اعتمدت لجنة القوانين في الجمعية الوطنية الفرنسية (البرلمان)، الثلاثاء، مشروع قانون مثيرًا للجدل يهدف إلى مكافحة "الأشكال المتجددة من معاداة السامية "، بما في ذلك معاداة الصهيونية والتقليل من شأن محرقة الهولوكوست .
وتقدمت بمشروع القانون البرلمانية اليهودية كارولين يادن المنتمية للتحالف الرئاسي الداعم للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وهي تمثل الدائرة الثامنة للفرنسيين المقيمين في دول أخرى، ومن بينها إسرائيل.
وتسعى البرلمانية يادن إلى التصدي لما تصفه بمعاداة السامية الحديثة في شكل كراهية لإسرائيل، على حد توصيفها.
وتم تمرير المشروع بفارق ضئيل (18 صوتًا مقابل 16)، بدعم أساسه نواب من الأغلبية الحاكمة واليمين المتطرف، فيما صوّت اليسار ضده. ومن المقرر أن يُعرض النص لاحقًا على الجلسة العامة للجمعية الوطنية لمناقشته.
وتقدمت كارولين يادن بمشروع القانون في نوفمبر/تشرين الثاني 2024، لكنه لم يدرج على جدول أعمال الجمعية الوطنية إلا في يناير/كانون الثاني الجاري، قبل طرحه في لجنة التشريع، الثلاثاء، لمناقشة بنوده والتصويت عليه، في انتظار عرضه على الجلسة العامة للجمعية الوطنية.
وقالت يادن في المذكرة التفسيرية للمشروع: "اليوم، تتغذّى الكراهية المعادية لليهود في بلدنا من هوس بكراهية إسرائيل، التي يجري بشكل منتظم نزع الشرعية عن وجودها وتجريمها".
وأضافت أن هذه الكراهية "تتخفّى تحت قناع التقدمية وحقوق الإنسان"، وتُعرض "من دون خجل في الشوارع، وفي الجامعات، وعلى شبكات التواصل الاجتماعي".
يهدف مشروع قانون "يادن" إلى تعزيز مكافحة "الأشكال المتجددة للعنصرية ومعاداة السامية" عبر إدراج جرائم وخروقات متعلقة بالخطاب والتحريض، لا سيما ما يُعتبر تشجيعا على الكراهية ضد اليهود وربط ذلك بنقد إسرائيل وعدم الاعتراف بها كدولة.
ويقترح القانون توسيع ثلاثة توسيعات رئيسية على التشريعات القائمة المتعلقة بالعقوبات الجنائية للخطابات التي تُعد كراهية أو مساهمة في العنف أو التقليل من شأنه.
ويستند إلى تعريفات قانونية أوسع لاعتبار بعض أشكال نقد إسرائيل مدخلا لتحديد "معاداة السامية"، إذ يجرم عدم الاعتراف ببعض الدول كدولة مستقلة، مثل إسرائيل.
كما يساوي مشروع القانون بين تمجيد مرتكبي أفعال معادية للسامية وتمجيد تلك الأفعال نفسها، بالإضافة إلى اعتبار أن التقليل من شأن الإرهاب شكل من أشكال التمجيد.
وبموجب ذلك، يتوسع تعريف إنكار المحرقة من الإنكار الصريح ليشمل أيضًا التقليل الفادح من شأنها أو التهوين منها، كما يجرّم المقارنات بين إسرائيل والنازيين.
كما يستحدث المشروع جريمة جديدة تتمثل في الدعوة العلنية إلى تدمير دولة معترف بها من قبل فرنسا، باعتبار ذلك انتهاكًا لحق الشعوب في تقرير المصير كما ينص عليه ميثاق الأمم المتحدة.
ويُنظر على نطاق واسع إلى أن هذا البند يستهدف الهتافات الداعية إلى إنهاء وجود إسرائيل، مثل شعار " من النهر إلى البحر ".
يدعم مشروع القانون نواب من تحالف "معا من أجل الجمهورية" (أحزاب التحالف الرئاسي)، كما شارك في التوقيع عليه نواب من أحزاب تحالف الأغلبية، بما في ذلك نواب من حزب الاشتراكيين.
في المقابل، أعربت الأحزاب اليسارية، مثل فرنسا الأبية والحزب الشيوعي الفرنسي والخضر، عن معارضتها لمشروع القانون باعتباره قد يحدّ من النقاش السياسي والحريات.
ومن بين رافضي مشروع القانون أعضاء في حزب النهضة (حزب ماكرون) الذي يشهد نقاشات داخلية عميقة بشأن القانون، في حين لم يحسم التجمع الوطني اليميني المتطرف رأيه، لكنه رفض التصويت لصالح قوانين مشابهة سابقا في سياق مكافحة السامية القانونية.
ويرى منتقدو المشروع أنه قد يجرّم عبارات ملتبسة أو ساخرة، وشعارات أو تأطيرات سياسية، وأنه يطمس الفاصل بين معاداة السامية وانتقاد إسرائيل.
وقالت النائبة الاشتراكية مارييتا كارامانلي: "تحويل الخطاب العام حول الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني إلى مجال خاضع للعقوبات الجنائية قد يفاقم الانقسامات بدلًا من تخفيفها. نحن نؤيد مقاربة معقولة ومتوازنة، وفي هذه المرحلة لسنا مع هذا النص".
من جهتها، صرّحت النائبة عن حزب "فرنسا الأبية" غابرييل كاتالا: "هذا النص لا يتيح مكافحة معاداة السامية. إنه لا يحمي اليهود، بل يحمي سياسة دولة إسرائيل وقادتها المتهمين بارتكاب جرائم سياسة فصل عنصري ومشروع استعماري وإبادة بحق الشعب الفلسطيني".
وفي كلمتها قبل التصويت، قالت يادن: "دائمًا، للأسف، توجد حجة وجيهة لكراهية اليهود، اليوم، تُسمّى هذه الحجة إسرائيل".
وأضافت: "معاداة السامية ليست أبدًا ظاهرة معزولة. إنها دائمًا إنذار مبكر. أول أعراض عنفٍ ما، ينتشر ويتوسع ويصيب في نهاية المطاف نطاقًا أوسع. إنها بروفة لكراهية لا تتوقف عند هدفها الأول، وعندما تزدهر، فإن مسؤوليتنا الجماعية هي التي تتعثر"، مضيفة: "ولهذا يجب أن نتحرك".
وبالتزامن مع مناقشته أمام لجنة القوانين، تظاهر فرنسيون بالقرب من مقر البرلمان في العاصمة باريس احتجاجا على مشروع قانون "يادن".
وقال مشاركون في المظاهرة إن القانون يخلط بين مكافحة معاداة السامية كجريمة عنصرية وبين النقد السياسي المشروع ضد إسرائيل وسياساتها، ما قد يؤدي إلى تجريم التضامن مع الشعب الفلسطيني والنقد السياسي السلمي.
وقالت منظمات مشاركة في الاحتجاجات إنها ستواصل تنظيم الوقفات وإرسال الرسائل للنواب لإسقاط المشروع أو تعديله، مشددة على أنهم لن يقبلوا بمحاولات إسكات التضامن مع الشعب الفلسطيني.
وشدد محتجون على أهمية الدفاع عن الحقوق والحريات ودعم الشعب الفلسطيني ورفض المشروع الذي يمثل برأيهم تقييدا لحرية الرأي والنقاش السياسي، مؤكدين على أن الدفاع عن الفلسطينيين جزء من القيم الديمقراطية التي يُفترض أن تحميها الجمهورية الفرنسية.
المصدر:
يورو نيوز