آخر الأخبار

الليطاني يفصل لبنان عن أصعب قرار | الحرة

شارك

يشكّل نهر الليطاني اليوم الحدّ العملي لما أنجزته الدولة اللبنانية في ملف سلاح حزب الله. فبينما تتحدث الحكومة والجيش عن تقدم ميداني جنوب النهر، تبقى الخطوة التالية شماله مؤجلة، وسط ضغوط داخلية وخارجية متصاعدة لدفع بيروت إلى استكمال التزاماتها الواردة في اتفاق وقف إطلاق النار مع إسرائيل.

وأمس الخميس، أعلن الجيش اللبناني سيطرته على معظم المناطق الواقعة جنوب الليطاني، باستثناء النقاط التي لا يزال الجيش الإسرائيلي متمركزًا فيها، مؤكدًا مواصلة معالجة الذخائر غير المنفجرة والأنفاق. غير أن جلسة مجلس الوزراء انتهت من دون إعلان بدء المرحلة الثانية شمال النهر، ما أعاد فتح الأسئلة حول أسباب التأجيل: هل يرتبط الأمر بصعوبات ميدانية فعلية، أم بحسابات سياسية؟

وأوضح وزير الإعلام بول مرقص أن قيادة الجيش ستضع خطة لسحب السلاح شمال الليطاني، على أن تعرض على الحكومة خلال شهر فبراير المقبل. لكن السؤال: هل التأجيل ناجم عن عجز ميداني، أم عن حسابات سياسية خشية الصدام مع حزب الله؟

مماطلة أم عجز؟

في سبتمبر الماضي قدّم الجيش اللبناني إلى الحكومة خطة مفصّلة مقسّمة إلى أربع مراحل جغرافية تشمل: “أولاً: المنطقة الواقعة جنوبي نهر الليطاني. ثانياً: المنطقة الممتدة بين نهري الليطاني والأولي. ثالثاً: بيروت وضواحيها. ورابعاً: المناطق المتبقية من البلاد”، كما كشف وزير الخارجية يوسف رجي في حديث لـ”معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى”.

وأمس الخميس، شدد رئيس الحكومة نواف سلام على ضرورة تأمين الدعم اللوجستي والمادي للجيش اللبناني، بما يسمح له بتنفيذ المرحلة الثانية الممتدة من خطته، وصولاً إلى استكمال الخطة على كامل الأراضي اللبنانية “في أسرع وقت”.

وفي السياق نفسه أشار مرقص إلى أن الصعوبات والتحديات أمام الجيش، “هي صعوبات عملية ولوجستية، وكذلك في الموارد والدعم”.

كذلك أكد رجي أن “أن الجيش اللبناني يواجه مهمة بالغة الصعوبة، إذ يعاني من نقص ملموس في الموظفين والموارد”، لكنه في ذات الوقت أكد أنه “قادرة على مواجهة حزب الله عسكرياً إذا اقتضت الضرورة”، في موقف لافت يعكس تصاعد النقاش داخل مؤسسات الدولة.

في المقابل، يرى مراقبون أن ما يجري يتجاوز الإطار التقني، ليعكس تعقيدات سياسية عميقة تتصل بالتوازنات الداخلية والعلاقة مع حزب الله. ويعتبر هؤلاء أن السلطة التنفيذية تعتمد مقاربة تراعي الحزب أكثر مما تراعي قراراتها، ما يضعف ثقة المجتمعين المحلي والدولي بقدرة الدولة على معالجة هذا الملف.

وذهب الباحث في شؤون الأمن القومي والاستراتيجي، العميد المتقاعد يعرب صخر، إلى حد وصف أداء السلطة التنفيذية بأنه “إخلال فاضح بقرارات مجلس الوزراء وخوف واضح من عملية حصر السلاح”. واعتبر، في منشور عبر منصة “إكس”، أن الجيش كان يفترض أن يُكلَّف بوضع خطة شمال الليطاني منذ ديسمبر، على أن يبدأ تنفيذها في يناير، مؤكداً أن التأجيل “تهرب غير مسؤول وإضاعة متعمدة للوقت”، وأن السلطة تعمل وفق إيقاع ورغبة حزب الله.

وأشار صخر إلى أن من أبرز دلائل هذا النهج، “منع الجيش من تحديد المهل الزمنية لنزع السلاح على كامل الأراضي اللبنانية، وتأجيل خطة شمال الليطاني شهراً آخر ضمن بدعة احتواء السلاح وليس حصره”.

“الوقت القاتل” والخطيئة الكبرى

في الخامس من أغسطس الماضي، اتخذت الحكومة اللبنانية قراراً بحصر السلاح بيد الدولة ولاحقاً وافقت في سبتمبر على خطة الجيش اللبناني لتنفيذ المهمة. غير أن هذه الخطة لم ترفق بجدول زمني واضح، باستثناء مرحلتها الأولى التي حددت نهاية عام 2025 موعداً للانتهاء من سحب السلاح جنوب الليطاني.

غياب الجدول الزمني يثير تساؤلات حول جدية الدولة اللبنانية، في ظل ضغوط أميركية متزايدة لإنجاز المهمة. وفي هذا السياق، يعتبر المحلل السياسي جورج العاقوري أن لبنان بات في “الوقت القاتل” الذي يفرض الإسراع في التنفيذ من دون أي تسويف، معتبراً أن أي تأجيل للمرحلة الثانية شمال الليطاني “لا يمكن تبريره بمنطق كسب الوقت”.

ويحذّر العاقوري في حديث لموقع “الحرة” من “أوهام بعض القوى السياسية بإمكان المراوغة أو انتظار متغيرات إقليمية ودولية عبر السير بإيقاع حزب الله”، واصفاً هذا النهج بـ”الخطيئة الكبرى”.

بدوره يرى رئيس جهاز الإعلام والتواصل في حزب القوات اللبنانية شارل جبور أن قرار الحكومة بالمضي في المرحلة الثانية “يشكل تحدياً مباشراً لحزب الله، الذي أعلن رفضه التعاون في هذه المرحلة، كما لم يتعاون فعلياً في المرحلة الأولى”. ويؤكد لموقع “الحرة” أن “الفجوة لا تزال قائمة بين الموقف النظري للدولة والتطبيق العملي المتباطئ خشية التصادم مع الحزب”. مشدداً على أن “الوقت لم يعد يسمح بالتأخير”.

حذر مدروس؟

من جهة أخرى، يقدّم خبراء قراءة مغايرة. إذ يرى الخبير الاستراتيجي، العميد المتقاعد ناجي ملاعب أن الجيش اللبناني يعتمد دبلوماسية “المماطلة” بانتظار ترجمة الوعود الدولية. ولا سيما عقد مؤتمر دعم الجيش في باريس الذي تم تأجيله إلى فبراير القادم ويشرح “أن الدعم الغربي، ولا سيما الأميركي، للجيش اللبناني ليس جديداً، وتندرج موافقة الكونغرس على تخصيص 90 مليون دولار في إطار التحضير لمراحل لاحقة من مهامه. ما يعكس تناغم واضح بين عملية الدعم وتنفيذ المهام”.

وكان رئيس الحكومة قد أكد أنه على ضوء الإمكانات المتوافرة في مؤتمر باريس “سيتمكّن الجيش من تنفيذ خطته لحصر السلاح”.

ويلفت ملاعب في حديث لموقع “الحرة” إلى أن الجيش حقق إنجازات ملموسة جنوب الليطاني “بسبب موافقة الحزب على تسليم سلاحه في تلك المنطقة، ما سمح بتنفيذ المهام بسلاسة”. في المقابل، تبقى الأوضاع شمال الليطاني أكثر تعقيداً كما يقول “بسبب احتمال وجود أنفاق وأسلحة ملغّمة، والحاجة إلى تقنيات متقدمة وموقف مماثل من حزب الله لناحية التخلي عن سلاحه”.

وفي السياق أعلن حزب الله أمس الخميس أن لبنان أوفى بالتزاماته جنوب الليطاني، محذراً الحكومة من أي تنازلات لإسرائيل.

ويرى ملاعب أن “الوقت يصب في مصلحة الاستراتيجية الحكومية، خصوصاً إذا نجح الضغط الدبلوماسي في وقف الاستهدافات الاسرائيلية وتحقيق انسحاب إسرائيلي من النقاط المتواجد فيها جنوب البلاد، ما يسهّل مهمة الجيش”.

هل يتلقف لبنان الفرصة؟

منذ توقف القصف المتبادل بين حزب الله وإسرائيل في نوفمبر الماضي، عقب نحو 14 شهراً من المواجهات، بدت الساحة اللبنانية أمام فرصة نادرة لكسر حلقة الحروب المتكررة.

فقد نصّ اتفاق وقف إطلاق النار على تنفيذ القرار 1701 الصادر عن مجلس الأمن، والذي يدعو إلى إقامة منطقة خالية من أي وجود مسلح بين الخط الأزرق ونهر الليطاني، باستثناء الجيش اللبناني وقوات “اليونيفيل”. كما يشير القرار إلى وجوب تطبيق القرار 1559، الذي ينص على نزع سلاح جميع الميليشيات في لبنان، وحصر السلاح بيد الدولة.

ورغم وجود توافق داخلي واسع حول هذه المبادئ، فإن التقدّم الفعلي بقي حتى الآن محصوراً حتى جنوب الليطاني، وفيما يشدد الجيش اللبناني على أن انسحاب إسرائيل من النقاط الخمس ووقف استهدافاتها يسهّل عملية حصر السلاح، يرى العاقوري أن المسؤولية لا تقع على إسرائيل وحدها، مشدداً على ضرورة قيام لبنان بواجباته الداخلية.

ويشدد العاقوري على أن “نزع سلاح حزب الله مرتبط مباشرة بتنفيذ اتفاق الطائف، وليس فقط باتفاق وقف النار الأخير”. ويشير إلى “التناقض بين دعوات رئيس الجمهورية اللبنانية للمجتمع الدولي لمنع تهريب الأسلحة وقطع تصنيعها، فيما حزب الله يتباهى بإعادة التسلح، ما يعزز مبررات إسرائيل للتصعيد العسكري”.

من جهته يشدد جبور على أن إسرائيل “واضحة في موقفها، فهي لن تنسحب من نقاط تواجدها ولن توقف استهدافاتها قبل تفكيك البنية العسكرية لحزب الله، تنفيذاً لاتفاق وقف النار الذي يحاول الحزب الالتفاف عليه، كما فعل عام 2006″، مؤكداً أن إصرار الحزب على التمسك بسلاحه يعد “انتحاراً”.

تصعيد إسرائيلي.. وجرس إنذار

صعّدت إسرائيل في الأيام الأخيرة، عملياتها العسكرية ضد أهداف تابعة لحزب الله وحركة “حماس”، وأعادت العمل بسياسة توجيه الإنذارات للسكان قبل استهداف المباني.

وعقب بيان الجيش اللبناني أعلنت إسرائيل أنها تعتبر أن خطواته والحكومة اللبنانية “مشجعة لكنها غير كافية”، مشددة على أن اتفاق وقف النار ينص على نزع سلاح حزب الله بالكامل، معتبرة ذلك شرطاً أساسياً لأمنها ولمستقبل لبنان.

وتتهم إسرائيل حزب الله بالعمل على إعادة تسليح نفسه وتهريب الأسلحة من سوريا. وفي نوفمبر الماضي، أكد المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي نداف شوشاني ذلك، مشيراً في حديث لوكالة “ رويترز ” إلى أن الجيش الإسرائيلي يعمل على إغلاق الطرق البرية بنجاح، لكن الحزب لا يزال يشكل تهديداً.

ويشير تقرير لمركز ألما الإسرائيلي إلى محاولات أسبوعية لتهريب أسلحة خفيفة ومتوسطة، تشمل “مئات صواريخ الكورنيت وصواريخ غراد”، لافتاً إلى أن بعض الشحنات تنجح بالوصول إلى الأراضي اللبنانية.

ويرى العاقوري أن توصيف إسرائيل للخطوات اللبنانية بأنها “مشجعة لكنها غير كافية” يمثل “جرس إنذار”، مع وجود “ضوء أخضر أميركي لأي ضربة محتملة”.

ويتساءل العاقوري عن “قدرة واشنطن على الاستمرار في الضغط على إسرائيل لتمديد المهلة، بعد أن كانت قد حددت نهاية 2025 موعداً لإنهاء السلاح غير الشرعي في لبنان”.

بينما يحذر جبور، من أن التأخر في نزع السلاح “سيؤدي إلى حرب حتمية”.

وبين المماطلة السياسية والحذر العسكري، يتآكل عامل الوقت، فيما يراقب الداخل والخارج قدرة الدولة اللبنانية على نزع السلاح غير الشرعي واحتكار قرار الحرب والسلم.

الحرة المصدر: الحرة
شارك

أخبار ذات صلة


الأكثر تداولا دونالد ترامب أمريكا إيران

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا