق في عواصم أوروبية من الصلاحيات المجلس الواسعة والغامضة في آن معا، حيث تتزايد المخاوف من أن يُؤسس لكيان دولي موازٍ ل لأمم المتحدة ينافس اختصاصاتها حيث تحظى بريطانيا و فرنسا بعضوية دائمة في مجلس الأمن الدولي.
وبينما يؤكد المسؤولون البريطانيون والأوروبيون أنهم يدعمون خطة ترمب للسلام في غزة، تتعاطى الحكومة العمالية بحذر شديد مع المبادرة الأمريكية وتتجنب توجيه نقد لاذع وصريح لها، بعد أن واجه الرئيس الأمريكي الرفض الفرنسي العلني الانضمام للمجلس بالتهديد بفرض رسوم جمركية تتجاوز 200% على النبيذ الفرنسي.
وبينما يثير وجود رئيس الحكومة العمالية السابق توني بلير ضمن المجلس التنفيذي ضغوطا إضافية على كير ستارمر، الذي تبادل خلال الأيام الماضية انتقادات غير مسبوقة مع حليفه دونالد ترمب بشأن التخلي عن جزيرة في المحيط الهندي، أشار رئيس الوزراء البريطاني إلى أن هذه الانتقادات تهدف إلى الضغط عليه بسبب موقفه الحازم من قضية غرينلاند.
ويرى الباحث في شؤون الشرق الأوسط بالمركز الأوروبي للعلاقات الخارجية هيو لوفات أن تشكيل المجلس يتزامن مع لحظة جيوسياسية بالغة التوتر، لم تعد فيها الولايات المتحدة الحليف الأطلسي التقليدي، مما يعقّد حسابات بريطانيا ويدفعها لإعادة التفكير في دورها كوسيط بين الأوروبيين وواشنطن، مرجحا أنه في ظرف جيوسياسي مغاير كانت بريطانيا ستندفع للمشاركة في عضوية المجلس.
وأشار لوفات -في حديثه للجزيرة نت- إلى أن البريطانيين والأوروبيين لا يخفون مخاوفهم حيال طبيعة الصلاحيات التي يتمتع بها المجلس، والغموض الذي يكتنف آليات عمله وامتدادات نفوذه، فضلا عن شكوكهم بشأن حجم التأثير الذي يمكن ممارسته في ظل الهيمنة الأمريكية على مفاصله.
ويشدد الخبير البريطاني على أن بريطانيا ليست في وارد التخلي عن دورها في القضية الفلسطينية لحيويتها في استقرار الشرق الأوسط، لكنها في سياق إعادة فرز التوازنات والاصطفافات، ويمكن أن تدعم بالتعاون مع المانحين الأوروبيين الأطراف الفلسطينية بشكل مباشر.
من جانبه، يقول رئيس "المركز البريطاني لمستقبل العلاقات عبر الأطلسي" كريس دويل إن البريطانيين يدركون أن المجلس ليس معنيا بإدارة قطاع غزة بعد الحرب، ولكنه يسعى لصياغة وضع جيوسياسي جديد يجبر فيه ترمب الأوروبيين على الجلوس على طاولة واحدة مع الرئيس الروسي، ويجردهم من أي هامش للقوة.
ولفت دويل -في حديثه للجزيرة نت- إلى أن مجلس السلام لا يعكس زخما دوليا لحل القضية الفلسطينية، ولكن يعبّر عن بنية سلطة عالمية جديدة، يحتل هرمها الرئيس الأمريكي دونالد ترمب ويستحوذ على سيادة القرار فيها ويفرض على الدول الراغبة في الانضمام لعضويتها دفع ما يُقدّر بمليار دولار، "بينما يملك ترمب الحق في سحب الدعوة للمشاركة بناء على نوازع تسلطية محضة".
ولم تستبعد مسؤولة السياسات الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس انضمام دول أوروبية لعضوية المجلس في حال اقتصر نطاق عمله على غزة وحدها، بينما أكد رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا أن القادة الأوربيين لديهم شكوك جدية بشأن طبيعة المجلس، حيث يتوجس الأوروبيون والبريطانيون من إضفاء الشرعية الديمقراطية على مجلس لا يستبعد أن يستأثر ترمب برئاسته مدى الحياة.
وأثار قرار الحكومة العمالية في سبتمبر/أيلول الماضي الاعتراف بالدولة الفلسطينية المستقلة ردود فعل أمريكية وإسرائيلية غاضبة، بينما تحاول بريطانيا -إلى جانب دول غربية أخرى- الانخراط في زخم دبلوماسي بديل لدعم السلطة الفلسطينية وإعادة هيكلتها، بعد إعلان نيويورك الذي قادته السعودية وفرنسا من على منصة الأمم المتحدة لإحياء حل الدولتين.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة